في مشهد أكاديمي مهيب يمزج بين رصانة العلم وعظمة الإرادة الإنسانية. شهدت الأكاديمية الليبية للدراسات العليا (فرع جنزور/طرابلس) حدثا استثنائيا سيظل محفورا في ذاكرة كل من حضره. في الواقع كانت مناقشة رسالة الماجستير، أشبه بملحمة بطلتها شابة ليبية، قررت أن ترى العالم بقلبها وعقلها بعد أن حجب الظلام عينيها.
نتحدث هنا عن الباحثة الليبية إسراء امحمد الغالي، الطالبة من ذوي الإعاقة البصرية. التي وقفت بشموخ لتناقش رسالتها في تخصص دقيق وصعب، وهو اللغة الإنجليزية. لتثبت للجميع أن فقدان البصر لم يكن يوما عائقا أمام نفاذ البصيرة.
وقد حفلت صفحات التواصل الاجتماعي في ليبيا بالعديد من المنشورات. التي تناولت قصة الباحثة إسراء وإصرارها، وتراوحت التعليقات بين الفخر بإنجازها. واستلهام العزيمة من مشوارها وتفوقها.
رحلة إسراء امحمد الغالي
ضجت قاعات مدرسة اللغات بالأكاديمية الليبية بالتصفيق والاحتفاء. حيث أجيزت رسميا رسالة الماجستير المقدمة من الباحثة إسراء امحمد الغالي. من الجدير بالذكر أن هذا الإنجاز جاء بعد رحلة بحثية شاقة ومضنية. تحدت فيها الباحثة كل الظروف اللوجستية والصعوبات التي تواجه المكفوفين في البحث العلمي. خاصة في تخصص يتطلب قراءة مراجع أجنبية معقدة وتحليل نصوص لغوية دقيقة. وفق الصفحة الرسمية للأكاديمية في فيسبوك.
ولم تكتف إسراء بالحصول على الدرجة فحسب. لكنها كذلك نالت إشادة جماعية من لجنة المناقشة والحكم. التي وصفت العمل بأنه إضافة حقيقية للمكتبة الليبية والعربية في مجال التربية الخاصة وتعليم اللغات.
طالع: ليبيا تبحث تطوير قانون ذوي الإعاقة لتعزيز الدمج الاجتماعي
لعل أكثر ما يميز هذا الإنجاز هو موضوع الرسالة نفسه. الذي جاء شجاعا ومباشرا وكأنه صرخة علمية موجهة لصناع القرار. استنادا إلى الوثائق المعلنة من جلسة المناقشة. حملت الرسالة عنوانا باللغة الإنجليزية The Inadaptability of English Textbooks for Pupils with Disability in Libyan Public Schools. أو عدم ملاءمة كتب اللغة الإنجليزية للتلاميذ ذوي الإعاقة في المدارس العامة الليبية.
في هذا السياق، لم تختر إسراء امحمد الغالي موضوعا نظريا بعيدا عن واقعها. بل غاصت في عمق المشكلة التي عانت منها و يعاني منها الآلاف. حيث ركزت دراستها على تحليل محتوى الكتب الدراسية المستخدمة حاليا. وقياس مدى قدرتها أو عجزها عن تلبية احتياجات التلاميذ من ذوي الهمم داخل الفصول الدراسية. خلصت الباحثة في نتائجها إلى وجود فجوات كارثية وواضحة في تصميم مناهج اللغة الإنجليزية المعتمدة. سواء على مستوى المحتوى الذي يغفل التنوع، أو الوسائل المساندة الغائبة. مما يحد بشكل كبير من استفادة التلاميذ ذوي الإعاقة، ويضعهم في دائرة التهميش التعليمي.
لجنة المناقشة.. شهادة كبار المتخصصين
لم يكن الطريق مفروشا بالورود، فقد خضعت الرسالة لتمحيص دقيق من لجنة علمية رفيعة المستوى. مما يزيد من قيمة هذا النجاح. وفقا للمصادر الرسمية، تألفت لجنة المناقشة من قامات علمية مشهود لها. ترأستهم المشرفة على الرسالة الدكتورة فاطمة الشيباني أبوسرويل (رئيس اللجنة والمشرف). وعضوية كل من الدكتور محسن أبوبكر أحمد (ممتحنا داخليا)، والدكتورة نادية أنصير (ممتحنة خارجية).
