في قاموس طب الحروق، عندما تتجاوز نسبة الحروق في الجسد حاجز ال 50%، تبدأ فرص النجاة في التضاؤل وتصبح الحياة معلقة بخيط رفيع. ولكن، ماذا لو كانت النسبة 75%؟ طبيا، هذه الحالة تصنف ضمن الخطر الداهم، حيث يكون المريض واقفا على حافة الموت، ليس فقط بسبب الحروق، بل بسبب فقدان الجلد الذي يعتبر الدرع الحامي للجسم من العدوى والجفاف.
لكن في مصر، وتحديدا داخل أروقة مستشفى أهل مصر، تغيرت المعادلة. بطل القصة شاب يدعى إبراهيم، واجه النار بجسد أعزل، لكنه وجد العلم والإنسانية في انتظاره ليصنعا له جلدا جديدا وحياة جديدة.
زراعة الجلد الطبيعي وقصة إبراهيم
أعلنت السيدة هبة السويدي، مؤسسة ورئيسة مجلس أمناء مستشفى أهل مصر، عن حدث هو الأول من نوعه في الملف الطبي المصري: نجاح المستشفى في استيراد وتطبيق تقنية «زراعة الجلد الطبيعي لمرضى الحروق».
هذه التقنية ليست رفاهية.. هي طوق نجاة. الجلد الطبيعي، الذي يتم تحضيره بطرق بيولوجية معقدة ليتوافق مع البشر. يعمل كبديل حيوي فوري للجلد المحترق. هو يغطي اللحم الحي، يمنع البكتيريا القاتلة، يوقف فقدان سوائل الجسم، ويمهد الطريق لنمو خلايا المريض الذاتية. بالنسبة لحالة مثل إبراهيم، كان هذا الجلد هو الفارق بين أن يكتب له شهادة وفاة أو شهادة ميلاد.
طالع: معجزة في غرفة عمليات: طبيب مصري ينقذ بصر رضيع عمره يوم واحد
من العناية المركزة إلى الممر الشرفي
لم تكن رحلة إبراهيم نزهة. قضى شهرين كاملين داخل العناية المركزة يصارع الألم، تلاها فترة عزل في الرعاية المتوسطة. كان الفريق الطبي يتابع دقات قلبه وأنفاسه لحظة بلحظة.
وتقول هبة السويدي: «بقاء إبراهيم على قيد الحياة كان حلما بدا مستحيلا في لحظات كثيرة». لكن المستحيل تحقق. نجحت عملية زراعة الجلد، وبدأ الجسد يستعيد عافيته، وانخفضت نسبة الخطر. ليغادر إبراهيم المستشفى وسط دموع وفرحة وتصفيق طاقم طبي كامل رأى فيه معجزة تمشي على الأرض.
كيف تتعلم المشي من جديد؟
النجاة من الحريق هي نصف المعركة، النصف الآخر هو العودة للحياة. وهنا يأتي دور سارة سمير، مدير خدمات التأهيل بالمؤسسة، وفريقها من جنود الظل. تروي سارة تفاصيل الرحلة الشاقة:
الخطوة الأولى: كيف نساعد مريضا، جلده بالكاد يلتئم، على وضع قدمه على الأرض لأول مرة؟
التحدي: توثيق لحظات تحريك الأصابع، المحاولات الأولى لتناول الطعام باليد، والصرخات المكتومة أثناء محاولات الجلوس.
الانتصار: اللحظة التي انخفضت فيها نسبة الحروق النشطة إلى 14%، واليوم الذي مشى فيه إبراهيم في ممر المستشفى بمفرده.
تقول سارة عبر منشور بصفحتها في فيسبوك: «إبراهيم أصبح حكاية أمل كبيرة.. فريق العلاج الطبيعي والتغذية والدعم النفسي لم يتركوه لحظة، ابتكرنا حلولا لنجعله يقف. لأن هدفنا لم يكن فقط أن يعيش، بل أن يعيش بجودة وكرامة».
أكثر من مجرد مستشفى
قصة إبراهيم وتقنية زراعة الجلد الطبيعي لمرضى الحروق تخبرنا بشيء هام عن مستقبل الطب في مصر. نحن أمام نموذج لا يكتفي ب العلاج التقليدي، بل يبحث عن أحدث ما وصل إليه العلم في العالم لينقذ به حياة مجانا.
إبراهيم عاد لأهله، لكنه ترك خلفه في المستشفى إرثا من الأمل، ورسالة لكل مصاب حروق.. حتى لو احترق 75% من جسدك.. هناك دائما فرصة للبدء من جديد.


.png)

















































