عندما نسمع اسم فولفجانج موزارت، تقفز إلى أذهاننا فورا صورة نمطية كلاسيكية.. رجل أنيق يرتدي شعرا مستعارا أبيض، وسترة مخملية حمراء، يجلس بوقار أمام البيانو ليعزف ألحانا ملائكية. إنه «الطفل المعجزة» الذي ألف الموسيقى في سن الخامسة، وأبهر ملوك أوروبا.
لكن إذا عدنا بآلة الزمن إلى الوراء، ودخلنا غرفة هذا العبقري في يوم ميلاده. الموافق 27 يناير 1756. أو في سنوات شبابه. فإننا سنرى مشهدا مغايرا تماما للصورة الوقورة التي رسمها التاريخ.
سنرى رجلا لا يستطيع التوقف عن الحركة، يقرع بأصابعه على أي سطح يلمسه، يقوم بتعبيرات وجه غريبة ومفاجئة، وفجأة.. قد يقفز فوق الطاولة ويموء مثل القطط.. نعم التاريخ يخبرنا أن فولفجانج موزارت كان يفعل ذلك حرفيا أثناء بروفات الأوبرا الجادة.
في ذكرى ميلاد فولفجانج موزارت
اليوم، وفي ذكرى ميلاده، تفتح «جسور» ملفا شائكا ومثيرا للجدل في الأوساط الطبية والموسيقية. نحن لا نتحدث عن موزارت الموسيقي والإنسان.. وعقله المختلف. هل كانت تصرفاته الغريبة مجرد «طيش فنان»، أم أنها كانت أعراضا واضحة لما نسميه اليوم متلازمة توريت أو «طيف التوحد»؟ والأهم.. هل كنا سنحصل على هذه الموسيقى العظيمة لو كان موزارت يمتلك دماغا «عاديا»؟
لقرون طويلة تم وصف سلوكيات موزارت بأنها نوع من «الجنون الفني» أو سوء التربية. لكن في السنوات الأخيرة، بدأ أطباء الأعصاب وعلماء النفس في إعادة قراءة رسائله وشهادات معاصريه بنظرة علمية فاحصة. وتوصلوا إلى فرضيات مذهلة.
في كتابه الشهير «موزارت الطبي» والمتاح عبر الإنترنت.. قام طبيب الغدد الصماء بنيامين سيمكين بتحليل آلاف الرسائل المتبادلة بين موزارت وعائلته. ما وجده يمكن تسميته بوثائق مليئة بأدلة قوية تشير لمتلازمة توريت.
ما هي هذه الأدلة؟
الحركات اللاإرادية: تصف أخت زوجة موزارت، صوفي هايبل، كيف كان الموسيقار يقوم بتعبيرات وجه غريبة. ويحرك فمه باستمرار وكأنه يمضغ شيئا، ويقرع بقدميه ويديه بشكل متواصل حتى وهو يحلق ذقنه. هذه الأعراض تتطابق تماما مع ما نعرفه اليوم باللازمات الحركية المصاحبة لمتلازمة توريت.
الهوس الكلامي: هذه هي النقطة الأكثر إحراجا للمؤرخين. رسائل فولفجانج موزارت، وخاصة لابنة عمه، كانت مليئة بكلمات بذيئة جدا، ونكات فجة تتعلق بالفضلات ودورات المياه. وهذا السلوك المندفع وغير المسيطر عليه يعتبر عرضا كلاسيكيا لبعض حالات توريت، وليس دليلا على انحطاط أخلاقي.
موزارت وطيف التوحد
فرضية أخرى قوية يطرحها الباحثون، وهي أن موزارت كان يقع في مكان ما على طيف التوحد. والدليل هنا يكمن في حركاته وكذلك في «حواسه» و«تركيزه».
من المعروف تاريخيا أن موزارت في طفولته كان يعاني من حساسية مفرطة للأصوات. يروى أنه أغمي عليه ذات مرة عندما سمع صوت «بوق» قريب منه بشكل مفاجئ. بالنسبة لجهازه العصبي كان ذلك ألما جسديا لا يطاق.
هذه الحساسية السمعية المفرطة، التي قد نعتبرها اليوم مشكلة حسية تستوجب العلاج الوظيفي. هي الوجه الآخر للعملة التي منحته «الأذن المطلقة». عقله كان قادرا على التقاط وتحليل أدق الترددات الصوتية التي تمر مرور الكرام على الشخص العادي. وفق المجلة الطبية البريطانية.
