جريج لوجانيس.. هل هزمت الديسليكسيا أعظم غطاس في التاريخ؟ 

جريج لوجانيس.. هل هزمت الديسليكسيا أعظم غطاس في التاريخ؟ 

المحرر: محمود الغول - مصر
جريج لوجانيس

في أولمبياد سيول عام 1988، تسمر العالم أمام شاشات التلفزيون في لحظة رعب جماعي. كان الجميع ينتظر قفزة مثالية من جريج لوجانيس، أعظم غطاس عرفته البشرية، والمرشح الأول للذهب.

وقف لوجانيس على طرف اللوح المتحرك، قفز عاليا في الهواء، ودار بجسده دورتين ونصف للخلف.. ولكن فجأة، سمع صوت ارتطام مروع. ارتطم رأس البطل بلوح الغطس بقوة. ومن ثم سقط في الماء كجثة هامدة، وبدأت بقعة صغيرة من الدماء تنتشر في المسبح الأزرق.

صرخ الجمهور ذعرا، وظن الجميع أن البطل قد انتهى، أو أنه فقد وعيه وربما يغرق. لكن ما لم يعرفه أحد في تلك اللحظة. وما لم تكشفه الكاميرات. هو أن الرعب الحقيقي لم يكن في المدرجات.. إنما كان في قلب جريج لوجانيس نفسه وهو تحت الماء.

سر جريج لوجانيس

لم يكن خائفا من الجرح المفتوح في رأسه، ولا من ضياع الميدالية الذهبية. كان خائفا من «سره القاتل». كان يصرخ في صمت تحت الماء: «هل لوثت المسبح؟ هل سأقتلهم بدمي؟».

اليوم، 29 يناير، في ذكرى ميلاد هذا الأسطورة، نفتح  ملفا إنسانيا شائكا يجمع بين إعاقتين مختلفتين تماما اجتمعتا في جسد واحد: «عسر القراءة» الذي حاربه طفلا، و«فيروس الإيدز» الذي حاربه بطلا. وفق مركز ييل لعسر القراءة والإبداع (The Yale Center for Dyslexia & Creativity).

وقبل أن يصبح جريج لوجانيس بطلا تلاحقه الأضواء. كان طفلا يهرب من الظلال. ولد لأب من أصول ساموا (السكان الأصليون لجزر ساموا في بولينيزيا بجنوب المحيط الهادئ) وأم سويدية. وتم تبنيه من قبل عائلة أمريكية. بشرته السمراء جعلته هدفا للتنمر العنصري في المدرسة، لكن الجحيم الحقيقي كان داخل الفصل الدراسي.

صعوبات تعلم شديدة

كان لوغانيس يعاني من صعوبات تعلم شديدة، وتحديدا عسر القراءة أو Dyslexia، مصحوبا بتلعثم (تأتأة) في الكلام. في الستينيات، لم يكن العالم يفهم هذه الاضطرابات العصبية كما نفعل اليوم. بدلا من دعمه، واجه حكما قاسيا ومدمرا من المعلمين والزملاء. كانوا ينعتونه بلقب واحد: «المتخلف عقليا».

وفقا لسيرته الذاتية المعنونة «كسر السطح» Breaking the Surface. كان لوغانيس يعود للمنزل باكيا كل يوم، مقتنعا تماما بأنه غبي ولا قيمة له. الكلمات كانت عدوه الأول، والكتب كانت تعني له الإهانة.

ولكن وكما يحدث غالبا مع ذوي صعوبات التعلم، بحث الطفل عن لغة بديلة لا تحتاج إلى حروف. وجد ضالته في الجمباز ثم الغطس. في الهواء، لم يكن بحاجة للقراءة أو الكلام. الجاذبية كانت عادلة، والماء لا يهتم إذا كنت تتلعثم أم لا. تحول الغضب المكبوت بداخله إلى دقة متناهية في الحركة. وأصبح الغطس هو صوته، والمسبح هو المكان الوحيد الذي لا يشعر فيه بأنه «معاق».

الموت يطرق الباب قبل الأولمبياد

كبر الطفل «المتخلف عقليا» ليصبح جريج لوجانيس، الفتى الذهبي لأمريكا، والبطل الذي لا يقهر. لكن القدر كان يخبئ له اختبارا أصعب من كل قفزاته.

في عام 1988 وقبل ستة أشهر فقط من دورة الألعاب الأولمبية في سيول.. تم تشخيص لوغانيس ب فيروس نقص المناعة البشرية المسبب للإيدز. في تلك الحقبة كان هذا التشخيص يعني أمرين. حكما بالموت المؤكد طبيا، وحكما بالنبذ الاجتماعي أخلاقيا. كان المرض مرتبطا بوصمة عار مرعبة.

