إذا بحثت عن صور الروائي الأيرلندي جيمس جويس في سنواته الأخيرة، ستلاحظ شيئا غريبا ومؤلما. غالبا ما يظهر بنظارات طبية ذات عدسات سميكة جدا كأنها قيعان زجاجات، أو يرتدي رقعة سوداء على إحدى عينيه مثل القراصنة، ووجهه يعكس ألما دفينا.
اليوم، 2 فبراير، هو ذكرى ميلاد هذا الرجل الذي غير مسار الأدب العالمي في القرن العشرين بروايته الأيقونية «عوليس» أو Ulysses. العالم يحتفل به كعبقرية أدبية، لكننا نريد أن نحتفل به اليوم كمعجزة إنسانية في تحدي الإعاقة.
قصة جيمس جويس هي تراجيديا إغريقية عاشها رجل قضى حياته يصارع شبح العمى التام. لقد كتب أعظم أعماله وهو يرى العالم عبر ضباب كثيف وغشاوة مؤلمة. ليقدم لنا الدليل الأقوى في تاريخ الأدب على أنك لا تحتاج إلى عينين لترى الحقيقة، بل تحتاج إلى بصيرة.
جيمس جويس والجحيم البصري
بدأت مأساة جيمس جويس مع عينيه في وقت مبكر من حياته. إذ لم تكن مشكلة يمكن حلها بنظارة طبية.. كانت سلسلة لا تنتهي من الأمراض المعقدة والمؤلمة.. التهاب القزحية الحاد والمياه الزرقاء وإعتام عدسة العين.
عاش جويس حياته في غرف انتظار الأطباء أكثر مما عاشها خلف مكتب الكتابة. بدليل أن السجلات الطبية تشير إلى أنه خضع لأكثر من 25 عملية جراحية في عينيه طوال حياته.. في زمن لم يكن فيه طب العيون متطورا كما اليوم، كانت كل عملية جراحية بمثابة جلسة تعذيب حقيقية. وغالبا ما كانت تنتهي بفشل ذريع وتترك عينيه أكثر ضعفا وألما. وفق المجلة الطبية البريطانية (The BMJ).
كان الألم شديدا لدرجة أنه كان يقضي أياما كاملة راقدا في غرف مظلمة تماما. عاجزا عن تحمل ضوء النهار. واضعا كمادات الثلج أو العلق الطبي حول عينيه في محاولات يائسة لتخفيف الالتهاب. بالنسبة لكاتب يعتمد رزقه ووجوده على القراءة والكتابة.. كان هذا الوضع يعني حكما بالإعدام البطيء. لكن جويس رفض تنفيذ الحكم.
الكتابة بأقلام التلوين الحمراء
كيف تكتب رواية معقدة وضخمة مثل «عوليس» أو «يقظة فينيجان» وأنت بالكاد ترى أصابع يدك؟ هنا تظهر عبقرية جيمس جويس في التكيف مع الإعاقة. عندما ساء بصره لدرجة أنه لم يعد يرى الحبر الأسود على الورق الأبيض. ابتكر جويس طريقته الخاصة. بدأ يستخدم لوحات ورقية بيضاء ضخمة جدا، ويكتب عليها باستخدام أقلام تلوين شمعية حمراء وسميكة، تلك التي يستخدمها الأطفال. وفق مجلة ذا نيويوركر، مقال للناقد لويس ميناند.
قد تسأل ولماذا الأحمر بالذات؟ فتأتيك الإجابة، لأن اللون الأحمر الساطع كان هو اللون الوحيد الذي تستطيع بقايا بصره المتدهور أن تميزه بوضوح فوق الخلفية البيضاء. كان يكتب بحروف ضخمة، بضع كلمات فقط في كل سطر. في مشهد يدمي القلب لواحد من أعظم عقول عصره وهو يخط كلماته كطفل يتعلم الكتابة.
كان يقول لأصدقائه بسخرية مريرة: يا لها من طريقة لإنهاء الحياة.. أن أكتب بأقلام تلوين.. لكن هذه الأقلام هي التي أنقذت أدبه من الضياع في الظلام.

هل كان «العمى» هو المؤلف الحقيقي لـ«عوليس»؟
هنا نصل إلى الزاوية الأكثر عمقا في قصة جيمس جويس. روايته الشهيرة «عوليس» معروفة بصعوبتها الشديدة، وتشوشها، واستخدامها لتقنية تيار الوعي. حيث تتداخل الأفكار والصور والكلمات بطريقة تبدو فوضوية وغير مترابطة أحيانا.
العديد من النقاد الأدبيين اليوم يطرحون نظرية مذهلة.. وهي ماذا لو كان هذا الأسلوب المشوش ليس مجرد اختيار فني. إنما هو انعكاس مباشر للطريقة الضبابية والمفككة التي كان يرى بها جويس العالم؟
عندما تفقد القدرة على رؤية الصورة الكاملة بوضوح، يبدأ عقلك في التقاط شذرات وأجزاء من الواق.. صوت هنا، رائحة هناك، ظل عابر..ثم يحاول تجميعها. ربما كان جيمس جويس يكتب العالم تماما كما كانت عيناه المريضتان تقدمانه له.. عالما مفككا متداخلا يعتمد على السمع والإحساس أكثر من الاعتماد على الرؤية الواضحة. وفق صحيفة الجارديان البريطانية.
إذا صحت هذه النظرية، فإن إعاقته البصرية لم تكن عائقا أمامه.. كانت هي العدسة الفريدة التي منحتنا هذا الأسلوب الأدبي الثوري.
في ذكرى ميلاد جيمس جويس
في ذكرى ميلاد «جيمس جويس»، يظهر درس بليغ لكل من يواجه فقدان حاسة من حواسه.. فالبصيرة أهم من البصر، إذ فقد جويس بصره، لكن بصيرته في فهم النفس البشرية كانت حادة كالمشرط. لقد أثبت أن العين مجرد أداة، أما الرؤية الحقيقية فمكانها العقل والقلب.
وكذلك فإن التكيف هو الحل، حيث لم يستسلم جويس عندما خذلته عيناه. استخدم أقلام التلوين، كتب على لوحات ضخمة، وارتدى الرقعات. رسالته هي إذا أغلق أمامك باب، ابحث عن نافذة، حتى لو اضطررت لكسر الجدار بأقلام تلوين حمراء.
كما أن الإعاقة قد تصنع الأسلوب، قد تكون نقطة ضعفك الجسدية هي نفسها نقطة قوتك الإبداعية التي تميزك عن الآخرين.
في النهاية، رحل جويس لكن كلماته التي كتبها بالدم الأحمر والألم ما زالت باقية، تذكرنا بأن النور الحقيقي ينبع من الداخل، حتى لو كانت العيون غارقة في الظلام.


.png)

















































