عملية اليربوع الأزرق..  هكذا شوهت تجارب فرنسا النووية آلاف المواليد في الجزائر

عملية اليربوع الأزرق..  هكذا شوهت تجارب فرنسا النووية آلاف المواليد في الجزائر

المحرر: محمود الغول - مصر
عملية اليربوع الأزرق

في مثل هذا اليوم، 13 فبراير، من كل عام، يتذكر العالم أحداثا تاريخية مختلفة. لكن في عمق الصحراء الجزائرية، وتحديدا في منطقة رقان. يبقى هذا التاريخ  جرحا مفتوحا ينزف ألما وتشوها.

نحن لا نتحدث عن مرض جيني أو طفرة وراثية طبيعية..  نتحدث عن الإعاقة عندما تتحول إلى جريمة استعمارية مكتملة الأركان ومستمرة الأثر. تتوارثها الأجيال دون ذنب.

ففي صبيحة الثالث عشر من فبراير عام 1960، اهتزت سماء الجزائر على وقع انفجار مرعب. إيذانا ببدء ما عرف باسم عملية اليربوع الأزرق، وهي أول وأكبر تجربة نووية فرنسية في الصحراء.

لم يكن هذا التفجير عاديا بأي مقياس، فقد بلغت قوته 70 كيلوطنا.. أي ما يعادل ثلاثة إلى أربعة أضعاف القوة التدميرية للقنبلة التي ألقيت على هيروشيما. ليترك خلفه إرثا مميتا من الإشعاعات النووية التي لوثت التربة والمياه والهواء لعقود طويلة.

عملية اليربوع الأزرق

والمأساة الحقيقية التي تلت عملية اليربوع الأزرق تتجاوز من فقدوا أرواحهم في لحظة الانفجار أو في الأيام التي تلته. وتمتد لتخلق مصنعا للإعاقة لا يزال يعمل بكفاءة مرعبة حتى يومنا هذا.

ففي تلك المناطق الملوثة، تولد أجيال متعاقبة تحمل تشوهات خلقية حادة. وإعاقات ذهنية وحركية معقدة، فضلا عن سرطانات مزمنة تنهش أجساد الأطفال والكبار على حد سواء. ليصبح الجسد المشوه شاهدا حيا على كارثة إشعاعية ترفض أن تنتهي.

وهنا نستكشف البعد الحقوقي لهذه المأساة. فالإعاقة هنا ليست قدرا طبيا يمكن التعامل معه بالتأهيل والدمج فقط. إنما فاتورة استعمارية قاسية يدفعها آلاف الضحايا المنسيين في رمال الصحراء. هؤلاء الأبرياء يدفعون بأجسادهم وأطرافهم وعقولهم ثمن قنبلة انفجرت منذ أكثر من ستة عقود. مما يجعل من قضيتهم صرخة إنسانية وحقوقية عابرة للحدود والأزمنة.

الجنرال الفرنسي ديغول يهنئ العلماء المدنيين والعسكريين المشرفين على القنبلة النووية الفرنسية في الجزائر 1960
الجنرال الفرنسي ديغول يهنئ العلماء المدنيين والعسكريين المشرفين على القنبلة النووية الفرنسية في الجزائر 1960

تأثير عملية اليربوع الأزرق على الأجيال الصاعدة

وفي هذا السياق، لا تزال التقارير الطبية تكشف حقائق مفزعة. حيث يعاني سكان المنطقة من طفرات جينية غير مسبوقة. وبالتالي، أصبحنا أمام مجتمع يدفع ضريبة إشعاع لم يره.

حسب تقرير بعنوان «التجارب النووية الفرنسية في الجزائر»، المنشور في موقع شبكة الجزيرة الإعلامية. فإن النفايات المشعة تُركت مكشوفة في العراء بلا حماية. مما أدى إلى انتشار أمراض العيون والعمى بين الأطفال.

علاوة على ذلك، سجلت مستشفيات الجنوب الجزائري حالات ولادة مأساوية. حيث يولد أطفال بأطراف مبتورة أو تشوهات في الجمجمة. وهذه الحالات ليست حوادث فردية إنما هي ظاهرة وبائية مستمرة.

الإعاقة غير المرئية في موقع الكارثة

ومن ناحية أخرى، يجب تسليط الضوء على الإعاقات غير المرئية. فالضرر الإشعاعي لا يقتصر فقط على التشوهات الجسدية الظاهرة للعيان. بل يمتد ليضرب الأجهزة الحيوية الداخلية والجهاز العصبي المركزي.

وبناء على ذلك، تنتشر الإعاقات الذهنية وصعوبات التعلم بشكل مخيف. وهذا يضع عائلات الضحايا أمام تحديات يومية قاسية ومؤلمة. حيث تنعدم البنية التحتية المؤهلة للتعامل مع هذه الحالات المعقدة.

حسب دراسة بعنوان «الآثار الصحية للتفجيرات النووية» المنشورة في مجلة الدراسات الاستراتيجية والبحوث السياسية الجزائرية. فإن الإشعاع دمر الخريطة الجينية لسكان القرى المجاورة للتفجير. والنتيجة هنا هي ولادة أجيال تحمل أمراضا مزمنة وإعاقات مركبة.

طالع: أحدث إحصاء: 44 ألف شخص من ذوي الإعاقة في ولاية البليدة بالجزائر

التستر على خرائط الموت المشع

كما تبرز قضية إخفاء خرائط النفايات كجريمة إضافية. فالاستعمار كذلك تعمد تلويث البيئة للأبد. وهذا التلوث البيئي يجعل من حق الإتاحة والوصول أمرا مستحيلا.

غير أن أصوات المنظمات الحقوقية بدأت ترتفع مؤخرا للمطالبة بالإنصاف. فحقوق ذوي الإعاقة هنا تبدأ من تنظيف بيئتهم من الإشعاع. ولا تنتهي بمجرد توفير كراسٍ متحركة أو مراكز تأهيل طبية.

وبالمثل، لا يمكن الحديث عن دمج مجتمعي في بيئة قاتلة. فكل شبر من الرمال قد يحمل جرعة إشعاعية تسبب السرطان. ولذلك تكتسب المطالبة بتسليم خرائط التفجيرات أهمية قصوى وعاجلة.

فتح ملف التعويضات العادلة

ومن هذا المنطلق، يجدر ألا يتوقف الحديث عن تداعيات عملية اليربوع الأزرق عند حدود السرد التاريخي.. إذ يجب أن يتحول إلى مطالبة دولية حازمة بفتح ملف التعويضات العادلة للضحايا وذوي الإعاقة وعائلاتهم.

كما يتحتم على المجتمع الدولي الضغط لتسليم خرائط النفايات النووية المدفونة للجهات الجزائرية. كجزء أصيل لا يتجزأ من حقوق ذوي الإعاقة هناك، ولإنقاذ الأجيال القادمة من موت بطيء وإعاقات كان يمكن- ويجب- تجنبها.

 

المقالة السابقة
 في اليوم العالمي للإذاعة.. الراديو صندوق العجائب الذي أنصف المكفوفين  
المقالة التالية
أبطال القوى البارالمبية المصرية يحصدون 3 ميداليات في بطولة فزاع بدبي