خلال الجلسة، دار نقاش علمي وصف بـ المعمق. أظهرت فيه إسراء امحمد الغالي تمكنا مذهلا من أدواتها البحثية ومنهجيتها، وقدرة فائقة على الدفاع عن أطروحتها بالحجة والبرهان. نتيجة لذلك، وبعد المداولة، قررت اللجنة بالإجماع منحها درجة الماجستير في قسم اللغة الإنجليزية. مشيدة بجودة العمل وأهميته التربوية الملحة في الوقت الراهن.

وفي لفتة إنسانية وأكاديمية راقية، لم ينته الحدث عند مجرد إعلان النتيجة. فقد شهدت القاعة تدخلا مباشرا من الدكتور رمضان المدني، رئيس الأكاديمية الليبية، الذي حرص على الحضور وتهنئة الباحثة بنفسه. علاوة على ذلك، وإيمانا منه بموهبة إسراء وقدرتها على العطاء.
أعلن الدكتور المدني عن مفاجأة سارة للحضور. وهي منح الباحثة إسراء امحمد الغالي كرسيا دراسيا (منحة كاملة) لمواصلة دراستها العليا ونيل درجة الدكتوراه. وفق الصفحة الرسمية للأكاديمية في فيسبوك.
تعتبر هذه الخطوة بمثابة تكريم لجهودها، ورسالة دعم قوية للبحث العلمي. وتشجيعا عمليا لدمج ذوي الإعاقة في أعلى مستويات التعليم العالي في ليبيا، ليكونوا صناع معرفة وليسوا مجرد متلقين.
ما وراء الخبر
عندما نتأمل عنوان رسالة إسراء امحمد الغالي، ندرك أننا أمام باحثة تحمل قضية. فالدراسة التي قدمتها ليست مجرد تجميع لمعلومات، بل هي دعوة صريحة لإعادة هيكلة المناهج الدراسية في ليبيا، لتكون دامجة (Inclusive Education). حيث طالبت في توصياتها بضرورة تطوير المناهج وفق معايير عالمية تراعي اختلاف القدرات، وتضمن حق التلميذ الكفيف أو المعاق حركيا في تعلم اللغة الإنجليزية بنفس الكفاءة التي يتعلم بها أقرانه. بذلك، تحولت إسراء من طالبة تبحث عن شهادة، إلى محامية تدافع عن حقوق جيل كامل من ذوي الهمم في تعليم عادل ومنصف.
لا يخفى على أحد صعوبة تعلم اللغات الأجنبية، فما بالك بإتقانها، والبحث الأكاديمي فيها دون نعمة البصر. من ناحية، تتطلب اللغة الإنجليزية مهارات بصرية لتعلم التهجئة (Spelling) وقواعد الكتابة، وهو ما يمثل تحديا كبيرا للمكفوفين الذين يعتمدون على السمع أو طريقة برايل. لكن إسراء امحمد الغالي استطاعت بجلد وصبر أن تتجاوز هذه العقبات، مسخرة التقنيات المساعدة وذاكرتها الحديدية لتصل إلى هذا المستوى الرفيع الذي أهلها لمناقشة رسالة ماجستير كاملة باللغة الإنجليزية، وهو إنجاز يعجز عنه الكثير من المبصرين.
في الختام، يمثل حصول إسراء امحمد الغالي على الماجستير اليوم، نقطة مضيئة في سجل الأكاديمية الليبية، ودليلا حيا على أن الإعاقة تكمن في الروح لا في الجسد. وقرار منحها فرصة الدكتوراه يفتح أمامها آفاقا جديدة لتكمل مسيرتها في تطوير المناهج، وربما نراها قريبا الدكتورة إسراء التي تضع بنفسها المناهج الدامجة التي حلمت بها. هنيئا لليبيا بهذه الابنة البارة، وهنيئا لكل ذي همة رأى في نجاحها أملا جديدا يلوح في الأفق.


.png)


















































