اليوم العالمي لزراعة القوقعة.. رحلة ذوي الإعاقة السمعية من حاجز الصمت إلى حقوق الإتاحة  

اليوم العالمي لزراعة القوقعة.. رحلة ذوي الإعاقة السمعية من حاجز الصمت إلى حقوق الإتاحة  

المحرر: محمود الغول - مصر
اليوم العالمي لزراعة القوقعة

تخيل طفلا صغيرا يعيش في عزلة تامة داخل عالم صامت ومخيف. فجأة، يبتسم بدموع الفرح حين يسمع صوت أمه لأول مرة. هذا المشهد الإنساني العظيم يتكرر بفضل التكنولوجيا الطبية المتقدمة والحديثة.

وفي هذا السياق، نحتفل اليوم بذكرى اليوم العالمي لزراعة القوقعة. والذي يوافق الخامس والعشرين من شهر فبراير من كل عام. حيث يمثل هذا التاريخ نقطة تحول كبرى في تاريخ الإعاقة السمعية.

ومن ناحية أخرى، تعود جذور هذه الذكرى التاريخية إلى عام 1957. حيث نجح أطباء فرنسيون في زراعة أول جهاز قوقعة بدائي بنجاح. وبناء على ذلك، تحول الحلم المستحيل إلى واقع طبي ملموس للجميع.

معجزة طبية في اليوم العالمي لزراعة القوقعة 

غير أن الكثيرين لا يدركون آلية عمل هذا الجهاز الطبي المعقد. فالقوقعة ليست مجرد سماعة طبية تقليدية لتكبير وتضخيم الصوت الخارجي. بل هي تقنية ذكية تتجاوز الخلايا التالفة في الأذن الداخلية للمريض.

وعلاوة على ذلك، تقوم القوقعة بتحفيز العصب السمعي بشكل مباشر وفعال. لترسل الإشارات الكهربائية المعقدة مباشرة إلى الدماغ لترجمتها إلى أصوات مفهومة. وهذا الابتكار أنقذ ملايين الأشخاص من العزلة الاجتماعية والذهنية التامة.

وحسب مقال بعنوان «كيف تعمل زراعة القوقعة»، المنشور في موقع المعهد الوطني للصمم. فإن هذا الجهاز يتكون من جزء داخلي مزروع وجزء خارجي ظاهر. والنتيجة هنا هي استعادة القدرة على التواصل اللفظي والمشاركة المجتمعية.

وبالمثل، يمثل هذا الابتكار انتصارا كبيرا لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. حيث منحهم فرصة متساوية في التعليم والعمل والتفاعل الإنساني اليومي. مما يعزز من مفهوم الاستقلالية والاندماج الشامل في نسيج المجتمع.

الحقوق الصحية والتدخل المبكر الإلزامي 

وفي سياق متصل، يطرح هذا الملف تساؤلات حقوقية غاية في الأهمية. فالأمر لا يقتصر على مجرد إجراء جراحة طبية ناجحة ومكلفة جدا. بل يبدأ من الحق الأصيل في الاكتشاف والتدخل المبكر والسريع.

ولذلك، تعتبر برامج المسح السمعي لحديثي الولادة ضرورة قصوى ولا غنى عنها. حيث أن التأخر في اكتشاف الإعاقة السمعية يدمر مستقبل الطفل اللغوي. وبناء على ذلك، تفقد مراكز النطق في الدماغ قدرتها على التطور.

ومن جهة ثانية، فإن زراعة القوقعة في السنوات الأولى تصنع المعجزات. حيث يستطيع الطفل اكتساب اللغة بشكل يطابق أقرانه من الأصحاء تماما. حسب دراسة بعنوان التدخل المبكر لضعف السمع المنشورة في مجلة طب الأطفال الأمريكية.

