لا ينتهي مرض الجذام بانتهاء العلاج. فهناك معركة أخرى لا تُقاس بالتحاليل ولا تُشفى بالأدوية، لكنها تترك أثرًا أعمق في حياة المتعافين، معركة الوصمة المجتمعية، التي تلاحق مرضى الجذام حتى بعد شفائهم الكامل، وتحوّل التعافي من انتصار صحي إلى عبء اجتماعي ثقيل. المتعافوون من الجذام لا يمثلون خطرًا على الأصحاء بعد نهاية العلاج. ولكن يظل المجتمع أسيرًا لصورة قديمة. مشبعة بالخوف والجهل وسوء الفهم.
المتعافون من الجذام.. وصمة لا تسقط بانتهاء المرض
ارتبط الجذام عبر التاريخ بالعزل والإقصاء. ونسجت حوله روايات شعبية ودينية مغلوطة.رسخت في الوعي الجمعي على أنه مرض مخيف أو عقاب إلهي. ورغم التقدم العلمي الكبير، ما زالت هذه الصورة حاضرة. حيث يتم التعامل مع المتعافي باعتباره شخصًا “كان مريضًا”. أكثر مما هو إنسان تعافى. ويستحق حياة طبيعية. هذه النظرة تتحول إلى وصمة دائمة.
يعاني المتعافون من الجذام أشكالًا متعددة من الرفض غير المعلن. قد لا يُطلب منهم العيش في عزلة كما كان يحدث في الماضي. لكنهم يُقصون بصمت من العلاقات الاجتماعية. يُستبعدون من المصاهرة، ويُقابلون بالحذر في التعامل اليومي، وتُفرض عليهم مسافات غير مرئية في المناسبات العامة،هذا الإقصاء الصامت يُشعر المتعافي بأنه غير مرحب به، مهما حاول الاندماج أو إثبات أنه لم يعد مريضًا.

ولا يقف وصم المتعافون من الجذام عند حدود العلاقات الاجتماعية. بل تمتد إلى سوق العمل. حيث يواجه كثير من المتعافين صعوبات كبيرة في الحصول على فرص عمل مستقرة. مجرد معرفة صاحب العمل بتاريخهم المرضي قد تكون كافية لإغلاق الباب. خوفًا من نظرة الآخرين أو نتيجة معلومات مغلوطة عن العدوى. وفي حالات أخرى، يُجبر المتعافي على القبول بوظائف هامشية لا تعكس قدراته. أو يُستبعد تمامًا من سوق العمل. ما يضاعف معاناته الاقتصادية ويكرّس شعوره بالعجز.
وتزداد المعاناة لدى من ترك المرض آثارًا جسدية دائمة، مثل تشوهات الأطراف أو فقدان الإحساس، وهي آثار يمكن تجنب كثير منها بالعلاج المبكر، لكنها تتحول اجتماعيًا إلى “علامة” تلاحق صاحبها أينما ذهب. هذه العلامات الجسدية تصبح سببًا مباشرًا للتمييز والسخرية والنظرات الجارحة، وكأن الجسد نفسه يظل شاهدًا على مرض انتهى، لكن المجتمع يرفض نسيانه.
النساء يواجهن وصمة مضاعفة
أما النساء المتعافيات من الجذام، فيواجهن وصمة مضاعفة، حيث تُربط إصابتهن السابقة بالشك في قدرتهن على الزواج أو الإنجاب، ويُنظر إليهن باعتبارهن عبئًا اجتماعيًا، بعضهن يُحرمن من فرص الزواج، وأخريات يُجبرن على العزلة داخل أسرهن خوفًا من “كلام الناس”، في انتهاك واضح لحقوقهن الإنسانية، رغم أن المرض لا علاقة له بالأخلاق أو السلوك.
وتؤكد تقارير صحية أن الجذام لم يعد مشكلة طبية بقدر ما أصبح أزمة وعي مجتمعي. فالعلاج متوفر، والشفاء ممكن، والعدوى يمكن السيطرة عليها. لكن الخوف المتوارث. وضعف التوعية. واستمرار الصور النمطية في الإعلام والدراما. كلها عوامل تُبقي الوصمة حيّة، وتحوّل المتعافي إلى ضحية دائمة.
إن كسر الوصمة التي تلاحق المتعافوون من الجذام لا يتحقق بالعلاج وحده، بل يحتاج إلى خطاب مجتمعي جديد يعيد تعريف المرض بوصفه حالة صحية لا تمس كرامة الإنسان، وإلى جهود إعلامية حقيقية تُصحح المفاهيم الخاطئة، وتُبرز قصص الشفاء، وتدعم دمج المتعافين في المجتمع دون تمييز.
يبقى المتعافون من الجذام بشرا كاملي الحقوق، لا يجب أن يُختزل في مرض أصيب به يومًا وتعافى منه. فالمأساة الحقيقية لا تكمن في المرض. بل في مجتمع يصر على معاقبة من شُفي، ويرفض الاعتراف بأن الشفاء لا يكتمل إلا بقبول الإنسان إنسانًا، دون خوف أو وصم.
الوصمة المجتمعية تمثل أقسى ما يواجه المتعافين
وفي هذا الإطار، يقول الدكتور أمير السروجي، مؤسس جمعية أصدقاء مرضى الجذام بمصر في تصريحات خاصة لـ«جسور» :” إن الوصمة المجتمعية تمثل أقسى ما يواجه المتعافين من مرض الجذام. مؤكدًا أن معاناتهم لا تنتهي بانتهاء رحلة العلاج. بل تبدأ مرحلة أكثر قسوة من الرفض والإقصاء. خاصة مع بقاء آثار المرض على أجسادهم في صورة تشوهات أو إعاقات متفرقة. تجعلهم عرضة لنظرات الخوف والتمييز. ويضيف أن استمرار وجود أعداد من المتعافين داخل مستعمرة الجذام في مصر. رغم شفائهم التام منذ سنوات طويلة. لا يرتبط بأي سبب طبي، وإنما يعود بالأساس إلى رفض المجتمع لهم بعد أن ترك المرض بصمته الواضحة على أجسادهم، لافتًا إلى أن المجتمع لا يزال يتعامل معهم باعتبارهم خطرًا، رغم انتفاء أي عدوى بعد تمام الشفاء.