نصحه الأطباء بالاعتزال فورا للحفاظ على ما تبقى من مناعته. لكن قريبه الطبيب أقنعه بأن الدواء الجديد (AZT) قد يساعده على الصمود. وأن الرياضة هي سببه الوحيد للحياة. قرر  جريج لوجانيس أن يذهب للأولمبياد، حاملا حقيبة مليئة بالأدوية التي يخبئها. وقلبا يرتجف من أن يكتشف أحد سره فيتم طرده ووصمه للأبد.

وهنا نعود للحظة الارتطام باللوح في سيول. عندما خرج لوجانيس من الماء والدماء تسيل من رأسه. هرع إليه طبيب المنتخب الأمريكي وبدأ يخيط الجرح بيده دون ارتداء قفازات طبية. لأنه لم يتخيل وجود خطر.

أكثر لحظات جريج لوجانيس رعبا

يصف لوجانيس هذه اللحظات بأنها «أكثر لحظات حياته رعبا». كان يريد أن يصرخ في الطبيب: «ارتد قفازا.. دمي ملوث». لكن الكلمات توقفت في حلقه. الخوف من الفضيحة ومن تدمير مسيرته ألجمه. فتجمد في مكانه والذنب يأكله، بينما الطبيب يكمل الخياطة.

لحسن الحظ، لم ينتقل الفيروس لأحد. حيث يخفف الكلور في المسبح الدم فورا، ولم يكن هناك تلامس دموي مباشر مع الطبيب. لكن هذه الحادثة ظلت تطارده كالكابوس. حسب مقال منشور في نيويورك تايمز.

والمعجزة الحقيقية لم تكن في نجاته من الإصابة.. إنما فيما فعله بعد 30 دقيقة فقط. عاد جريج لوجانيس، برأس مخيط وقلب مكسور، وصعد على نفس اللوح، ونفذ نفس القفزة المعقدة، وحصل على الميدالية الذهبية. صفق العالم لشجاعته الرياضية، ولم يعرفوا أنهم يصفقون لشجاعة مقاومة المرض.

جريج لوجانيس
جريج لوجانيس

 عندما يصبح الضعف قوة

لسنوات طويلة، عاش لوجانيس تحت وطأة هذا السر. لكن في عام 1995 قرر أن يفعل ما هو أصعب من الغطس.. قرر أن يتكلم. فأصدر كتابه ومقابلة تلفزيونية شهيرة مع «أوبرا وينفري» ليعلن للعالم: «أنا جريج لوجانيس، أنا مصاب بالإيدز».

كان رد الفعل زلزالا. خسر معظم رعاته التجاريين بين ليلة وضحاها. هاجمه البعض لأنه «عرض الآخرين للخطر» في الأولمبياد. لكن في المقابل، تحول إلى أيقونة للأمل لملايين المرضى حول العالم.

طالع: إحصاء جديد: 15% من الأميركيين يعانون من إعاقات ويواجهون فجوة في التعليم

رسالته كانت واضحة: «انظروا إلي.. أنا البطل الأولمبي، أنا أقوى رجل في العالم، وأنا أعيش بالفيروس. المرض ليس حكما بالنهاية».

درس في الإعاقة الخفية

قصة جريج لوجانيس تعلمنا في درسا بليغا عن «الإعاقات الخفية». لا تحكم على الكتاب من غلافه. فقد ترى شخصا رياضيا، مفتول العضلات يبتسم للكاميرات وتظن أنه يملك العالم. لكنك لا ترى الطفل الذي بداخله الذي ما زال يسمع كلمة «غبي» ترن في أذنه بسبب صعوبات التعلم. ولا ترى المريض الذي يحسب جرعات دواء الإيدز كل صباح ليبقى على قيد الحياة.

الوصمة أشد ألما من المرض: ما كاد يقتل لوغانيس في المسبح قبل الفيروس، كان «الخوف من الوصمة». المجتمع هو الذي يجعل المرض مرعبا، وليس الفيروس نفسه.

صعوبات التعلم قد تصنع المعجزات. نعم فلولا أن المدرسة لفظته بسبب «عسر القراءة»، لما هرب لوجانيس إلى المسبح، ولما حصل العالم على أعظم غطاس في التاريخ. أحيانا يكون الباب المغلق هو بداية لطريق أوسع.

المقالة السابقة
مصر.. «القومي لذوي الإعاقة» يطرح أسئلة القلق الأسري حول نمو الطفل بمعرض الكتاب
المقالة التالية
العاصفة الثلجية تحاصر ذوي الإعاقة داخل منازلهم في الولايات المتحدة