 الأطفال الذين يزرعون القوقعة قبل سن الثالثة يحققون تفوقا ملحوظا. وهذا يؤكد أن توفير الجهاز ليس منحة حكومية أو رفاهية طبية. بل هو التزام قانوني وإنساني يضمن حق الطفل في الحياة الكريمة.

كابوس ما بعد الجراحة وتكاليف الصيانة 

بيد أن المعاناة الحقيقية تبدأ غالبا بعد الخروج من غرفة العمليات. فالكثير من الأسر تعتقد أن الجراحة هي نهاية المطاف المبهجة والسعيدة. غير أن الواقع يصدمهم بكابوس التكاليف الباهظة والمستمرة لصيانة الجهاز الخارجي.

حيث يتطلب الجهاز الخارجي بطاريات خاصة وكابلات تتعرض للتلف بشكل دوري. وعلاوة على ما سبق، فإن أسعار هذه القطع تفوق قدرة الأسر البسيطة. والنتيجة هنا هي تعطل الجهاز وعودة الطفل إلى عالم الصمت المظلم.

وفي هذا الإطار،  يصبح توفير الجهاز دون ضمان صيانته بمثابة إهدار. فالحق في العلاج يشمل ديمومة عمل الأجهزة التعويضية والمساعدة بكفاءة عالية. (حسب تقرير بعنوان «هل يجب أن أمنحها زرعة قوقعية لمساعدتها على السمع؟».، في صحيفة الجارديان البريطانية. فإن العديد من المرضى يتخلون عن أجهزتهم بسبب العجز المادي البحت. ولذلك، تطالب منصة جسور بضرورة إدراج قطع الغيار ضمن التأمين الصحي. لضمان عدم حرمان أي شخص من حقه في السمع بسبب الفقر.

غياب التأهيل السمعي والتخاطب المستدام 

ومن ناحية أخرى، تبرز عقبة كبرى تهدد نجاح مشروع زراعة القوقعة برمته. ألا وهي أزمة غياب أو نقص جلسات التأهيل السمعي والتخاطب المجانية. فالجهاز وحده لا يعلم الطفل كيف يفهم الأصوات أو ينطق الكلمات.

وبالتالي، يحتاج المريض إلى سنوات من التدريب المكثف على يد متخصصين. ليتعلم كيف يفك شفرة الإشارات الكهربائية ويحولها إلى لغة منطوقة ومفهومة. غير أن هذه الجلسات في القطاع الخاص تكلف مبالغ طائلة جدا.

وبناء على ذلك، تقع الأسر تحت ضغط نفسي ومادي لا يحتمل أبدا. حسب مقال بعنوان أهمية التأهيل بعد زراعة القوقعة المنشور في موقع مايو كلينك الطبية. فإن غياب التأهيل يؤدي حتما إلى فشل وظيفي تام للجهاز المزروع.

طالع: من العزلة إلى بريق النجاح.. أصم بريطاني يهزم الإعاقة بالشطرنج

وهذا يمثل انتهاكا صارخا لحق الشخص ذي الإعاقة في الدمج المجتمعي. ولذلك، يجب على الحكومات إنشاء مراكز تأهيل حكومية مجانية ومجهزة بالكامل. لضمان حصول كل مريض على فرصته الكاملة في استعادة النطق والسمع.

يعتبر الجهاز الخارجي المثبت على الرأس شيئا ملفتا للانتباه والفضول
يعتبر الجهاز الخارجي المثبت على الرأس شيئا ملفتا للانتباه والفضول

التنمر المدرسي والبيئة التعليمية غير المؤهلة 

وفي زاوية أخرى، يجب تسليط الضوء على المعاناة النفسية القاسية والمؤلمة. وخاصة تلك التي يواجهها الأطفال زارعو القوقعة داخل أسوار المدارس العادية. حيث يعتبر الجهاز الخارجي المثبت على الرأس شيئا ملفتا للانتباه والفضول.

