إليزابيث بلاكويل.. فقدت عينها فبنت جيشا من الطبيبات 

إليزابيث بلاكويل.. فقدت عينها فبنت جيشا من الطبيبات 

المحرر: محمود الغول - مصر
إليزابيث بلاكويل

في منتصف القرن التاسع عشر، كان الطب ناديا مغلقا للرجال فقط. كانت الفكرة السائدة أن المرأة أضعف عقليا وجسديا من أن تمارس مهنة الطب، أو تمسك بمشرط الجراح. لكن امرأة واحدة قررت كسر هذا الباب الفولاذي، ليس بقوة ذراعها، بل بقوة إرادتها.

إنها إليزابيث بلاكويل، التي يوافق اليوم 3 فبراير ذكرى ميلادها. يعرفها التاريخ بلقب أول امرأة تحصل على شهادة الطب في الولايات المتحدة. ولكن ما يغفله الكثيرون هو الثمن الباهظ والجسدي، الذي دفعته هذه السيدة في سبيل شغفها.

قصة إليزابيث بلاكويل درامية عن الإعاقة المكتسبة التي غيرت مسار التاريخ. كيف تحول حلمها من أن تكون أول جراحة عالمية إلى كابوس الظلام في عين واحدة؟ وكيف استطاعت، وهي ترتدي عينا زجاجية، أن ترى مستقبلا لم يره الرجال المبصرون حولها؟

الحادثة المأساوية في حياة إليزابيث بلاكويل

بعد تخرجها بشق الأنفس ومواجهة تنمر المجتمع الأكاديمي. سافرت بلاكويل إلى باريس للتدريب العملي في مستشفى لا ماتيرنيت. كانت طموحة جدا، وكان هدفها الأكبر هو التخصص في الجراحة. كانت تمتلك يدا ثابتة وعقلا حادا، وكانت ترى نفسها في غرف العمليات تنقذ الأرواح بالمشرط. حسب المكتبة الوطنية الأمريكية للطب.

لكن في أحد صباحات عام 1849، كانت تعالج رضيعا مصابا بمرض الرمد الصديدي. وهو عدوى بكتيرية خطيرة جدا كانت شائعة آنذاك وتسبب العمى. أثناء قيامها بغسل عين الطفل المصابة. اندفعت قطرات من السائل الملوث بالصديد والبكتيريا، ودخلت مباشرة في عين إليزابيث اليسرى. وفق كليات هوبارت وويليام سميث (Hobart and William Smith Colleges).

في عصر ما قبل المضادات الحيوية، كان هذا يعني كارثة. التهبت عينها بشكل مرعب وتورمت وأغلقت تماما. قضت أسابيع في غرفة مظلمة تعاني من آلام مبرحة. على أمل أن ينجح جسدها في طرد العدوى. لكن النهاية كانت مأساوية. حيث فقدت بصرها تماما في العين اليسرى. واضطر الأطباء لاستئصال العين جراحيا واستبدالها ب عين زجاجية.

أي خطأ بملليمتر يعني موت المريض

كانت لحظة تركيب العين الزجاجية هي لحظة وفاة حلمها كجراحة. لماذا؟ لأن الجراحة تتطلب ما يسمى بالرؤية المجسمة، وهي القدرة على إدراك العمق والأبعاد الثلاثية، والتي لا تتحقق إلا بوجود عينين سليمتين تعملان معا. بعين واحدة، لا يستطيع الجراح تقدير المسافة الدقيقة بين المشرط والشريان، وأي خطأ بملليمتر يعني موت المريض.

كتبت إليزابيث بلاكويل في مذكراتها بمرارة: «لقد تحطم أملي في أن أكون جراحة عظيمة إلى الأبد». تخيل أن تقضي سنوات تحارب العالم لتصل إلى غرفة العمليات، وعندما تصل، يطردك جسدك منها. كان بإمكانها أن تستسلم وتعتزل الطب وتعيش ك ضحية للإعاقة والظروف. لكن هنا تظهر عظمة شخصيتها.

