تسيطر على عالمنا الصور الرقمية والسطحية، فيظهر التنمر ذلك الوحش الكاسر. الذي ينهش في براءة الطفولة بصمت، مخلفا ندوبا غائرة في أرواح الصغار، لا تمحوها الأيام بسهولة. وخاصة حينما يكون ضحاياه من الفئات الأكثر هشاشة في مجتمعنا، مثل ذوي الاحتياجات الخاصة والأيتام.
وفي الواقع لم تعد اللوحات الفنية مجرد ترف بصري، يعلق على جدران المعارض الباردة، ليتأملها النخبة ثم يمضون. بل أصبح للفن دور مجتمعي وإنساني أعمق بكثير.. حيث تكون الريشة في مواجهة التنمر.
من هنا انطلقت الدكتورة رانيا عصمت محمد، الأستاذ المساعد بكلية الفنون الجميلة بجامعة الإسكندرية، في رحلة إبداعية ملهمة. قررت فيها أن تغادر المنطقة الآمنة للفن الأكاديمي، لتنزل بريشتها إلى ساحة المعركة الحقيقية، معركة الوعي والتربية النفسية. في معرض بعنوان «فاعلية استخدام رسوم النشر داخل القصة للحد من ظاهرة التنمر لدى الأطفال».
هنا نغوص في تفاصيل مشروعها الفني الرائد الذي يمزج بين سيكولوجية الصورة وسحر الألوان. والذي افتتح في 5 يناير الجاري، بأكاديمية الفنون بالجيزة.. لنكتشف كيف وقفت الريشة في مواجهة التنمر. لتدافع عن حق الطفل المختلف في الحياة بكرامة ودون سخرية.

الريشة في مواجهة التنمر
لم تأت فكرة هذا المعرض والربط بين الفن التشكيلي وعلم النفس من فراغ. إنما نبعت من دراسة متعمقة لسلوكيات الأطفال في عصرنا الحالي. إذ تؤكد الدكتورة رانيا عصمت أن الأطفال بطبيعتهم يتسمون بدرجات متفاوتة من العناد. مما يجعل الوسائل التقليدية في التربية. مثل النصح المباشر أو الوعظ والزجر، وسائل غير فعالة في كثير من الأحيان.. بل قد تأتي بنتائج عكسية تدفع الطفل لمزيد من التمرد.
علاوة على ذلك، ونظرا لأن التنمر أصبح سلوكا غير طبيعي ولكنه للأسف واسع الانتشار. كان لا بد من البحث عن لغة بديلة يفهمها الطفل ويتقبلها دون حواجز دفاعية. في هذا السياق، وجدت الفنانة أن الرسوم القصصية هي المفتاح السحري للدخول إلى عقل الطفل. حيث يمكن إيصال الرسائل التربوية المعقدة وتعديل السلوك العدواني بشكل بسيط وغير مباشر، متسللة إلى وجدان الصغير عبر بوابة الجمال والدهشة.. قبل أن يدرك أنه يتلقى درسا في الأخلاق.
ولضمان نجاح هذه المهمة العلاجية الصعبة، اعتمدت الدكتورة رانيا على تقنيات فنية مدروسة بعناية فائقة لجذب انتباه الفئة المستهدفة. من ناحية أولى، ركزت على استخدام «نور الألوان» وجاذبية خامة الأكريليك. وهي خامة تتميز بنصوعها وقوتها البصرية. وقامت بإضافة معالجات فنية خاصة لزيادة بريق هذه الألوان. بهدف خلق ما يشبه «المصيدة البصرية» التي تجبر الطفل المشاغب أو المتنمر على التوقف أمام اللوحة وتأمل تفاصيلها.
النتيجة لذلك هي حالة من الانخراط الكامل في المشهد الفني. مما يمهد الطريق لتمرير الرسالة النفسية. إن اختيار الألوان لم يكن عشوائيا. بل كان يهدف إلى كسر حاجز الجمود وتحويل عملية المشاهدة إلى تجربة شعورية متكاملة. حيث تتتابع المشاهد القصصية بشكل يجذب الطفل لمتابعة الحكاية حتى نهايتها، وهنا تكمن عبقرية توظيف.. الريشة في مواجهة التنمر. كأداة ناعمة للتغيير.