ويضيف السروجي أن حياة المتعافين داخل المستعمرة صعبة للغاية. وأن بعضهم دخل المستعمرة كأطفال وما زال يعيش فيها الآن كبار السن. وقد قضوا معظم حياتهم محاصرين بالوصمة المجتمعية. ويشير إلى أن هناك متعافين حالتهم الصحية حرجة جدًا. إذ أصبح جسدهم متعدد الإعاقات. بعض أطرافهم متآكلة. وآخرون يعانون من ضمور في الأعصاب. بينما فقد البعض أطرافه جزئيًا أو كليًا نتيجة المرض. مما يزيد من صعوبة حياتهم اليومية ويجعلهم أكثر اعتمادًا على الآخرين.
يقول: المتعافوون من الجذام يعيشون غالبًا على المعونات، والتي تأتي في أغلب الأحيان من فئات محدودة جدًا من الناس لديهم وعي بأن هؤلاء المرضى غير معديين، أما الغالبية الأخرى فلا تتعامل معهم خوفًا من العدوى، وترفض زيارة المستعمرة، معتبرينها مكانًا مرعبًا، مما يزيد من شعور المتعافين بالعزلة والانقطاع عن المجتمع.
مستعمرة الجذام.. الملاذ الأخير
ويشير السروجي إلى المتعافين من الجذام الذين غادروا المستعمرة بالفعل. في محاولات للعودة إلى أسرهم وحياتهم الطبيعية. إلا أنهم قوبلوا برفض قاسٍ من أقرب الناس إليهم. ما دفعهم إلى العودة مرة أخرى إلى المستعمرة والتمسك بها. باعتبارها عالمهم الخاص. حيث يعيش الجميع ظروفًا متشابهة. ولا يواجهون الأحكام المسبقة نفسها التي يفرضها المجتمع الخارجي.
ويضيف أن القسوة تمتد إلى ما هو أبعد من الحياة، إذ يتم بعض المتعافين داخل مقابر المستعمرة. دون حضور ذويهم أو استلام جثامينهم. في مشهد إنساني بالغ القسوة يعكس حجم القطيعة الاجتماعية، وكأن الوصمة تلاحقهم حتى بعد الموت.
ويشدد مؤسس جمعية أصدقاء مرضى الجذام. على أن القضية لم تعد صحية بقدر ما هي نفسية ومجتمعية. مؤكدًا الحاجة الملحة إلى برامج تأهيل نفسي ومجتمعي للمتعافين. إلى جانب حملات توعية جادة لتصحيح المفاهيم الخاطئة حول طبيعة المرض. الذي لا يمثل أي خطر أو عدوى بعد الشفاء. ويختتم حديثه بالتأكيد على أن هؤلاء المتعافين يستحقون الرحمة والتقبل. لا الإقصاء، مشددًا على أن ما فعله المرض بأجسادهم يكفي، ولا يجب أن يستمر العقاب برفض المجتمع لهم.


.png)


















































