يوم العناق العالمي.. لماذا اخترعت أشهر عالمة متوحدة «آلة» لتعانقها بدلًا من البشر؟  

يوم العناق العالمي.. لماذا اخترعت أشهر عالمة متوحدة «آلة» لتعانقها بدلًا من البشر؟  

المحرر: محمود الغول
يوم العناق العالمي

يحتفل العالم اليوم، 21 يناير، بمناسبة تبدو للوهلة الأولى دافئة ولطيفة للغاية، وهي يوم العناق العالمي. تضج وسائل التواصل الاجتماعي بصور الأحضان، وتنهال النصائح حول الفوائد الصحية للعناق في رفع هرمون السعادة (الأوكسيتوسين) وتقليل التوتر.

لكن، مهلا.. هل هذه القاعدة تنطبق على الجميع؟ بالنسبة لملايين الأشخاص من ذوي التوحد واضطرابات المعالجة الحسية، قد يكون هذا اليوم كابوسا صغيرا. فالعناق التقليدي بالنسبة لبعضهم ليس رسالة حب وأمان، بل قد يكون تجربة حسية مربكة، خانقة، أو حتى مؤلمة جسديا.

في جسور، نفتح اليوم ملفا شائكا وحساسا: كيف نحب من يرفض أحضاننا؟ وهل الرفض يعني الكره أم أن له تفسيرا بيولوجيا آخر؟ تعالوا نتعرف على الوجه الآخر للعناق من خلال قصة ملهمة غيرت مفاهيم الطب النفسي.

يوم العناق العالمي والآلة العجيبة

لا يمكن الحديث عن التوحد والعناق دون ذكر البروفيسورة الشهيرة تيمبل جراندين. هذه المرأة التي شخصت بالتوحد في صغرها، أصبحت اليوم واحدة من أهم علماء سلوك الحيوان في العالم، وأيقونة لمجتمع التوحد.

في مراهقتها، كانت جراندين تعاني من نوبات قلق وتوتر شديدة. كانت تشعر بحاجة ماسة للضغط الجسدي لتهدأ، لكنها في الوقت نفسه كانت تتجمد رعبا من لمسة البشر. حسب موقعها الشخصي على الإنترنت.

تقول جراندين: «كنت أريد الشعور بالعناق، لكن التفاعل البشري كان مفرطا جدا.. الروائح، الأنفاس، عدم القدرة على التنبؤ بحركة الشخص الآخر.. كل هذا كان يسبب لي انهيارا حسيا». فماذا فعلت؟ لم تستسلم للعزلة، بل لجأت للهندسة. استلهمت فكرة من آلات تثبيت الأبقار في المزارع، التي تهدئ الأبقار عبر الضغط عليها، واخترعت لنفسها آلة العناق أو Hug Machine.

البروفيسورة الشهيرة تيمبل جراندين
البروفيسورة الشهيرة تيمبل جراندين

كانت الآلة عبارة عن صندوق خشبي مبطن، تدخل فيه وتتحكم هي في ذراعيه الميكانيكيين ليضغطا على جسدها بقوة. الغريب أن هذه الآلة نجحت فيما فشل فيه البشر منحتها الهدوء، الأمان، وإفراز الأوكسيتوسين، دون فوضى التواصل البشري.

لماذا قد يؤلم العناق؟

قصة جراندين تشرح لنا ببساطة ما يعرف باضطراب المعالجة الحسية. وذلك لأن أدمغة الكثير من التوحديين تترجم اللمس بطريقة مختلفة عن المعتاد:

فرط الاستجابة

بالنسبة لهؤلاء، لمسة الجلد الخفيفة أو العناق المفاجئ قد يشعرهم وكأنه ورق صنفرة يحك جلودهم، أو لسعة كهرباء، مما يدفعهم للهروب أو الصراخ (وهو رد فعل دفاعي لا إرادي).

نقص الاستجابة 

على النقيض، هناك توحديون يعشقون العناق القوي جدا. فهؤلاء يبحثون عن الضغط العميق  ليتمكنوا من الشعور بأجسادهم في الفراغ. إذن، في يوم العناق العالمي، يجب أن نفهم أن رفض طفلك للعناق ليس رفضا لك شخصيا. إنه جهازه العصبي الذي يصرخ: هذا كثير جدا علي الآن. حسب مجلة تربية الأطفال المصابين بالتوحد autismparentingmagazine.

هذا اليوم هو فرصة مثالية لتعليم المجتمع والأطفال (ذوي الإعاقة وغيرهم) مفهوم الموافقة الجسدية. فغالبا ما يجبر الأهل أطفالهم من ذوي الإعاقة على تقبيل أو معانقة الأقارب كنوع من الأدب الاجتماعي. هذا التصرف يعلم الطفل درسا خطيرا: أنت لا تملك السيطرة على جسدك، ورضا الآخرين أهم من راحتك.

بدلا من ذلك، يجب أن نحترم اللا. إذا ابتعد الطفل أو تصلب جسده عند الاقتراب منه، فهذه لا صريحة يجب احترامها فورا. احترامك لمساحته الشخصية هو في حد ذاته عناق معنوي يشعره بالأمان والثقة.

كيف تقول أحبك بلا لمس؟

إذا كان يوم العناق العالمي لا يناسب الجميع، فكيف نعبر عن الحب لأحبابنا من ذوي الاختلاف العصبي؟ الإجابة تكمن في اكتشاف لغتهم الخاصة:

العناق المتوازي، الجلوس بجانبهم بصمت أثناء ممارسة هوايتهم المفضلة دون تلامس. هذا يعني أنا هنا معك.

ضغط الكفوف، بعضهم يفضل ضغط باطن اليد (High Five) أو تشابك الأصابع فقط بدلا من عناق كامل الجسد.

طالع: مرض أطفال الفراشات.. هكذا تصبح «لمسة الحب» مؤلمة كالنار  

الحب بالكلام أو الاهتمام، الحديث عن اهتماماتهم الخاصة (الديناصورات، القطارات، الأرقام) قد يكون بالنسبة لهم أكثر حميمية ودفئا من ألف حضن.

الضغط العميق،  استخدام البطانية الثقيلة التي تحاكي تأثير آلة تيمبل جراندين، وتوفر لهم الهدوء الذي يحتاجونه.

آلة العناق أو Hug Machine
آلة العناق أو Hug Machine

العناق ليس مقاسا واحدا

في الختام، يوم العناق العالمي ليس دعوة لإجبار الجميع على التلاحم الجسدي. بل هو دعوة لفهم الاحتياج الإنساني للتواصل، أيا كان شكله. وقصة تيمبل جراندين وآلتها تعلمنا درسا عظيما: نحن نحتاج الحب، لكننا نحتاجه بشروطنا نحن، لا بشروط المجتمع.

اليوم، إذا قابلت شخصا من ذوي التوحد، لا تبادر بفتح ذراعيك فورا. جرب أن تبتسم، أو تلوح بيدك، أو تسأل: هل تسمح لي بعناق؟ وإذا كان الجواب لا، فابتسم مجددا.. لأن احترامك لاختلافه هو أجمل هدية يمكن أن تقدمها له.

المقالة السابقة
الجمعية الكويتية لاختلافات التعلم تمدد فترة الترشيح لجائزة المعلم المتميز 
المقالة التالية
الاستراتيجية الوطنية لذوي الاعاقة على طاولة مجلس الشيوخ في مصر