مرض أطفال الفراشات.. هكذا تصبح «لمسة الحب» مؤلمة كالنار  

مرض أطفال الفراشات.. هكذا تصبح «لمسة الحب» مؤلمة كالنار  

المحرر: محمود الغول - مصر
أطفال الفراشات

تخيل أن مجرد لمسة حانية لطفلك قد تسبب له جروحا دامية. هذا للأسف هو الواقع اليومي المؤلم للمصابين بمرض أطفال الفراشات. وهو حالة وراثية نادرة تصيب الجلد بهشاشة مفرطة.

يظهر المرض عادة منذ الولادة أو في الطفولة المبكرة جدا. ويحدث نتيجة خلل جيني يؤثر على البروتينات اللاصقة للجلد. وبالتالي، تنفصل طبقات الجلد عن بعضها عند أدنى احتكاك.

قد تسأل لماذا سمي بهذا الاسم؟ ذلك لأن جلد الطفل يكون رقيقا كأجنحة الفراشة. في الواقع، هذه التسمية الشاعرية تخفي خلفها جبلا من الألم. فكيف يعيش هؤلاء الأطفال. وما هو مستقبل علاجهم؟

مرض أطفال الفراشات

في جسم الإنسان الطبيعي، توجد مراسي تربط طبقات الجلد ببعضها. هذه المراسي عبارة عن بروتينات مثل الكولاجين تعمل كالغراء القوي. لكن في مرض أطفال الفراشات، يغيب هذا الغراء تماما.

نتيجة لذلك، تصبح طبقة الجلد الخارجية منفصلة عن الأنسجة تحتها. وأي ضغط بسيط، كمسكة يد أو احتكاك الملابس، يسبب فقاعات. هذه الفقاعات سرعان ما تتحول إلى جروح مفتوحة ومؤلمة. حسب موقع مايو كلينك الطبي.

طبيا، يعرف المرض باسم انحلال البشرة الفقاعي. وهو ليس مرضا معديا على الإطلاق، بل هو خلل جيني. لذلك، لا داعي للخوف من ملامسة الطفل المصاب أو اللعب معه.

علاوة على ذلك، تتفاوت درجات الإصابة من طفل لآخر بوضوح. فهناك حالات بسيطة تظهر فقاعات في اليدين والقدمين فقط. وهناك حالات شديدة تغطي الجسم كله وتؤثر على الأعضاء الداخلية.

الاستحمام كمعركة حربية

بالنسبة لأم الطفل المصاب، يعتبر وقت الاستحمام هو الأصعب يوميا. فعملية تغيير الضمادات قد تستغرق من ساعتين إلى أربع ساعات. وهذا الروتين الضروري يسبب ألما لا يحتمل للطفل الصغير.

في الحقيقة، تلتصق الضمادات بالجروح المفتوحة رغم استخدام المراهم. وعند نزعها، يصرخ الطفل من شدة الألم وكأن جلده ينسلخ. وهذا يضع الأم تحت ضغط نفسي وعصبي هائل ومستمر. حسب موقع ويب طب.

إضافة إلى ذلك، يواجه الطفل صعوبة بالغة في اختيار ملابسه. فيجب أن تكون الأقمشة ناعمة جدا وخالية من أي خيوط بارزة. وحتى الأحذية، غالبا ما تكون مستحيلة الارتداء بسبب جروح القدمين.

وبالتالي، يعيش المصاب بـ مرض أطفال الفراشات في حالة تأهب دائم. فهو يخشى السقوط، ويخشى المصافحة القوية، ويخشى الألعاب الخشنة. وهذا يحرمه من عفوية الطفولة التي يتمتع بها أقرانه.

طفل مصاب بمرض أطفال الفراشات
طفل مصاب بمرض أطفال الفراشات

التحدي الغذائي.. عندما يجرح الطعام

لا يقتصر تأثير المرض على الجلد الخارجي الظاهر فقط. بل يمتد في الحالات الشديدة ليصيب الأغشية المخاطية الداخلية. وتحديدا، يصيب الفم، والمريء، والبلعوم بفقاعات وتقرحات مؤلمة جدا.

نتيجة لذلك، تصبح عملية البلع عذابا حقيقيا للطفل المصاب. وقد يرفض الطعام تماما خوفا من الألم الذي يسببه البلع. وهذا يؤدي بدوره إلى سوء تغذية ونقص في النمو.

لذلك، تلجأ الأمهات إلى تقديم الطعام في صورة سائلة ومهروسة. ويجب أن يكون الطعام فاترا، ليس ساخنا ولا باردا جدا. وفي بعض الحالات المتقدمة، قد يحتاج الطفل لأنبوب تغذية مباشر للمعدة.

من ناحية أخرى، تسبب الجروح المتكررة في الفم مشاكل بالأسنان. فتصبح الأسنان ضعيفة وعرضة للتسوس بشكل أسرع من المعتاد. وهذا يضيف عبئا علاجيا جديدا على كاهل الأسرة المنهكة.

التنمر والعزلة وجروح لا تُرى

بينما تلتئم جروح الجلد ببطء، تبقى جروح النفس مفتوحة. فغالبا ما يتعرض أطفال الفراشات لنظرات الفضول والاشمئزاز في الأماكن العامة. وهذا السلوك المجتمعي الجاهل يدفعهم للعزلة والانطواء داخل منازلهم.