الأيتام وذوي الهمم.. الجرح المزدوج
عند اختيار بيئة التطبيق العملي لهذه التجربة الرائدة، لم تذهب الدكتورة رانيا إلى المدارس الدولية أو الخاصة، بل اختارت البيئة الأكثر احتياجا وتعطشا للدعم، وهي مؤسسات رعاية الأيتام. وتبرر الفنانة هذا الاختيار بأن هؤلاء الأطفال يواجهون تحديات مركبة؛ فهم من ناحية يفتقدون السند العائلي المباشر، ومن ناحية أخرى قد يعانون من وصم مجتمعي أو تنمر داخلي فيما بينهم.
إضافة إلى ذلك، فإن الطفل اليتيم الذي يعاني من إعاقة أو اختلاف جسدي يجد نفسه في مواجهة جرح مزدوج، مما يجعله في أمس الحاجة لتعلم آليات الدفاع النفسي وتعديل السلوك. وترى الدكتورة رانيا أن هذه الفئة تحتاج بشدة لمعرفة كيف تتصرف في مواقف التنمر بطرق غير مباشرة، وكيف تحمي صورتها الذاتية من التهشيم، ولذلك كانت القصص المصورة هي الوسيط الأمثل لتقديم هذه «المناعة النفسية» لهم في قالب محبب وقريب إلى قلوبهم.
طالع: أستاذ بكلية فنون جميلة: بدأت حقبة علاج الأطفال ذوي الإعاقة بالرسم «حوار»
ولعل الجانب الأكثر إنسانية وتأثيرا في هذا المشروع هو اختيار «الموديل» الرئيسي للوحات. ففي لمسة أمومة تذوب فيها الفوارق بين الفنانة والإنسانة، كشفت الدكتورة رانيا أن بطل القصص الثمانية هو ابنها الحقيقي. لكنه لم يظهر بشكله المعتاد، بل تحول بريشتها إلى «حرباء» بشرية تجسد ثماني حالات مختلفة تمثل الفئات المستضعفة في المجتمع.
ويظهر الطفل في لوحة كطفل من ذوي الإعاقة البصرية (ضعيف الإبصار)، وفي أخرى كطفل من أصحاب متلازمة داون (ذوي الطاقات الخاصة)، وفي ثالثة كطفل يعاني من السمنة المفرطة، ورابعة كطفل نحيل أو قصير القامة بشكل ملفت، وخامسة كطفل خجول أو طفل شوارع، وسادسة كطفل يعاني من تأخر في الذكاء.
هذا التنوع المذهل والقدرة على تحويل ملامح طفل واحد لتمثيل كل هؤلاء، يعكس رغبة الفنانة في توحيد الألم البشري، وكأنها تقول إن أي طفل، حتى ابنها، معرض لأن يكون مكان هؤلاء الضحايا، مما يستدعي تعاطفا فوريا من المشاهد.
توسيع دائرة التعاطف.. الجمال في الاختلاف
لم تكتف التجربة بالتركيز على الإعاقات الذهنية أو الحركية فقط، بل توسعت لتشمل الاختلافات الشكلية التي غالبا ما تكون مادة خصبة للتنمر القاسي بين الأطفال. شملت اللوحات حالات مثل الطفل ذو الشعر المقلقل، والطفل خفيف الشعر، والطفل الذي يحمل وحمة كبيرة على وجهه، والطفل المصاب بالبهاق، والطفل ذو البشرة الداكنة أو الأنف الكبير.
في هذا السياق، عملت الدكتورة رانيا بذكاء على رسم تعبيرات وجوه أبطال هذه القصص بملامح حزينة للغاية، تعكس بصدق الألم الداخلي الذي تسببه الكلمات الجارحة والنظرات المستهزئة. كان الهدف من هذا الحزن البادي على الوجوه هو إحداث «صدمة شعورية» لدى الطفل المتنمر، ليرى نتيجة أفعاله مجسدة أمامه، فيشعر بالذنب والتعاطف بدلا من النشوة الزائفة بالقوة، وهو ما يؤكد نجاح استراتيجية . الريشة في مواجهة التنمر. في تحريك المياه الراكدة في مشاعر الصغار.
الحفاظ على الهوية وسط التغيير
على الصعيد التقني والفني، واجهت الدكتورة رانيا تحديا كبيرا تمثل في كيفية الحفاظ على الملامح الأساسية للشخصية في المشاهد المختلفة، مع تحويل نفس الشخصية لتلائم الحالات الجسدية المتنوعة (مثل ملامح متلازمة داون أو الإعاقة البصرية). كان عليها أن تقوم بعملية تبسيط واختزال للملامح والمشاهد (Simplification) لتكون مفهومة وسهلة القراءة لأي طفل مهما كانت خلفيته الثقافية، ودون الإخلال بالجمالية الفنية للعمل.
هذا التوازن الدقيق بين الواقعية المطلوبة للتعبير عن الحالة، وبين التبسيط المطلوب لرسوم الأطفال، يعكس حرفية أكاديمية عالية ورؤية فنية ناضجة تدرك أن الرسالة يجب أن تصل للجميع دون تعقيد بصري.
ولم تتوقف عبقرية التجربة عند حدود العرض البصري، بل تجاوزتها إلى التفاعل الحي. القصص التي قدمتها الدكتورة رانيا تبدأ دائما بمشهد التنمر القاسي، لكنها لا تنتهي بحل جاهز تفرضه الفنانة. بدلا من ذلك، يتم إشراك الأطفال في تخيل نهايات القصص ومعالجة المشكلة من خلال الرسم والتلوين بأنفسهم.

