لا يمكن فهم اضطراب طيف التوحد بمعزل عن الحواس، فالكثير من السلوكيات التي تبدو غريبة أو غير مفهومة لدى الأطفال المصابين بالتوحد، تكون في حقيقتها انعكاسًا مباشرًا لاضطراب في طريقة استقبال الدماغ للمثيرات الحسية، ومن هنا يبرز مفهوم التكامل الحسي كزاوية أساسية لفهم التوحد، والتعامل معه بشكل علمي وإنساني، بعيدًا عن التفسيرات السطحية أو الأحكام المسبقة.
اضطراب الحواس مفتاح لفهم سلوك الطفل
يعاني عدد كبير من الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد من خلل في معالجة المثيرات الحسية، وهو ما ينعكس على سلوكهم اليومي وتفاعلهم مع البيئة المحيطة. فقد تكون استجابات الطفل للأصوات أو اللمس أو الروائح أو الضوء، إما شديدة للغاية أو ضعيفة بصورة غير معتادة، الأمر الذي يجعله في حالة توتر دائم أو انسحاب أو اندفاع غير مبرر. هذا الخلل الحسي قد يظهر في صورة انزعاج شديد من لمسة بسيطة، أو نفور من مذاقات معينة، أو ضيق من أصوات لا يلاحظها الآخرون، وفي المقابل قد لا يتفاعل الطفل مع مثيرات مؤلمة أو باردة أو حارة. وتؤدي هذه التناقضات إلى صعوبة تكيف الطفل مع محيطه، ما يؤثر على سلوكه الاجتماعي وقدرته على التعلم والتواصل.

لا يقف تأثير اضطراب التكامل الحسي عند حدود السلوك فقط، بل يمتد إلى مهارات التواصل واللغة. فالطفل الذي يعجز عن تنظيم مدخلاته الحسية يجد صعوبة في التفاعل مع الآخرين أو المشاركة في حوار متبادل. وغالبًا ما تستخدم اللغة لديه بشكل وظيفي محدود يقتصر على تسمية الأشياء أو طلب الاحتياجات، دون تعبير حقيقي عن المشاعر أو الأفكار، كما تظهر لدى بعض الأطفال أنماط لغوية غير معتادة، مثل تكرار الكلمات أو العبارات المسموعة، أو استخدام جمل محفوظة بدلًا من الحديث التلقائي، إلى جانب الخلط في استخدام الضمائر، وهي مظاهر تعكس عمق الاضطراب الحسي وتأثيره المباشر على التواصل.
تنظيم الاستجابة الحسية أساس تحسين التواصل
وفي هذا الإطار، تؤكد دكتورة مروة ثابت، مدير مركز التوحد بالمؤسسة القومية لتنمية الأسرة والمجتمع بمصر: “إن اضطراب طيف التوحد لا يظهر بصورة واحدة لدى جميع الأطفال”، موضحة في تصريحاتها لـ “جسور” أن بعض العلامات قد تبدأ في مرحلة الطفولة المبكرة، مثل قلة التواصل البصري، أو عدم الاستجابة للاسم، أو ضعف الاهتمام بمقدمي الرعاية، بينما قد ينمو أطفال آخرون بشكل طبيعي خلال الأشهر أو السنوات الأولى، قبل أن تظهر الأعراض فجأة في صورة انسحاب اجتماعي أو سلوك عدواني أو فقدان مهارات لغوية مكتسبة، وغالبًا ما تتضح هذه التغيرات عند عمر عامين.
وتشير إلى أن لكل طفل مصاب بالتوحد نمطًا فريدًا من السلوك ومستوى مختلفًا من شدة الاضطراب، يتراوح بين الأداء المنخفض والأداء العالي، لافتة إلى أن ردود الفعل الحسية تمثل أحد أبرز سمات الاضطراب. فالأطفال المصابون بالتوحد قد تكون استجابتهم للمثيرات الحسية إما مفرطة أو ضعيفة للغاية؛ إذ قد ينزعج الطفل بشدة من ملمس أو رائحة أو مذاق معين، أو يتجاهل أصواتًا بعينها، في حين تزعجه أصوات أخرى بشكل حاد.
فوائد جلسات التكامل الحسي
وتوضح دكتورة مروة أن هذا الخلل الحسي هو جوهر العمل داخل جلسات التكامل الحسي. حيث يتم مساعدة الطفل على تنظيم مدخلاته الحسية. وضبط ردود أفعاله تجاه المثيرات المختلفة، بما ينعكس على سلوكه العام وقدرته على التفاعل.
كما تؤكد أن الاضطرابات اللغوية المرتبطة بالتوحد، مثل التأخر في الكلام أو تكرار الكلمات فيما يُعرف بصدى الكلام (Echolalia)، أو الاستخدام غير الصحيح للضمائر، ترتبط ارتباطًا وثيقًا باضطراب التكامل الحسي، ما يجعل العمل على هذا الجانب خطوة أساسية لتحسين مهارات التواصل وجودة حياة الطفل.

وتضيف مدير مركز التوحد: “إن جلسات التكامل الحسي أحد أهم أدوات التدخل مع الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد. إذ تعتمد على مساعدة الطفل في تنظيم الطريقة التي يستقبل بها دماغه المثيرات الحسية المختلفة. مثل اللمس والحركة والصوت والضوء والضغط العميق. وتنفذ هذه الجلسات داخل غرف معدة خصيصًا. تحتوي على أدوات وأنشطة مدروسة. تهدف إلى تعريض الطفل لمثيرات حسية بشكل تدريجي وآمن. بما يساعده على تحقيق التوازن بين فرط الاستجابة الحسية وضعفها”.
وتسهم جلسات التكامل الحسي في تحسين قدرة الطفل على التهدئة الذاتية. وزيادة الانتباه والتركيز، وتقليل نوبات التوتر والسلوكيات الاندفاعية أو الانسحابية. كما تنعكس بشكل إيجابي على مهارات التواصل واللغة. إذ يصبح الطفل أكثر قدرة على التفاعل مع الآخرين. والاستجابة للتوجيهات. وهو ما ينعكس في النهاية على جودة حياته وقدرته على الاندماج داخل الأسرة والمجتمع.


.png)

















































