هاوي ماندل.. الضحك في حقل ألغام من الوسواس القهري لفرط الحركة

هاوي ماندل.. الضحك في حقل ألغام من الوسواس القهري لفرط الحركة

المحرر: محمود الغول - مصر
هاوي ماندل

هاوي ماندل هو الاسم الذي يتصدر عناوين الصحافة الفنية اليوم بمناسبة ذكرى ميلاده. يشتهر بكونه الكوميديان الذي يضحك الملايين في برامج مثل «America’s Got Talent». لكن، خلف هذه الابتسامة العريضة، تكمن معركة شرسة ومستمرة مع اضطرابات نفسية معقدة.

في الواقع، يعيش ماندل في عالم مليء بالمخاوف التي قد تبدو غير منطقية للبعض. لذلك، نسلط في هذه السطور الضوء على كتابه الصادم الذي كشف المستور. وذلك حين قرر ماندل أن يحول ألمه الشخصي إلى منصة للتوعية العامة.

هاوي ماندل وكتاب «Here’s the Deal»

حين أصدر هاوي ماندل كتابه المؤثر بعنوان «Here’s the Deal: Don’t Touch Me». لم يقصد به أن يكون سيرة ذاتية لنجم تلفزيوني ناجح يسرد إنجازاته. بل وثيقة إنسانية جريئة تعري تفاصيل الحياة اليومية مع اضطراب الوسواس القهري (OCD). وفق موقع Publishers Weekly.

علاوة على ذلك، يعتبر الكتاب صرخة شجاعة في وجه الوصمة المجتمعية التي تلاحق المرضى النفسيين. حيث يروي فيه تفاصيل محرجة ومؤلمة عن حياته الخاصة بصدق متناه. هاوي ماندل لم يكتب ليمتع القراء، بل ليخبرهم أنهم ليسوا وحدهم في معاناتهم.

يعاني هاوي ماندل من نوع شديد من الوسواس القهري يتمحور حول الخوف من الجراثيم (Mysophobia). إضافة إلى ذلك، تم تشخيصه باضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط (ADHD) في وقت متأخر. وهذا المزيج يجعل حياته اليومية سلسلة من التحديات المستمرة التي لا تتوقف أبدا. حسب مقال  «تشخيص هاوي باضطراب الوسواس القهري يرفع حمل ثقيل عن كاهله». وفق موقع healthline.

لذا، فإن كل مصافحة أو لمسة لسطح غير معقم تمثل له كابوسا حقيقيا ومرعبا. كما أن عقله لا يتوقف عن الدوران، مما يجعل التركيز مهمة شاقة للغاية. هاوي ماندل يصف دماغه بأنه «مثل جهاز تلفزيون تتغير قنواته باستمرار دون توقف».

اضطر ماندل إلى حلق رأسه تماما ليس كخيار للموضة أو التغيير. بل كان ذلك ضرورة نفسية ملحة للتعايش مع خوفه المرضي من الأوساخ. حيث يشعره الشعر بأنه «غير نظيف»، مما يفاقم نوبات الهلع والقلق لديه.

نتيجة لذلك، أصبح المظهر الأصلع علامة مميزة له، لكن القليلين يعرفون السبب الحقيقي وراءه. في كتابه، يشرح كيف أن هذا القرار منحه شعورا مؤقتا بالسيطرة والنظافة. هاوي ماندل حول مظهره الخارجي إلى درع يحميه من وساوسه الداخلية.

بروتوكول الحماية الشخصية

امتنع ماندل عن مصافحة المتسابقين والضيوف في برامجه التلفزيونية الشهيرة. بدلا من ذلك، استبدل المصافحة التقليدية بـ «قبضة اليد» لتجنب انتقال الجراثيم. بسبب ذلك، تحولت هذه الحركة إلى علامة تجارية عالمية ارتبطت به بشكل وثيق.

طالع: «توحد ووسواس قهري».. شاب أمريكي يحول التسرب المدرسي إلى رسالة تعليمة ملهمة

مع ذلك، واجه انتقادات وسخرية في البداية من أشخاص لم يفهموا حالته. لكنه أصر على موقفه كجزء من استراتيجية البقاء النفسي التي يتبعها. وربما بذلك علم هاوي ماندل العالم أن احترام الحدود الشخصية والصحية هو حق لكل إنسان.

ولا تقتصر معاناة ماندل على شخصه فقط، بل تمتد لتشمل عائلته الصغيرة. فقد تحدث بصراحة عن الألم الذي يشعر به عندما لا يستطيع احتضان أطفاله بسبب خوفه. حيث يبني أحيانا بيتا منفصلا في الحديقة ليعزل نفسه إذا شعر بالمرض.

رغم ذلك، وقفت زوجته تيري بجانبه كداعم أساسي وصلب في رحلة العلاج والتعايش. لذلك، يخصص جزءا كبيرا من كتابه للحديث عن الحب غير المشروط والدعم الأسري. وهنا ماندل يؤكد أن التفهم العائلي هو خط الدفاع الأول ضد الانهيار النفسي.

