في مثل هذا اليوم، 18 يناير 1940، شهدت ألمانيا حدثا مأساويا غير مجرى التاريخ. وصلت حافلات رمادية مغلقة النوافذ إلى قلعة جرافينيك القديمة. كانت تحمل الدفعة الأولى من الضحايا، وهم 25 رجلا من ذوي الإعاقة.
لم يكن هؤلاء الرجال في رحلة علاجية كما قيل لهم ولذويهم. بل كانوا وقودا لافتتاح أول غرفة غاز في التاريخ الحديث. لقد كانت بداية التنفيذ العملي لبرنامج أكتيون تي 4 السري والدموي.
في الواقع، يمثل هذا التاريخ وصمة عار لا تمحى في جبين الإنسانية. فهو اليوم الذي قررت فيه دولة عظمى إبادة مواطنيها لأنهم مختلفون. واعتبرت أن الإعاقة مبرر كاف لسلب الحق في الحياة.
علاوة على ذلك، كان هذا الحدث هو البروفة الحقيقية للمحارق الكبرى لاحقا. فقبل أن يحرق العالم في أتون الحرب، حرق المعاقون بصمت. واليوم، نفتح هذا الملف المؤلم لنعتبر ونتذكر.
ما هو برنامج أكتيون تي 4؟
ببساطة، أكتيون تي 4 هو الاسم الرمزي لبرنامج القتل «الرحيم» النازي القسري. صدرت الأوامر به مباشرة من أدولف هتلر في أواخر عام 1939. وكان الهدف منه تطهير العرق الآري من الشوائب والضعفاء. وفق الموقع الرسمي للنصب التذكاري في برلين على الإنترنت.
استهدف البرنامج بشكل مباشر الأشخاص ذوي الإعاقات الذهنية والجسدية والأمراض النفسية. وشمل أيضا المصابين بأمراض وراثية أو مزمنة غير قابلة للشفاء. لقد نظروا إليهم كأرقام وإحصائيات، لا كبشر لهم أرواح.
تمت إدارة هذا البرنامج بسرية تامة من فيلا في برلين، عنوانها Tiergartenstraße 4. ومن هنا جاء الاسم المختصر والمرعب T4. وجندت الدولة أطباء وممرضات لتنفيذ هذه الجريمة بدقة متناهية.
وبالتالي، تحول الطبيب من ملائكة رحمة يعالج الألم، إلى قاضي موت. يقرر بجرة قلم من يعيش ومن يموت بناء على قدرته الإنتاجية. وتلك كانت قمة الانتكاسة الأخلاقية للطب في ذلك العصر.
قلعة جرافينيك والجحيم في ثوب الجنة
اختارت النازية قلعة جرافينيك لتكون أول مركز للقتل، لموقعها المنعزل والجميل. تقع القلعة في جنوب ألمانيا، محاطة بالغابات والطبيعة الخلابة. لكن ما كان يدور داخل أسوارها كان كابوسا مروعا.
تم تحويل القلعة بسرعة من مأوى خيري للمعاقين إلى مسلخ بشري. تم بناء ثكنات خشبية، وتجهيز غرف محكمة الإغلاق. صممت هذه الغرف لتبدو وكأنها حمامات جماعية عادية للاستحمام. وفق موقع بعنوان دليل سياحة المواقع المظلمة dark-tourism.com.
في يوم 18 يناير، دخل ال 25 رجلا إلى هذه الغرف المزعومة. وبدلا من الماء، ضخ عليهم غاز أول أكسيد الكربون القاتل. مات الجميع في دقائق معدودة، ودشنوا بدمائهم عصر الإبادة الصناعية.
من المؤلم أن نعرف أن هذه القلعة شهدت مقتل أكثر من 10 آلاف معاق في عام واحد. كانت المداخن تنفث الدخان الأسود ورائحة اللحم المحترق ليل نهار. وكان سكان القرى المجاورة يعرفون الحقيقة ويصمتون خوفا.
كذبة غير المستحقين للحياة
استند برنامج أكتيون تي 4 إلى فلسفة عنصرية مقيتة تسمى الحياة غير المستحقة للحياة. روجت الدعاية النازية لفكرة أن المعاقين هم آكلون عديمو الفائدة. وأنهم يستهلكون موارد الدولة دون تقديم أي إنتاج.
في المدارس، كانت المسائل الحسابية تسأل الطلاب عن تكلفة رعاية المجنون. وتقارنها بتكلفة بناء منازل للأصحاء أو شراء دبابات للجيش. هكذا تم غسل أدمغة جيل كامل ليكره الضعفاء.
كان الهدف هو إقناع المجتمع بأن التخلص من المعاقين هو عمل وطني. بل وصوروه على أنه رحمة لهم لتخليصهم من عذاب المرض. لكن الحقيقة كانت توفيرا اقتصاديا باردا ومجردا من الإنسانية.
هذا المنطق الاقتصادي المرعب هو أخطر ما في القصة. لأنه يحول الإنسان إلى سلعة تقاس قيمتها بالمال والإنتاج فقط. وهو فكر يجب أن نحاربه اليوم بكل قوتنا.

