الأمراض المدارية المهملة.. حرب مصر التاريخية ضد «سارقي العيون والأطراف»

الأمراض المدارية المهملة.. حرب مصر التاريخية ضد «سارقي العيون والأطراف»

المحرر: محمود الغول - مصر
الأمراض المدارية المهملة

في عالم الطب، هناك أمراض تتصدر العناوين وتجذب مليارات الدولارات للأبحاث مثل السرطان والسكري. وهناك أمراض أخرى تعيش في الظل، تنهش أجساد الفقراء بصمت. وتخلف وراءها جيشا من ذوي الإعاقة، دون أن يسمع بهم أحد.

اليوم، 30 يناير، يحيي العالم اليوم العالمي لـ«الأمراض المدارية المهملة». كلمة مهملة هنا ليست وصفا طبيا، بل هي إدانة أخلاقية للعالم. سميت كذلك لأنها نادرا ما تصيب سكان الدول الغنية. ولأن شركات الأدوية العالمية لم تكن تهتم بإنتاج علاجات لها لأن ضحاياها لا يملكون المال.

لكن بالنسبة لنا في مصر والمنطقة العربية، هذا اليوم يمس وترا حساسا وتاريخيا. فنحن نتحدث عن أمراض ليست غريبة.. نتحدث عن التراكوما (الرمد الحبيبي) التي سرقت عيون أجدادنا. وعن الجذام الذي أكل أطرافهم.

ملف الأمراض المدارية المهملة

في «جسور»، نفتح هذا الملف كحدث طبي، وأيضا  كقصة كفاح ضد «الإعاقة التي يمكن تجنبها». كيف كانت هذه الأمراض هي المصنع الأول للمكفوفين ومبتوري الأطراف في مصر؟ وكيف استطاعت الدولة المصرية عبر تاريخ طويل أن تغلق أبواب هذا المصنع؟

التراكوما وأرض العميان

لأكثر من قرن، ارتبط اسم مصر عالميا بمرض التراكوما. كتب الرحالة والمستشرقون في القرن التاسع عشر بذهول عن أعداد المصابين بالعمى في شوارع القاهرة والريف. لم يكن هذا قدرا، بل كان نتيجة مباشرة لهذا المرض المداري. حسب كتاب Manners and Customs of the Modern Egyptians. المؤلف: المستشرق الإنجليزي إدوارد ويليام لين. الذي عاش في القاهرة بين عامي 1825 و1835.

التراكوما هي عدوى بكتيرية تصيب العين نتيجة قلة النظافة وعدم توفر المياه النظيفة وانتشار الذباب. والخطر الحقيقي لهذا المرض هو أنه يسبب «إعاقة بصرية تدريجية». الالتهاب المتكرر يؤدي إلى ندبات في الجفن، مما يجعل الرموش تنقلب للداخل (تريكيازيس). وتبدأ في تجريح القرنية مع كل رفة عين. حتى تصبح القرنية معتمة تماما ويفقد الإنسان بصره.

مصر تصبح سابع بلد في شرق المتوسط ينجح في التخلص من التراكوما
مصر تصبح سابع بلد في شرق المتوسط ينجح في التخلص من التراكوما

كانت التراكوما هي السبب التاريخي الأول للإعاقة البصرية في الريف المصري. آلاف المصريين بما فيهم أدباء وقراء قرآن عظام فقدوا أبصارهم في طفولتهم بسبب الرمد الذي أهمل علاجه. واحتفالنا اليوم في 30 يناير هو احتفال بجهود جبارة لوزارة الصحة المصرية ومنظمات المجتمع المدني. التي نجحت على مدار عقود في خفض معدلات التراكوما لدرجة أن منظمة الصحة العالمية أعلنت خلو مصر منها كمشكلة صحية عامة. هذا يعني إنقاذ ملايين العيون من الظلام الحتمي.

الجذام أو الإعاقة الموصومة

الوجه الآخر المظلم للأمراض المدارية المهملة هو مرض الجذام. وهذا المرض لا يسبب فقط إعاقة جسدية، بل يسبب موتا اجتماعيا.

الجذام يهاجم الأعصاب الطرفية، مما يفقد المريض الإحساس بيديه وقدميه. الخطورة هنا تكمن في أن المريض قد يجرح نفسه أو يحترق دون أن يشعر. وتكرار الإصابات يؤدي إلى تآكل الأصابع وتشوهات في الأطراف قد تنتهي بالبتر. تخيل أن تتحول يدك التي تعمل بها إلى طرف مشوه عاجز عن الإمساك بالأشياء. وفوق ذلك، ينفر منك المجتمع خوفا من العدوى. وفق موقع مايوكلينك الطي.

طالع: المتعافون من الجذام.. يشفى المرض وتبقى الوصمة

مصر تمتلك واحدا من أقدم مستعمرات الجذام في العالم وهي مستعمرة الخانكة. تاريخيا كان مريض الجذام يعزل كالسجين. أما اليوم، تغير المفهوم تماما. العلاج أصبح متوفرا ومجانيا، والهدف تحول من العزل إلى منع الإعاقة.

في اليوم العالمي للأمراض المدارية المهملة، نوجه التحية لأطباء الجلدية والتمريض الذين يعملون في قرى الصعيد والدلتا لاكتشاف الحالات مبكرا. لأن قرص دواء واحد في بداية المرض، قد ينقذ شابا من بتر ساقه ومن العيش بقية عمره كشخص ذي إعاقة حركية.

لماذا هي «أمراض الفقر»؟

الرابط المشترك بين التراكوما والجذام والبلهارسيا، التي تسبب إعاقات في الأعضاء الداخلية، هو الفقر. فهذه الأمراض تعيش حيث تغيب المياه النظيفة والصرف الصحي.

لذلك فإن القضاء على الأمراض المدارية المهملة هو في صميمه مشروع تنموي وحقوقي لذوي الإعاقة. عندما نوصل المياه النظيفة لقرية نائية، نحن لا نروي عطش الناس فقط، بل نحمي عيون أطفالهم من التراكوما أو يعني العمى بشكل صريح. وعندما ننشر التوعية بالنظافة الشخصية، نحن نحمي أطرافهم من الجذام.

الإعاقة الناتجة عن هذه الأمراض مؤلمة بشكل مضاعف، لأنها «إعاقة كان يمكن منعها». لا يوجد شيء أقسى من أن يفقد طفل بصره في القرن الواحد والعشرين بسبب مرض علاجه مرهم مضاد حيوي بجنيهات معدودة.

مستعمرة الخانكة للجزام
مستعمرة الخانكة للجزام

نموذج النجاح المصري

يجب أن نذكر هنا بكل فخر الطفرة. التي حدثت في السنوات الأخيرة. المبادرات الرئاسية مثل 100 مليون صحة ومبادرات القضاء على مسببات العمى هي أكثر من حملات طبية.. إذ كانت أكبر حملة وقاية من الإعاقة في تاريخ مصر.

المسح الشامل وعلاج تلاميذ المدارس حمى جيلا كاملا من الدخول في دوامة الإعاقة والمرض المزمن. مصر اليوم تقدم تجربتها لأفريقيا، لتساعد القارة السمراء في التخلص من هذا الإرث الثقيل.

المقالة السابقة
«يوم ذوي الإعاقة» فيتنام تعلن موعد انطلاق مهجران الإلهام 2026
المقالة التالية
فرانكلين روزفلت.. هزم هتلر بـ«ساقين ميتتين» وأخفى كرسيه المتحرك ليحكم العالم