إضافة إلى ذلك، كان موزارت يمتلك قدرة مرعبة على «التركيز المفرط». كان بإمكانه العمل لساعات طويلة جدا، مفصولا عن العالم الخارجي. لدرجة أنه كان يؤلف سيمفونية كاملة في رأسه قبل أن يكتب نوتة واحدة على الورق. هذا النوع من التركيز الأحادي والاستغراق في التفاصيل هو سمة مميزة جدا للعقول المتوحدة. حسب موقع interlude.
هل المرض هو سر الإبداع؟
السؤال الجوهري الذي نطرحه هو: هل كان فولفجانج موزارت عبقريا رغم اضطراباته العصبية، أم بسببها؟
الإجابة التي يميل إليها العلم الحديث هي: بسببها. نحن نعيش في عالم صمم للأشخاص ذوي النمطية العصبية، أي الأشخاص الذين تعمل أدمغتهم بطريقة قياسية ومتوقعة. لكن الإبداع البشري الحقيقي، القفزات الهائلة في الفن والعلم، غالبا ما تأتي من أصحاب الاختلاف العصبي.
في حالة موزارت، يبدو أن دماغه كان يفتقر إلى «الفلاتر» الطبيعية التي نمتلكها. فالشخص العادي يقوم بفلترة الضوضاء ليرتاح. ودماغ موزارت كان يستقبل كل شيء دفعة واحدة.. الفوضى، الأصوات، المشاعر، النبضات.
طالع: كيف فتح فيلم «بضع ساعات في يوم ما» باب التوعية بمتلازمة توريت
وللتعامل مع هذا الطوفان الحسي والعصبي، كان عليه أن يجد مخرجا. والمخرج كان الموسيقى. فالموسيقى كانت طريقته الوحيدة لتنظيم فوضى عقله. التكرار في نوتاته الموسيقية قد يكون انعكاسا لحاجته للتكرار السلوكي. وتفجر الألحان وتنوعها السريع قد يكون انعكاسا لنبضات توريت الكهربائية في دماغه.
كما تقول الباحثة الموسيقية فرانسيسكا سيشيتي: «ربما كانت الموسيقى هي الآلية التي استخدمها موزارت لتهدئة جهازه العصبي المضطرب».
لو عاش موزارت بيننا اليوم.. ماذا كان سيحدث؟
هذا هو الجزء المؤلم في القصة. دعونا نتخيل طفلا اسمه فولفجانج موزارت يولد في عام 2026 ويدخل مدرسة نظامية. سيلاحظ المعلمون أنه لا يجلس ثابتا في مقعده (فرط حركة). وسينزعج من جرس المدرسة العالي ويغطي أذنيه (مشاكل حسية). وقد يتفوه بكلمات غير لائقة فجأة أو يصدر أصواتا غريبة (توريت).
في الغالب، سيتم تشخيصه ب ADHD أو توحد. وربما يتم إعطاؤه أدوية مهدئة قوية لجعله «طبيعيا» ومطيعا وهادئا مثل بقية زملائه. والسؤال المرعب هنا: هل كانت تلك الأدوية ستطفئ شعلة العبقرية في رأسه؟ هل كنا سنخسر «زواج فيجارو» و«الناي السحري» مقابل أن نحصل على طفل «مؤدب» يجلس بهدوء في الفصل؟
احتفوا بالاختلاف لا تطمسوه
في ذكرى ميلاد هذا الأسطورة، يجب أن نعيد التفكير في تعريفنا ل «الإعاقة» و«المرض». قصة «فولفجانج موزارت» تعلمنا أن ما نراه «سلوكا غريبا» قد يكون هو الوقود لمحرك إبداعي جبار لا نفهمه بعد.
الأشخاص ذوو متلازمة توريت أو التوحد ليسوا نسخا «معطوبة» من البشر.. هم نسخ «مختلفة» نظام تشغيلها يعمل بترددات أخرى. قد تكون هذه الترددات صعبة التكيف مع الحياة الاجتماعية الروتينية، لكنها قادرة على خلق جمال يعجز عنه العقل العادي.
اليوم، استمعوا إلى إحدى مقطوعات موزارت. ولا تسمعوها كألحان جميلة فقط، بل اسمعوها كرسالة من عقل مختلف وجميل وفوضوي.. عقل وجد في الموسيقى لغته التي عجز الكلام عن قولها.


.png)

















































