صممت المصرية سارة قطب. دكتورة تأهيل للأطفال والرضع ذوي التأخر الحركي. برنامج «التأهيل المائي». وهو برنامج علاجي علمي متكامل. يعتمد على الماء كوسيط فعال وآمن.
ويهدف البرنامج إلى تحسين الوظائف الحركية للأطفال. وتقليل المعاناة الجسدية والنفسية لهم ولأسرهم. مع تعزيز قدراتهم على التكيف والنمو الحركي بشكل أسرع

التأهيل المائي يستخدم تقنيه الغطس العلاجي
وعن هذا البرنامج قالت د. سارة لـ«جسور» إن برنامج التأهيل المائي مصمّم خصيصا للأطفال. والرضع ذوي التأخر الحركي. وذوي الاحتياجات الخاصة. ويختلف تمامًا عن السباحة الترفيهية أو اللعب في الماء. وينقسم إلى برنامجين. الأول مخصص للأطفال المصابين بالشلل الدماغي التشنجي. ويهدف إلى تقليل الشد العضلي وتحسين وتطوير المهارات الحركية.
أما البرنامج الثاني، فهو مخصص للأطفال والرضع ذوي التأخر الحركي. المصحوب بارتخاء في العضلات. ويهدف إلى تقوية العضلات وتحسين وتطوير التحكم الحركي والمهارات الحركية.
ويعتمد البرنامجان على الغطس. وتمارين مائية لتقوية عضلات الجسم بالكامل. وتطوير المهارات الحركية تدريجيا. بدءًا من التحكم في الرأس ثم التقليب والجلوس فالوقوف. وصولًا إلى المشي. ويتميّز البرنامج بالاعتماد على الغطس وتمارين كتم النفس كعنصر أساسي.

ويعتبر البرنامج هو الأول من نوعه. حيث يستخدم تقنيه الغطس. والتى تعمل على زيادة تدفق الدم المؤكسج إلى المخ وأطراف الجسم. وذلك بعد تدريب الطفل مسبقًا علي كتم النفس والنزول تحت الماء.
كما يستخدم كمثير حركي. يساعد الطفل على تحريك الذراعين والساقين داخل الماء. ثم توظيف هذه الحركات لتقوية العضلات وتحسين التحكم الحركي» .
التأهيل المائي .. علاج وترفيه
وتضيف:«السباحة مرحلة متقدمة بالبرنامج. وتساعد على تحسين التوازن وتنمية الإحساس بالحركة ودعم التوافق الحركي بين اليد والساق. وهو عنصر أساسي لاكتساب أنماط الحركة كالجلوس والوقوف والمشي»
وعن آلية التغلب على توتر الأطفال أثناء العلاج تقول:«يستخدم اللعب المائي كجزء داعم داخل البرنامج لترفيه عن الطفل. كما أن الماء. أيضا يساعد على تخفيف وزن الجسم وتقليل الضغط على العضلات والمفاصل. مما يقلل الشعور بالألم ويسهل الحركة. مع توفير بيئة آمنة، وممتعة تزيد من تقبل الطفل للبرنامج. وتعزز دافعيته للحركة.
كذلك يقلل الماء تأثير الجاذبية. فيسهل للطفل الحركة بأمان ويقلل الألم. بالاضافة الي المقاومة المائية تقوّي العضلات بدون إجهاد. فالتأهيل المائي أحد أقوى الوسائل لتحسين الحركة والنمو للأطفال والرضع. لكنه يحتاج إلى تقييم دقيق وبرنامج متخصص لكل طفل».

وانطلاقًا من هذه الرؤية، انتقلت الدكتورة سارة قطب للحديث عن الدافع وراء تصميم البرنامج، قائلة: «صممت البرنامج لمساعدة الأطفال والرضع ذوي التأخر الحركي. والعمل على تقليل مدة التأهيل. فتختصر لشهور بدلًا سنوات. والبرنامج جاء استجابةً لحاجة ميدانية حقيقية. فقد عملت لسنوات داخل مراكز التأهيل المائي. ورايت معاناة الأطفال والأهل من طول الجلسات وبكاء الأطفال المستمر. وأحيانًا ضعف استجابة الطفل للحركة خارج الماء».
فكرة برنامج الماء جاءت بالصدفة
وعن الشرارة الأولى التى أوحت لها بفكرة البرنامج تقول: «خلال عملي بالمسبح، تعرضت لموقف مؤثر مع أحد الأطفال. عندما سقط داخل الماء دون قصد. فحرك ذراعيه وساقيه تلقائيا. رغم أنه خارج الماء لم يكن يحرّكهما. هذا الموقف كان نقطة تحول، حيث بدأت فكرة تصميم برنامج مائي يعتمد على الغطس. ويعمل كمحفز للحركة لدى الأطفال ذوي التأخر الحركي».
وتستطرد:«بعدها بدأت العمل على التدريب بالطريقة الصحيحة للغطس. وتمارين كتم النفس. ووضع برنامج مخصص للأطفال والرضع. وكانت هذه الفكرة هي موضوع رسالتي للدكتوراه. وحاليا أعمل على بروتوكول مائي مخصص للأطفال المصابين بالشلل الدماغي التشنجي. يهدف إلى تقليل الشد العضلي. وتحسين وتطوير المهارات الحركية لديهم».