الكوميديا كعلاج عبر الضحك على الألم

يستخدم هاوي ماندل الكوميديا كآلية دفاعية وعلاجية فعالة للتعامل مع مخاوفه. حيث يسخر من طقوسه القهرية ومواقفه المحرجة على المسرح أمام الجمهور. وهذا الأسلوب يكسر حاجز الجدية والخوف، ويجعل الآخرين يتقبلون اختلافه.

في المقابل، يعترف بأن الكوميديا لا تلغي الألم، لكنها تجعله أكثر قابلية للتحمل. لذا، يرى الجمهور فيه إنسانا حقيقيا يشاركهم ضعفهم وقوتهم دون تجميل. فيثبت أن السخرية من الذات هي قمة التصالح مع النفس.

يرفض هاوي ماندل التعامل مع مرضه كشيء يجب إخفاؤه أو الخجل منه. بل يصر على الحديث عنه في كل محفل ومقابلة إعلامية يظهر فيها. نتيجة لذلك، أصبح صوتا قويا لمن لا صوت لهم من المصابين باضطرابات مشابهة. وفق موقع eonline.

هذا النهج شجع الملايين حول العالم على طلب المساعدة الطبية دون خوف من الحكم. كما ساهم في تغيير نظرة المجتمع للإعاقات غير المرئية كالأمراض النفسية. وهنا ماندل جعل الحديث عن الصحة العقلية أمرا طبيعيا ومقبولا.

هاوي ماندل امتنع عن مصافحة المتسابقين والضيوف في برامجه التلفزيونية الشهيرة.
ماندل امتنع عن مصافحة المتسابقين والضيوف في برامجه التلفزيونية

هاوي ماندل ورسالة تتجاوز الفن

يعتبر هاوي ماندل الآن أحد أبرز الناشطين في مجال الصحة العقلية عالميا. إذ يستغل شهرته الواسعة لتوعية الناس بأن المرض النفسي هو إعاقة حقيقية. حيث يشارك في حملات توعية ومؤتمرات طبية للحديث عن تجربته.

علاوة على ذلك، يدعو الشركات والمؤسسات إلى توفير بيئات عمل متفهمة ومرنة للموظفين. بناء على ذلك، تحول من مجرد فنان كوميدي إلى قائد رأي مؤثر اجتماعيا. هاوي يرى أن رسالته في الحياة هي مساعدة الآخرين على الشفاء.

في الختام، تظل قصة هاوي ماندل دليلا قاطعا على أن النجاح لا يعني الخلو من الألم. حيث أثبت أن الإعاقة النفسية، مهما كانت قاسية، لا تمنع الإبداع والتميز والنجاح. كما علمنا أن الاعتراف بالضعف هو أولى خطوات القوة الحقيقية.

وأخيرا، يبقى كتابه «Here’s the Deal» منارة أمل لكل من يشعر بالعزلة في معركته الخاصة. لذلك، في ذكرى ميلاده، نحتفل ب ماندل الإنسان والمحارب قبل الفنان. هاوي ماندل هو درس حي في كيفية تحويل المحنة إلى منحة.

المقالة السابقة
عمرها 64 عاما.. سيدة بريطانية تستعيد حياتها بعد عملية زرع يد
المقالة التالية
تشو جونلين.. مرشدة على كرسي متحرك تقود التغيير لدعم ذوي الإعاقة في الصين

وسوم

الإعاقة (3) الاستدامة (33) التحالف الدولي للإعاقة (34) التربية الخاصة (2) التشريعات الوطنية (33) التعاون العربي (33) التعليم (4) التعليم الدامج (4) التمكين الاقتصادي (3) التنمية الاجتماعية (33) التنمية المستدامة (3) التوظيف الدامج (32) الدمج الاجتماعي (31) الدمج الجامعي (3) العدالة الاجتماعية (3) العقد العربي الثاني لذوي الإعاقة (31) الكويت (5) المتحف المصري الكبير (4) المجتمع المدني (31) المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (4) المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة (4) الوقائع الإخباري (2) تكافؤ الفرص (32) تمكين (2) حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (31) حقوق الإنسان (3) حقوق ذوي الإعاقة (3) دليل الكويت للإعاقة 2025 (30) ذوو الإعاقة (12) ذوو الاحتياجات الخاصة. (31) ذوي الإعاقة (9) ذوي الهمم (5) ريادة الأعمال (33) سياسات الدمج (33) شركاء لتوظيفهم (34) قمة الدوحة 2025 (35) كود البناء (36) لغة الإشارة (2) مؤتمر الأمم المتحدة (36) مبادرة تمكين (3) مجتمع شامل (36) مدرب لغة الإشارة (37) مصر (12) منظمة الصحة العالمية (37) وزارة الشؤون الاجتماعية (2)