ونتيجة لذلك، يتعرض هؤلاء الأطفال لتنمر مدرسي منهجي ومستمر من زملائهم. وهذا التنمر يدمر ثقتهم بأنفسهم ويدفعهم نحو العزلة والاكتئاب النفسي العميق. وبالمثل، يرفض بعض الأطفال ارتداء الجهاز هربا من نظرات السخرية الجارحة.

وعلاوة على ذلك، تعاني المدارس من غياب البيئة التعليمية الدامجة والمؤهلة. فالفصول المزدحمة بالضوضاء تجعل من الصعب على الطفل تمييز صوت المعلم. 

والإتاحة التعليمية تتطلب توفير غرف صفية معزولة صوتيا ومجهزة تقنيا. وكذلك تتطلب تدريب المعلمين على كيفية التعامل مع احتياجات هؤلاء الطلاب. لضمان حصولهم على حقهم الأصيل في التعليم الجيد والآمن نفسيا.

التكنولوجيا المساعدة وحقوق الاستقلالية 

وفي سياق متصل، لا يمكننا إغفال التطور المذهل في التكنولوجيا المساعدة المرافقة. حيث لم تعد القوقعة مجرد جهاز لاستقبال الأصوات البيئية المحيطة فقط. بل تطورت لتتصل مباشرة بالهواتف الذكية عبر تقنية البلوتوث اللاسلكية والحديثة.

وهذا التطور يمنح الشخص ذي الإعاقة استقلالية غير مسبوقة في حياته. حيث يستطيع إجراء المكالمات الهاتفية والاستماع للمقاطع الصوتية بوضوح تام ونقي. والنتيجة هنا هي كسر الحواجز المهنية والاجتماعية التي كانت تعيقه سابقا.

ومن جهة ثانية، تبرز أهمية أنظمة البث المساعدة داخل القاعات الدراسية والجامعية. حيث تنقل صوت المحاضر مباشرة إلى جهاز القوقعة متجاهلة ضوضاء الخلفية. وهذه الأنظمة ترفع من كفاءة التحصيل العلمي والاندماج الأكاديمي للطلاب. ولذلك، يجب أن تكون هذه التكنولوجيا متاحة في جميع المؤسسات التعليمية العامة. كجزء لا يتجزأ من حقوق الإتاحة والوصول المتكافئ للأشخاص ذوي الإعاقة.

رسائل ومطالب في اليوم العالمي لزراعة القوقعة 

وفي الختام، يضع اليوم العالمي لزراعة القوقعة الجميع أمام مسؤولياتهم. حيث تتلخص المطالب الحقوقية في نقاط جوهرية وأساسية لا تقبل التأجيل أبدا.

أولا، إقرار قوانين تلزم الدولة بتحمل تكاليف صيانة الأجهزة وتغييرها دوريا. وثانيا، توفير برامج تأهيل تخاطبي مجانية ومستدامة في كل المدن والقرى. وثالثا، تفعيل قوانين حماية الطلاب من التنمر في المؤسسات التعليمية المختلفة.

وأخيرا، يجب أن تتغير النظرة المجتمعية تجاه زارعي القوقعة من الشفقة للاحترام. فهؤلاء الأشخاص هم أبطال حقيقيون خاضوا معركة قاسية لكسر جدار الصمت. وبناء على ذلك، يستحقون بيئة داعمة ومؤهلة تحتضن طموحاتهم وتحقق أحلامهم.

فالسمع ليس مجرد حاسة بيولوجية، بل هو جسر التواصل مع الحياة. ولن تبنى جسور العدالة إلا بضمان وصول الجميع لهذا الحق كاملا. دون أي تمييز مبني على القدرة المالية أو غياب الوعي المجتمعي.

المقالة السابقة
الحويلة تبحث تطوير الخدمات وتحسين جودة الرعاية لذوي الإعاقة
المقالة التالية
دمج ذوي الإعاقة في سوق العمل يتصدر مباحثات التضامن والعمل بالعاصمة الإدارية