وهنا أدركت بلاكويل حقيقة هامة، وهي  إذا كنت لا أستطيع استخدام المشرط بيدي، سأستخدم عقلي لأصنع آلاف الأيادي الأخرى. فحولت إعاقتها البصرية مسارها من الجراحة الدقيقة إلى الصحة العامة والتعليم الطبي. حسب السيرة ذاتية: إليزابيث بلاكويل المتحف الوطني لتاريخ المرأة.

رسم من صحيفة عام 1870 يظهر إليزابيث بلاكويل وهي تلقي محاضرة في علم التشريح بجانب جثة في مستشفى كلية الطب النسائية في نيويورك.
رسم من صحيفة عام 1870 يظهر إليزابيث بلاكويل وهي تلقي محاضرة في علم التشريح بجانب جثة في مستشفى كلية الطب النسائية في نيويورك.

مستشفى خاص تديره النساء

قررت أن تؤسس مستشفى خاصا تديره النساء، وهو مستشفى نيويورك للنساء والأطفال. ثم أسست كلية طبية لتدريب النساء. وبدلا من أن تكون هي الجراحة الوحيدة، دربت جيشا من الجراحات والطبيبات اللاتي يمتلكن عيونا سليمة وأيد مدربة. ركزت على الوقاية وعلى تعليم الأمهات النظافة، التي كانت سببا في فقدان عينها أصلا.

طالع: أمنية دامسون.. كتاب جديد تهديه طبيبة بريطانية للأطفال ذوي الأعاقة

الإعاقة لم تمنعها من الطب..  منحتها نظرة أوسع. الجراح يعالج مريضا واحدا في المرة، لكن المعلم والمصلح الاجتماعي يعالج مجتمعا بأكمله. عينها الزجاجية كانت تذكيرا دائما لها بأن الجهل وقلة النظافة هما العدو الحقيقي، وليس البكتيريا فقط.

عاشت إليزابيث بلاكويل حياتها بعين واحدة، لكنها كانت ترى المستقبل بوضوح لم يمتلكه أقرانها الرجال. بفضل جهودها التي ولدت من رحم المعاناة، فتحت أبواب كليات الطب للنساء في أمريكا وبريطانيا.

عندما ننظر اليوم إلى الطبيبات البارعات في غرف العمليات حول العالم. يجب أن نتذكر أن الطريق الذي يمشين عليه، مهدته امرأة دفعت عينها ثمنا لرصفه.

دروس من قصة إليزابيث بلاكويل

قصة «إليزابيث بلاكويل تقدم درسا بليغا في التكيف والمرونة النفسية:

عندما يغلق باب اكسر الجدار

الإعاقة أغلقت باب الجراحة في وجهها، لكنها لم تغادر المبنى. قامت ببناء طابق جديد بالكامل، وهو التعليم الطبي للنساء، والذي لم يكن موجودا من قبل.

لا تختزل نفسك في وظيفة

لو ربطت إليزابيث قيمتها بكونها جراحة فقط، لانتهت حياتها بفقدان عينها. لكنها ربطت قيمتها بكونها طبيبة وإنسانة، فاستمرت.

الجرح قد يكون مصدر القوة

الحادثة التي أفقدتها بصرها، هي نفسها التي جعلتها أكثر إصرارا على نشر الوعي الصحي. لتمنع تكرار مأساتها مع أطفال آخرين.

وأخيرا، في كل عام وذكرى الطبيبة ذات العين الواحدة تذكرنا بأن البصيرة هي التي تقود البشرية.. وليست العيون.

المقالة السابقة
مصر.. المجلس القومي للإعاقة يدعم أسر المصابين بطيف التوحد
المقالة التالية
مصر توفر 4379 فرصة عمل جديدة لذوي الإعاقة في 12 محافظة