في مثل هذا اليوم، 27 يناير من عام 1880، وقف رجل ثلاثيني بملابس غير مهندمة وشعر أشعث في مكتب براءات الاختراع الأمريكي. ليتسلم الوثيقة التاريخية رقم 223898. كانت هذه الورقة هي شهادة ميلاد «المصباح الكهربائي المتوهج». الاختراع الذي كسر هيمنة الظلام على البشرية. وحول الليل إلى نهار، وغير شكل الحضارة للأبد.
الجميع يعرف هذا الجزء من القصة. الجميع يعرف توماس إديسون المخترع الفذ. ورجل الأعمال الشرس، وأيقونة المحاولة والخطأ. ولكن ما يغفله التاريخ غالبا، أو يمر عليه مرور الكرام، هو أن هذا الرجل الذي أهدى العالم النور.. كان يعيش هو نفسه في عالم من «الصمت المطبق».
اليوم في ذكرى هذا الحدث العلمي الجلل، نفتح في «جسور» زاوية مغايرة تماما. لن نتحدث عن الفولت أو التنجستن، بل سنتحدث عن الإعاقة السمعية. وكيف استطاع رجل بالكاد يسمع صوت صراخ القطار بجانبه أن يخترع «الفونوغراف». أول جهاز لتسجيل الصوت. وكيف تحولت إعاقته من نقمة إلى أداة تركيز فتاكة صنعت مجده؟
توماس إديسون الطفل المشوش
لم يولد توماس إديسون أصما كليا، لكنه عانى من مشاكل سمعية خطيرة منذ طفولته المبكرة. الروايات تختلف حول السبب، هو كان يحب أن يروي قصة درامية عن كمسري قطار جذبه من أذنيه بقوة وهو صغير. مما أدى لتلف طبلة الأذن. لكن المؤرخين الطبيين وسيرة حياته الموثقة ترجح أن السبب الحقيقي كان إصابته بالحمى القرمزية في طفولته. وتكرار التهابات الأذن الوسطى دون علاج. مما أدى لفقدان تدريجي وحاد للسمع في الأذنين، وصل إلى صمم شبه كلي في أذنه اليسرى وضعف شديد في اليمنى.
في المدرسة لم يفهم المعلمون حالته. كان يوصف بأنه طفل مشوش أو شارد الذهن. وغبي أحيانا، لأنه لم يكن يستجيب للتعليمات الصوتية. ثم انتهى به الأمر مطرودا من المدرسة بعد ثلاثة أشهر فقط، لتتولى والدته تعليمه منزليا. وفق موقع الجمعية الملكية.
هنا كانت نقطة التحول الأولى. لو استسلم توماس إديسون لنظرة المجتمع له كطفل «معاق ذهنيا» بسبب صممه. لانتهى به الحال عاملا بسيطا في ميناء. لكنه، وبدعم من أمه، بدأ يرى العالم بطريقته الخاصة.
عقلية وليست اختراعات فقط
العبقرية الحقيقية في قصة توماس إديسون قبل اختراعاته هي عقليته. وتحديدا فيما يسميه علم النفس الحديث إعادة التأطير. بدلا من أن يقضي حياته يتحسر على ما فقده – حاسة السمع- قرر أن يركز على ما كسبه.. العزلة والهدوء.
في واحدة من أشهر مقولاته التي توثق تجربته مع الإعاقة، قال إديسون: «لم يكن صممي إعاقة، بل كان عونا لي».
ولماذا كان عونا؟ يشرح توماس إديسون ذلك في مذكراته بطريقة مذهلة. مشيرا إلى أن الصمم عزله عن «الضوضاء التافهة» للعالم. بينما كان الآخرون يضيعون ساعات في الثرثرة الاجتماعية، والنقاشات الجانبية، وضجيج الشارع. كان هو يعيش في فقاعة من الصمت التام، مما سمح لعقله بالدخول في حالات عميقة جدا من التركيز لساعات طويلة دون تشتيت.
طالع: الأذن الصامتة.. رحلة ريموند أنترُبَس مع الصمم والهوية
كان يقول مازحا لزوجته الثانية: «لقد وفر علي صممي الاستماع للكثير من الهراء». هذا التصالح النفسي مع الإعاقة هو الذي منحه الصبر اللازم لإجراء أكثر من 1000 محاولة فاشلة قبل اختراع المصباح. الصمت علمه الصبر.