وعن الفئات المستهدفة بالبرنامج، توضح د. سارة إنهم من ذوي اضطرابات النمو الحركي من الرضع والأطفال. وأيضا تأخر الجلوس والتقليب والزحف والوقوف والمشي. وكذلك ذوي ضعف التحكم في الرأس والجذع، وضعف التوازن والتوافق الحركي. والمصابين بالشلل الدماغي بجميع أنواعه. والمصابين بضعف وقصور التوتر العضلي.
التأهيل المائي يستهدف أصحاب متلازمة داون
ومن الفئات المستهدفة أيضا. الأطفال ذوي الارتخاء العضلي. والأطفال أصحاب متلازمة داون. وذوي اضطرابات الجهاز العصبي الطرفي والمركزي وإصابات الضفيرة العضدية، وإصابات الأعصاب الطرفية. بالإضافة لبعض حالات ما بعد إصابات الدماغ. تشوهات العظام والمفاصل. حالات خلع الورك الخِلقي. وتيبس المفاصل وتشوهات القدم.
وأيضا بعض الاضطرابات الحسية والنفسية. كالأطفال الذين يعانون خوف من الحركة وضعف الإحساس بالجسم. وأيضا أطفال التوحد ذوي التأخر الحركي.
وعن الحالات التى لا يصلح معها العلاج المائي، أو يؤجل لأسباب مختلفة، تقول: «إذا كان لدي الحالات التهابات جلدية والتهابات أذن نشطة. ونزلات معوية. أو إسهال. أو ارتفاع درجة الحرارة. والتهابات صدرية حادة. وإذا كان الطفل مصاب بنوبات صرع لا يمكن التحكم فيها. وأمراض قلبية أو تنفسية غير مستقرة. ومشاكل حادة في الجهاز التنفسي».
وضع برنامج مناسب لكل طفل
وعن كيفية تقييم الحالات. لمعرفة مدي قابليتها للعلاج المائي تقول: «اسأل ولي الأمر عن عُمر الطفل وتاريخه الصحي. والبرامج العلاجية السابقة. واستجابته للماء. وبعدها أقيّم العمر الحركي للطفل، ثم أقيّم التشنج العضلي. وأضع البرنامج المناسب للعمر الحركي لكل طفل على حدة».
وعن الفروق العمرية داخل البرنامج، توضح «يكون احتياج الرضع أقل من الأطفال الأكبر. فربما يكون الرضيع مصاب بالتأخر الحركي. بصلابة الرأس أو الجلوس أو التقليب أو الزحف أو الوقوف.بينما الأطفال الأكبر لديهم مهارات حركية أكثر. وأحيانًا تظهر تشوهات نتيجة للتأخر الحركي.
وتضيف، في البرنامج، تكون جلسات الأطفال الأكبر أكثر كثافة. مقارنة بالرضع. ولذلك يركز البرنامج على الأطفال الرضع كتدخل مبكر لدعم التطور الحركي، وتعزيز المهارات الأساسية، قبل تفاقم أي مشاكل حركية».
وعن التحديات التي توجهها، تؤكد د. سارة قطب: «التحديات متنوعة، أولها تقبل الأهل. فالبعض يحتاج وقت لفهم البرنامج ومعرفة الفرق بين البرنامج المائي والسباحة العادية أو العلاج المائي. أحيانا يقلقون من غطس أو تمارين الماء للرضع».
وعن شروط الآمان المتوفر فى التدريب تقول:«من الضروري تجهيز بيئة مائية آمنة. ومهيأة خصيصًا للأطفال ذوي التأخر الحركي. بداية من نضافة مياه المسبح، ودرجة حرارتها لتكون مناسبه مع حراراه الجو. والأدوات الداعمة حسب العمر والحالة. فالتحدي كان في موازنة الجانب النفسي للأهل، مع الجانب العملي والتقني للبرنامج».