هذه المشاركة تحول الطفل من متلق سلبي إلى صانع للحدث وشريك في الحل، مما يرسخ القيم الإيجابية في عقله الباطن بشكل أعمق. عندما يرسم الطفل نهاية ينتصر فيها للضحية أو يعتذر فيها المتنمر، فإنه يقوم بعملية «تطهير نفسي» ويعلن رفضه للسلوك العدواني، محققا بذلك الهدف العلاجي والتربوي الأسمى للمشروع.
نقد الواقع وطموح المستقبل
في ختام حديثها وتشخيصها للواقع الثقافي، وجهت الدكتورة رانيا نقدا موضوعيا لكتب الأطفال العربية الحالية، مشيرة إلى أنها تفتقد بشدة للبعد التفاعلي والنفسي وتنمية القدرات، حيث تركز غالبا إما على التسلية السطحية أو حشو المعلومات المباشرة دون مراعاة للصحة النفسية للطفل. وتأمل الفنانة أن يساهم مشروعها، الذي سيتحول قريبا إلى كتاب كبير يضم 8 قصص تغطي أغلب مواقف التنمر، في سد هذه الفجوة الكبيرة في المكتبة العربية.

علاوة على ذلك، وبالتعاون مع مراكز وزارة التضامن الاجتماعي، يجري الإعداد لورش عمل فنية لتطبيق هذه المنهجية على نطاق أوسع، مما يبشر بمستقبل واعد لهذا الاتجاه الفني. في النهاية، تثبت لنا هذه التجربة أن الفن الأكاديمي حين يمتزج بالإنسانية، يصبح قادرا على تغيير الواقع، وأن . الريشة في مواجهة التنمر. هي سلاح حضاري فعال لبناء جيل أكثر رحمة وتقبلا للاختلاف، يرى في ذوي الهمم شركاء في الإنسانية لا هدفا للسخرية.


.png)

















































