البنات والتوحد.. ظاهرة التمويه التي تسرق حق الفتيات في التشخيص المبكر  

البنات والتوحد.. ظاهرة التمويه التي تسرق حق الفتيات في التشخيص المبكر  

المحرر: محمود الغول - مصر
البنات والتوحد

لعقود طويلة، سيطرت فكرة نمطية خاطئة على الأوساط الطبية والمجتمعية. حيث كان يعتقد أن اضطراب طيف التوحد هو تشخيص ذكوري بامتياز، يصيب الأولاد بصورة تفوق البنات بكثير. غير أن العلم الحديث بدأ في تفكيك هذه الخرافة تدريجيا.

وفي هذا السياق، نتناول ملف البنات والتوحد بناء على دراسة سويدية ضخمة وهامة. حيث قدمت هذه الدراسة أقوى الأدلة العلمية حتى الآن على أن الفتيات لا يواجهن خطرا أقل للإصابة. بل إن الأزمة الحقيقية تكمن في تأخر تشخيصهن في سن مبكرة مقارنة بالأولاد. وبناء على ذلك، نفتح هذا الملف لنقف على أسباب هذه الفجوة التشخيصية الخطيرة.

البنات والتوحد.. الأرقام السويدية تكشف المستور 

اعتمد الباحثون في دراستهم على فحص 35 عاما من السجلات الصحية لنحو 2.8 مليون شخص. وهذا وفر نافذة شبه مكتملة بفضل نظام الرعاية الصحية الشامل في السويد. وقد كشفت النتائج مفاجأة مدوية؛ ففي مراحل الطفولة (دون سن العاشرة)، كان الأولاد أكثر عرضة للتشخيص بالتوحد بثلاث إلى أربع مرات مقارنة بالبنات.

لكن، وبمجرد الوصول إلى مرحلة البلوغ، كاد هذا الفارق الشاسع أن يختفي تماما. ورغم أن الدراسة طبقت في السويد، إلا أنها تسلط الضوء على أزمة حقوقية وطبية عالمية. حيث يغفل عن عدد كبير جدا من الفتيات المصابات بالتوحد خلال مرحلة الطفولة. وهي المرحلة الذهبية والحاسمة التي يمكن أن تساعد فيها برامج التدخل المبكر على تمكينهن من فهم عالمهن.

لماذا تسقط الفتيات من حسابات التشخيص؟ 

ومن ناحية أخرى، يطرح هذا التأخير تساؤلا جوهريا.. لماذا تمر الكثير من الفتيات دون أن يلتفت إليهن؟ حسب ما يوضحه كونر بلاك، المدير المساعد لمركز التوحد في معهد Child Mind. فإن سمات التوحد تتجلى لدى الفتيات بصورة مختلفة وأخف وطأة من الأولاد.

فعلى سبيل المثال، تميل الفتيات المصابات بالتوحد إلى الحفاظ على التواصل البصري بصورة أفضل. كما أنهن يتمتعن بقدرة أسهل على التواصل اللفظي. علاوة على ما سبق، فإن اهتماماتهن القوية والمفرطة غالبا ما تتماشى مع الاهتمامات المجتمعية المقبولة للفتيات (مثل مستحضرات التجميل، أو الحيوانات، أو نجوم البوب). وهذا يجعل سمات التوحد تمر مرور الكرام حتى على أطباء الأطفال المتخصصين.

وبالمثل، يميل المجتمع لربط التوحد بالسلوكيات الخارجية الصارخة مثل العدوانية أو نوبات الغضب الشديدة. وهي سلوكيات لا تظهرها الفتيات عادة بنفس الدرجة، مما يجعلهن خارج دائرة الشك الطبي.

الثمن النفسي الباهظ للاندماج 

وفي سياق متصل، ركز الخبراء مؤخرا على ظاهرة خطيرة تعرف ب تمويه التوحد (Masking). حيث تمتلك الفتيات الصغيرات رغبة قوية جدا في الاندماج الاجتماعي تفوق الأولاد. ووفقا لجينا ريبون، عالمة الأعصاب ومؤلفة كتاب فتيات منسيات في عالم التوحد. فإن هذه الرغبة تدفع الفتيات المصابات لإخفاء سماتهن الحقيقية وتقليد السلوك الاجتماعي المعتاد.

غير أن هذا التمويه مرهق للغاية ويستحيل الاستمرار فيه طوال الوقت. ولذلك، قد لا تظهر الفتاة أي سلوكيات صعبة في المدرسة، لكنها تنهار عصبيا فور عودتها إلى المنزل الآمن. وقد أظهرت دراسة في عام 2024 تفاوتا لافتا بين تصورات المعلمين والآباء. حيث أفاد المعلمون دوما أن الفتيات يظهرن سمات توحد أقل بكثير مما يلاحظه الآباء في المنزل.

غير أن استراتيجية التمويه تبدأ في الانهيار مع دخول الفتاة إلى المرحلة الإعدادية. ففجأة يصبح المحيط الاجتماعي أكثر تعقيدا وتقلبا. وهنا تبدأ الفتيات في المعاناة الشديدة، لكن هذا لا يعني اكتشاف توحدهن فورا.

 

طالع: باحثة مصرية تطوّر أول مقياس بصري للوظائف التنفيذية للأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد

بل غالبا ما يقعن في فخ التشخيصات الخاطئة. حيث يتم تشخيصهن باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، أو الاكتئاب، أو إيذاء النفس، أو فقدان الشهية العصبي. وقد أثبتت الدراسات أن تشخيصا مثل (ADHD) قد يؤخر اكتشاف التوحد بنحو ثلاث سنوات كاملة في المتوسط.

والنتيجة هنا هي إخضاع الفتيات لعلاجات لا تتناسب مع طبيعتهن العصبية. فمثلا، علاج اضطراب الأكل التقليدي قد يفشل مع فتاة مصابة بالتوحد، لأن دافعها لرفض الطعام قد لا يرتبط بصورة الجسد، بل بفرط الحساسية الحسية تجاه قوام الطعام.

نحو أدوات تشخيص عادلة 

وفي الختام، يكشف ملف البنات والتوحد عن فجوة مؤسسية تحرم الفتيات من حقهن في الدعم المبكر والفهم العميق لذواتهن. ولتغيير هذا الواقع، تتلخص المطالب الحقوقية في تطوير أدوات التشخيص، فتوجيه التمويل البحثي لابتكار أدوات قياس قادرة على رصد السمات الدقيقة للتوحد وتجاوز عقبة التمويه.

وكذلك تأهيل الكوادر التعليمية، إذ أن تدريب المعلمين على ملاحظة العلامات الخفية للإرهاق الاجتماعي لدى الفتيات داخل الفصول. فضلا عن تمكين الآباء، مع ضرورة إصغاء الأطباء والمعلمين بعناية لملاحظات الآباء حول سلوكيات بناتهم داخل المنزل، فهم الممثل الأول لأطفالهم.

وأخيرا، إن حصول كل طفل سواء كان ولدا أو بنتاعلى التشخيص الدقيق والدعم المناسب هو حق أساسي لا يقبل التمييز. فلكل فتاة الحق في أن تفهم وتدعم لتتمكن من العيش بسلام داخلي في عالم معقد.

 

المقالة السابقة
«عرض وطلب» ينضم لقائمة الشرف.. هكذا غيرت الدراما المصرية نظرتها لذوي الإعاقة