في المدارس، قد يرفض الطلاب اللعب مع الطفل المصاب خوفا من العدوى. وهذا يعود لغياب التوعية بحقيقة مرض أطفال الفراشات غير المعدي. وبالتالي، يشعر الطفل بأنه منبوذ وغير مرغوب فيه في بيئته.

علاوة على ذلك، قد ترفض بعض المدارس قبول هؤلاء الأطفال. والحجة تكون دائما عدم القدرة على تحمل مسؤولية سلامتهم. وهذا يعد انتهاكا صريحا لحقهم الدستوري والإنساني في التعليم والدمج.

طالع: أبناء القمر في العالم العربي.. سجناء الظلام الذين تقتلهم أشعة الشمس

لذلك، يلعب الدعم النفسي دورا حاسما في حياة أطفال الفراشات. يجب تعزيز ثقتهم بأنفسهم، وتعليمهم كيفية الرد على المتنمرين. فالقوة النفسية هي درعهم الوحيد في مواجهة هذا العالم الخشن

 جينات تصحح المسار

لفترة طويلة، كان العلاج يقتصر على العناية التلطيفية فقط. أي مجرد وضع الضمادات، وتسكين الألم، ومحاربة الالتهابات البكتيرية. لكن، في السنوات الأخيرة، بدأ شعاع من الأمل يلوح في الأفق.

مؤخرا، وافقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) على علاجات جينية واعدة. منها جل موضعي يحتوي على فيروس معدل يحمل الجين السليم. يتم وضع هذا الجل على الجروح ليساعد الجلد على الالتئام.

في الواقع، تعتبر هذه القفزة العلمية ثورة حقيقية في المجال. فهي لا تعالج الأعراض فقط، بل تحاول إصلاح الخلل الجيني موضعيا. وهذا يعني التئاما أسرع للجروح وألما أقل بكثير.

ومع ذلك، ما زالت هذه العلاجات باهظة الثمن وغير متوفرة للجميع. لكن وجودها بحد ذاته يعطي أملا بقرب التوصل لعلاج نهائي. فالعلم يتقدم كل يوم ليمسح دمعة عن خد طفل متألم.

كيف ندعم أسر الفراشات؟

إن رعاية طفل مصاب بـ مرض أطفال الفراشات مهمة شاقة ومكلفة. فتكلفة الضمادات والكريمات المتخصصة قد تصل لمبالغ خيالية شهريا. وغالبا لا تغطي شركات التأمين هذه المستلزمات باعتبارها تجميلية خطأ.

لذلك، يحتاج هؤلاء الأسر لدعم مجتمعي ومؤسسي قوي ومستدام. يجب توفير المستلزمات الطبية مجانا أو بأسعار مدعمة من الدولة. كما يجب تدريب التمريض المنزلي لمساعدة الأمهات في روتين العناية اليومي.

من جانب آخر، علينا نحن كأفراد دور بسيط ولكنه عظيم. وهو تغيير النظرة. عندما ترى طفلا بجلد ملفوف بالضمادات، لا تطل النظر. بل ابتسم له بصدق، وعامله كأي طفل طبيعي آخر.

أيضا، يمكننا التبرع للجمعيات الخيرية المتخصصة في رعاية هذه الفئة. فهناك مؤسسات تعمل ليل نهار لتوفير الجلد الصناعي والضمادات لهم. تبرعك البسيط قد يمنح طفلا ليلة نوم هادئة بلا ألم.

رسالة إلى كل أم فراشة

إلى كل أم تسهر الليالي لتضمد جراح صغيرها، أنت بطلة. أنت لا تربين طفلا عاديا، بل تربين محاربا يواجه الألم بابتسامة. لا تلومي نفسك على ألم العناق، فقلبك يضمه أكثر من يديك.

اعلمي أن قوتك وصبرك هما الدواء الحقيقي لطفلك في محنته. ولا تترددي في طلب الدعم النفسي لنفسك أنت أيضا. فلكي تعطي الحب والرعاية، يجب أن تكوني بخير ومتماسكة من الداخل.

في النهاية، تذكري أن أجنحة الفراشة رغم هشاشتها، فهي قادرة على الطيران. وطفلك رغم مرضه، قادر على التحليق والنجاح والإبداع. فقط يحتاج إلى ريح طيبة من الدعم والقبول ليرتفع عاليا.

الفراشات تستحق الحياة

ختاما، يظل مرض أطفال الفراشات اختبارا لإنسانيتنا جميعا قبل أن يكون اختبارا للمصابين. إنه يذكرنا بنعمة الجلد السليم التي نغفل عنها وعن شكر الله عليها. ويدعونا لمد يد العون لمن حرموا من هذه النعمة البسيطة.

هؤلاء الأطفال يمتلكون أرواحا صلبة جدا، داخل أجساد هشة للغاية. هم يعلموننا كل يوم معنى الصبر، والرضا، وحب الحياة رغم الوجع. فلنكن لهم سندا، ولنجعل عالمنا أكثر نعومة ليتسع لأجنحتهم الرقيقة.

المقالة السابقة
اليابان تدمج ذوي الإعاقة ثقافيًا عبر كتيبات برايل ومترجمي لغة الإشارة
المقالة التالية
كرست حياتها لدعم مصابي الحبل الشوكي.. وفاة الناشطة الأمريكية ناتالي بارنهارد