تحسن حالة الأطفال في وقت قصير جدا
ثم انتقلت د. سارة للحديث عن النتائج. تقول: «لاحظت التحسّن على الأطفال بوضوح وفي وقت قصير جدا. من تقوية عضلات الأطفال الذين صاروا أكثر قدرة على التحكم في الرأس والجذع. وتحسن أداء عضلات اليدين والقدمين. كذلك تحسن التوازن. واكتساب قدرة على الجلوس لفترات أطول.
وأيضا التوازن أثناء الوقوف والمشي. بالإضافة للتوافق الحركي لدي الاطفال الذين تطور لديهم التنسيق بين اليدين والقدمين. وتحسن القدرة على القيام بالحركات المعقدة. مثل التقليب والزحف والمشي. أيضا تحسن النطق والإدراك والنوم، دون ألم وتقوية عضلات الفم، وتحسن الأكل وعملية الإخراج».
وعن الجانب النفسي، تقول:«بالتأكيد لا يقل الجانب النفسي أهمية. فالبرنامج ممتع وآمن ويجعل الطفل يتفاعل بحماس مع التمرين. ويقلل خوفه أو توتره أثناء الغطس والحركة في الماء، ويحفز استجابته للتدريبات. مع البرنامج، تتحسن نفسية الأطفال خاصة ذوي التأخر الحركي الذين لا يعانون من إعاقة ذهنية. فالطفل يشعر بالقدرة على الحركة واللعب والمشي، مثل أصدقائه. مما يعزز ثقته بنفسه، ويجعل التجربة العلاجية ممتعة، ومشجعة له ولأهله».

التأهيل المائي ليس بديلاً للعلاج التقليدي
وعن علاقة البرنامج بالعلاج التقليدي. تكمل:«التأهيل المائي ليس بديلاً للعلاج التقليدي. بل جزءًا تكمليًا ضمن خطة علاج شاملة، توضع للطفل. لأنه يسرع من التقدم الحركي، ويعزز القوة والتوازن والتوافق العضلي بطريقة ممتعة وآمنة، في وقت قصير جدا. ويساعد البرنامج فى تقليل الشد العضلي لأطفال الشلل الدماغي التشنجي. باعتباره أصعب أنواع الشلل الدماغي. فالبرنامج عبارة عن كورس مكثف للطفل، الغرض منه تنشيط خلايا المخ، وتقوية العضلات، مع خطة العلاج التقليدية للطفل».
وعن دور الأسرة، توضح: «البرنامج يمنح العائلات الأمل والاطمئنان. خاصة بعد إيضاح وشرح خطواته وأهدافه. وأيضا يضمن لهم أن يشهدوا تحسنا ملحوظا، بعد توفير بيئة آمنة وداعمة بالكامل. وهو الأمر الذي يساعد الأهل على الاستمرار فى التدريبات والحضور والمشاهدة أيضا».

نقلة نوعية في تأهيل الأطفال ذوي التأخر الحركي
وتستطرد د. سارة: «هذا المجال واعد جدًا، كما يمكن أن يحدث نقلة نوعية في تأهيل الأطفال ذوي التأخر الحركي. وفي الواقع، بدأ ينتشر بالفعل، خاصة مع إدراك العائلات والمختصين لقوة التدخل المبكر، إضافة إلى أهمية الماء كوسيط علاجي آمن وفعال».
وعن تطلعاتها لمستقبل البرنامج المائي الذي صممته، تقول: «أتمنى أن ينتشر برنامجي للتأهيل المائي، وأن يدرّس في الجامعات، كما يتم تدريب أخصائيين عليه، لكي يصل إلى أكبر عدد من الأطفال ذوي التأخر الحركي حول العالم، وبالأخص أطفال الشلل الدماغي التشنجي».
وتضيف: «وبالإضافة إلى ذلك، يحتاج المجال لدعم كبير، مدعم بالأبحاث والدراسات المحكمة، من أجل توثيق فعاليته وفوائده. كما يتطلب التوعية والتسويق له، وإظهار أهميته للأطفال والأسر والمراكز الطبية. وبهذه الطريقة، يصبح التأهيل المائي خيارًا موثوقًا، ومطلوبًا ضمن خطط التأهيل الحديثة في العالم العربي، ويُتيح للأطفال فرصة أفضل للنمو الحركي والنفسي في بيئة ممتعة وآمنة».


.png)

















