خديعة الأهالي.. مات فجأة
لضمان سرية العمليات، مارست السلطات النازية خديعة كبرى على أهالي الضحايا. كان يتم نقل المرضى من المصحات والمستشفيات بحجة النقل لمكان أفضل. أو بدعوى وجود علاجات متطورة في مراكز خاصة.
بمجرد وصول الضحية إلى جرافينيك أو غيرها، يتم قتله فورا. ثم تصل رسالة رسمية للأسرة بعد أيام قليلة. تخبرهم بوفاة ابنهم فجأة بسبب التهاب رئوي أو سكتة قلبية.
كانت شهادات الوفاة مزورة بالكامل، وتوزع أسباب الوفاة بشكل عشوائي. حتى أن بعض الأسر استلمت جرة رماد قيل إنها لفقيدهم. ليكتشفوا لاحقا أنها تحتوي على رماد مختلط لعدة أشخاص.
ومع ذلك، بدأت الشكوك تتسرب إلى الناس تدريجيا. فكيف يموت الآلاف فجأة بنفس الأعراض؟ وكيف يموت مريض نفسي ب التهاب الزائدة الدودية وقد استأصلها سابقا؟ بدأت رائحة الجريمة تفوح.
المعاقون.. حقل تجارب الهولوكوست
يجمع المؤرخون اليوم على حقيقة تاريخية هامة جدا. وهي أن أكتيون تي 4 كان مختبر التجارب للهولوكوست. فالتكنولوجيا التي استخدمت لإبادة الملايين لاحقا، جربت أولا على المعاقين.
في جرافينيك، تعلم النازيون كيفية بناء غرف الغاز بفعالية. وتعلموا كيفية التخلص من الجثث بالحرق السريع. واختبروا أساليب خداع الضحايا ليدخلوا الغرف بهدوء دون مقاومة.
حتى الطاقم الذي أدار معسكرات الموت الشهيرة مثل تريبلينكا وسوبيبور. كان معظمهم من خريجي برنامج T4 الذين تدربوا في مصحات المعاقين.
نهاية البرنامج وبداية القتل العشوائي
في عام 1941، وبسبب ضغوط الكنيسة واحتجاجات الأهالي، أمر هتلر بوقف البرنامج رسميا. فقد ألقى الأسقف فون جالين خطبة نارية فضح فيها عمليات القتل. وتجرأ الناس على الحديث علنا عن المحارق.
لكن، هل توقف القتل فعلا؟ للأسف لا. تحول البرنامج من مركزي في غرف الغاز، إلى لامركزي داخل المستشفيات. أصبح الأطباء يقتلون المرضى بجرعات مخدرات زائدة أو بالتجويع المتعمد.
استمر هذا القتل الصامت حتى الأيام الأخيرة للحرب في عام 1945. وقدر عدد الضحايا الإجمالي بين 200 ألف إلى 300 ألف شخص. بينهم آلاف الأطفال الذين قتلوا في أجنحة خاصة تسمى أجنحة الأطفال المتخصصين.
استمرار القتل حتى النهاية يكشف عمق الكراهية المتجذرة. ويكشف أن الأيديولوجية الفاسدة لا تتوقف بمجرد قرار إداري. بل تحتاج لاقتلاع جذورها الفكرية من العقول.

لماذا نتذكر أكتيون تي 4 اليوم؟
يجدر لقول إن استعادة ذكرى 18 يناير 1940 ليست لجلد الذات أو البكاء على الأطلال. بل هي جرس إنذار يدق في عالمنا المعاصر. فما زالت نظرة العبء الاقتصادي تلاحق ذوي الإعاقة في بعض السياسات.
في أوقات الأزمات والجوائح، تظهر أحيانا أصوات تطالب بتفضيل الأصحاء في العلاج. وهذا هو الصدى البعيد لفكر أكتيون تي 4. فكرة أن هناك حياة أغلى من حياة أخرى.
طالع: غضب في ألمانيا بسبب حملة ضد التحرش الجنسي تسخر من طفل أسود
لذلك، جاءت الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة لترد على هذا التاريخ. لتؤكد أن الحق في الحياة مقدس وغير قابل للمساومة. وأن الإعاقة هي جزء من التنوع البشري الطبيعي.
علينا أن نعلم أطفالنا أن قيمة الإنسان لا تقاس بذكائه أو قوة جسده. بل تقاس بكونه إنسانا فقط. وهذا هو الحصن الوحيد الذي يمنع تكرار جرافينيك جديدة.
لن ننسى الـ 25 ضحية
في الختام، نقف اليوم دقيقة صمت حدادا على أرواح ال 25 رجلا. أولئك الذين دخلوا قلعة جرافينيك في صقيع يناير ولم يخرجوا أبدا. لم نعرف أسماءهم جميعا، لكننا نعرف قضيتهم جيدا.
لقد دفعوا حياتهم ثمنا لفكرة مجنونة سيطرت على عقول البشر يوما ما. ونحن اليوم، كأشخاص ذوي إعاقة ومناصرين، نحمل شعلة ذكراهم. نعدهم بأن ندافع عن حق كل مختلف في الحياة والكرامة.
يجب ألا نسمح أبدا بأن ينظر لأي إنسان على أنه عبء. ولن تمرر أي سياسة تحرم المعاق من حقه في الوجود. فتاريخ أكتيون تي 4 لن يتكرر، مادام فينا عرق ينبض بالإنسانية.


.png)


















