تقنية توماس إديسون السرية
قد يتساءل البعض كيف يمكن لشخص أصم أن يخترع ويطور أجهزة صوتية دقيقة مثل الهاتف والميكروفون والفونوغراف؟ الإجابة تكمن في قدرة الإنسان المذهلة على التكيف، أو ما نسميه التعويض الحسي. وفق موقع صوت أمريكا VOA Learning English. نقلا عن كاتب سيرة إديسون، إدموند موريس.
توماس إديسون كان «يسمع» الصوت عبر عظامه، إذا جاز التعبير.. فعندما كان يعمل على تحسين الفونوغراف، كان يلجأ لطريقة غريبة جدا لضبط جودة الصوت. إذ كان يضغط بأسنانه بقوة على الهيكل الخشبي للآلة أثناء دورانها.
هذه التقنية تعرف علميا بالتوصيل العظمي. ومعناها أن الاهتزازات الصوتية تنتقل من الخشب إلى الأسنان، ومنها عبر عظام الجمجمة مباشرة إلى القوقعة والأعصاب الداخلية للأذن.. متجاوزة الأذن الخارجية والوسطى التالفة.
بهذه الطريقة، كان إديسون «يسمع» الموسيقى بدقة ووضوح أكثر من مساعديه. الذين يملكون سمعا طبيعيا. كان يعض البيانو ليستمع للعزف، ويعض الآلات ليدرك الخلل الميكانيكي. في الواقع هو حول جسده إلى أداة قياس، رافضا أن تكون إعاقته سببا للتوقف عن العمل في مجال الصوتيات.

لغة الحب.. باللمس
لم يؤثر الصمم على حياة توماس إديسون المهنية فقط، لكنه كذلك شكل حياته العاطفية أيضا. كان التواصل الاجتماعي التقليدي مرهقا له ومحرجا. مما جعله يبدو انطوائيا أو غريب الأطوار.
لكن حتى في الحب وجد إديسون طريقة للتحايل على الصمت. عندما تقدم لخطبة زوجته الثانية مينا ميلر، علمها شفرة مورس. وبدلا من أن يهمس لها بكلمات الحب التي قد لا يسمع ردها، كانا يتواصلان عن طريق النقر بأطراف الأصابع على كف يد الآخر. وفق مؤسسة إديسون وفورد الشتوية، Edison and Ford Winter Estates، الموقع الرسمي لمتحفه ومنزله.
كانت هذه لغتهم الخاصة جدا. في الحفلات الصاخبة والمناسبات الاجتماعية التي كان يكرهها إديسون لأنه لا يسمع شيئا. كانت زوجته تقف بجانبه وتنقر على يده لتنقل له ما يقوله الناس، أو لتشاركه نكتة سرية. لقد حول الإعاقة إلى رابطة حميمية فريدة لا يملكها الأزواج العاديون.
في ذكرى 27 يناير والمصباح الكهربائي
اليوم ونحن نضغط على مفتاح الكهرباء لتنير غرفنا، يجب أن نتذكر شيئا مهما. هذا النور الذي نتمتع به، خرج من عقل رجل عاش في الظلام السمعي.
قصة توماس إديسون في ذكرى براءة اختراعه قصة نجاح، بقدر ما هي رسالة قوية لكل شخص من ذوي الإعاقة، ولكل أسرة لديها طفل مختلف. بأن الإعاقة قد تكون ميزة تنافسية، فما يراه العالم نقصا، قد يكون هو المصدر الوحيد لقوتك وتفردك. صمم إديسون هو الذي منحه التركيز الخارق. وكذلك فإن التكنولوجيا تخدم الجميع، لكنها تحتاج الجميع.. ونحن نحتاج لعقول ذوي الإعاقة في الابتكار، لأنهم يرون (أو يسمعون، أو يحسون) بالمشاكل بطريقة لا يدركها الشخص الطبيعي.
في النهاية توماس إديسون أضاء العالم بالمصباح.. تماما كما أضاءه بحقيقة مهمة.. وهي أن «الحدود الوحيدة للإنسان هي تلك التي يضعها في عقله، وليست التي يفرضها جسده».


.png)

















































