مرة أخرى تخرج قصة الطفلة الفلسطينية جوليا محمد أبو لحية عن صمتها، لتصبح نداء عاجلا للعالم، إذ لم تكن مجرد طفلة جاءت للعالم بمرض نادر، بل ولدت في قلب العاصفة، حيث تتشابك آلام المرض مع ويلات حرب الإبادة في غزة، لتجبر والدها على اللجوء إلى آخر وسيلة متاحة.. وهي منصة التمويل الجماعي GoFundMe.
منذ اللحظة الأولى التي أبصرت فيها النور، بدأت معركة جوليا التي لم تتجاوز عامها الثاني والرابع، ولدت الطفلة بورم كيسي خلقي في الرقبة من الجهة اليمنى، كما تشير التقارير الطبية، هذا الورم ليس مجرد انتفاخ خارجي، بل هو كيان حي ينمو ويتوسع، يلتف حول وجهها ورقبتها، ويسبب لها معاناة مستمرة.
تظهر جوليا في الصور التي التقطها والدها، وعيناها مليئتان بالحزن، ووجهها المتورم يحكي قصة صامتة من الألم. هذا الورم لا يمنعها فقط من ممارسة حياتها الطبيعية، بل يعيق أبسط وظائف جسدها. بسبب وجود ورم آخر تحت لسانها، أصبحت جوليا غير قادرة على النطق بوضوح، ويعيق الورم أيضا قدرتها على التنفس والبلع، مما جعلها عرضة لالتهابات حادة ومستمرة في الصدر.

حياة في عزلة ويأس بينما يلهو الأطفال من حولها، تقضي جوليا معظم وقتها وحيدة، في عالم من الصمت والوجع. لا تعرف اللعب، ولا الضحك، بل كل ما تعرفه هو البكاء. وصفها والدها محمد، بقلب مكسور، بكلمات مؤثرة تعكس عجزه: «والله يا أخي وضعها أكثر من سيئ. لا تعرف تنام ولا تتكلم ولا تأكل»، حسب ما قال والدها محمد أبو لحية لـ«جسور».
محاولة علاج فاشلة زادت الألم في محاولة يائسة لإنقاذ حياة طفلته، قرر والد جوليا إجراء عملية جراحية لها في غزة. كان الأمل يحدوه بأن تنهي هذه العملية كابوس ابنته، وتمنحها فرصة لحياة طبيعية. لكن القدر كان له رأي آخر. فبعد العملية، تدهورت حالة جوليا بشكل كبير، وتضاعف حجم الورم بشكل لم يكن متوقعا، لتصبح الطفلة في حاجة ماسة إلى العلاج في الخارج. يصف الأب تلك التجربة بمرارة: «بعد العملية سائت حالتها».
في ظل الظروف القاسية التي تعيشها غزة، حيث تنعدم مقومات الحياة، أصبحت الأزمة المادية عائقا كبيرا أمام الأب في توفير العلاج لابنته، لم يعد الأمر يقتصر على تأمين الطعام، بل أصبح البحث عن دواء لابنته هو الأولوية القصوى، وهو ما يكاد يكون مستحيلا في ظل الظروف الحالية.
في لحظة يأس، لجأ والد جوليا إلى صديق يعيش خارج البلاد، هذا الصديق، الذي رأى معاناة الطفلة وعجز الأب، اقترح عليه إنشاء حملة تبرعات على منصة «GoFundMe». هذه المنصة، التي تجمع بين الأشخاص الذين يحتاجون إلى المساعدة وأولئك الذين يمكنهم تقديمها، أصبحت الأمل الأخير لوالد جوليا.
يصف الأب هذه الخطوة لـ«جسور» بكلمات مليئة بالأمل والتوكل على الله: «لجأت إلى صديقي ليساعدني بعمل رابط لجمع التبرعات لعلاج ابنتي في هذه الحرب المدمرة لكل شيء.. على أمل شيل بعض هموم وثقل الحياة والأمل بوجه الله».
قصة جوليا ليست مجرد قصة مرض، بل هي صرخة إنسانية مدوية من قلب الحصار. هي نداء طفلة بريئة، ونداء أب مكلوم، ونداء شعب يصارع من أجل البقاء. جوليا تخاف أن تنظر إلى نفسها في المرآة، «ايش بدك أصعب من هيك؟!». هذا الخوف الطفولي هو أبلغ تعبير عن الألم الذي تعيشه.
الأمل في أن تجد جوليا سبيلا للشفاء يقع الآن على عاتق العالم، حملتها على «GoFundMe» هي الفرصة الوحيدة لإعادة الأمل إلى قلب هذه الطفلة، وإعادتها إلى حياة تستحقها.