سرقة جلود الفلسطينيين.. هكذا تحول جسد الضحية إلى مخزن لترميم جيفة المحتل  

سرقة جلود الفلسطينيين.. هكذا تحول جسد الضحية إلى مخزن لترميم جيفة المحتل  

المحرر: محمود الغول - مصر
سرقة جلود الفلسطينيين

في مشهد درامي صادم من المسلسل المصري صحاب الأرض، يظهر جنود الاحتلال وهم يختطفون جثث الشهداء من داخل مستشفى في قطاع غزة. هذا المشهد لم يكن مجرد خيال فني، بل هو تجسيد لواقع مرير تضج به تقارير حقوقية وطبية منذ عقود. وتحديدا عندما نتحدث عن قضية سرقة جلود الفلسطينيين، فإننا أمام واحد من أكثر الملفات قتامة في التاريخ الطبي الحديث.

وبناء على ذلك، نكشف في هذا التقرير كيف تشابكت المصالح العسكرية مع الطب الشرعي لانتهاك حرمة الجسد الفلسطيني.

وفي هذا السياق، تبرز المؤسسة الطبية الإسرائيلية كطرف أصيل في هذه الممارسات، خاصة معهد أبو كبير للطب الشرعي وبنك الجلد الوطني. وحسب اعترافات كبار المسؤولين الإسرائيليين، فإن استئصال الأنسجة لم يكن مجرد أخطاء فردية، بل ممارسة منهجية استهدفت الفئات الأكثر ضعفا.

غير أن الصمت الدولي المريب تجاه هذه الانتهاكات هو ما سمح باستمرارها حتى اليوم في ظل النزاع الدامي في غزة.

سرقة جلود الفلسطينيين بأوامر عسكرية

ومن ناحية أخرى، تأسس بنك الجلد الوطني الإسرائيلي عام 1986 كمشروع مشترك بين جيش الاحتلال ووزارة الصحة. وكان الهدف الاستراتيجي من إنشائه هو تأمين طعوم جلدية بشرية لعلاج جنود الاحتلال المصابين بحروق شديدة في الحروب.

وبناء على ذلك، اعتمد البنك على تقنيات معقدة لحفظ الجلد، تتراوح بين التبريد المبرمج والحفظ بالجلسرين لضمان بقاء الأنسجة حيوية لسنوات، تبرز هنا المفارقة الكبرى؛ فإسرائيل تمتلك واحدا من أضخم احتياطيات الجلد في العالم (17 مترا مربعا)، رغم أن معدلات التبرع الطوعي بالأعضاء بين الإسرائيليين هي الأقل عالميا بنسبة 14% فقط. والنتيجة هنا تثير تساؤلات وجودية حول مصدر هذا الفائض الضخم من الجلود البشرية.

ولذلك، تشير التقارير الحقوقية إلى أن سرقة جلود الفلسطينيين كانت هي المورد الأساسي والمنجم الخفي لتغذية هذا المخزون الاستراتيجي بعيدا عن أعين الرقابة والقانون.

اعترافات يهودا هيس ومعهد أبو كبير

وبالمثل، ارتبطت فضائح نهب الأعضاء بمعهد أبو كبير للطب الشرعي تحت إدارة الدكتور يهودا هيس. وفي عام 2005، أقر هيس رسميا بأنه أشرف على استئصال أعضاء وأنسجة من 125 جثة دون موافقة عائلاتهم. وتضمنت هذه الأجزاء القرنيات، صمامات القلب، العظام الطويلة، والجلد.

وعلاوة على ذلك، كشف هيس أن عمليات الحصاد كانت تتم بطريقة غير رسمية تماما ودون علم الأهل.وحسب دراسة أنثروبولوجية بعنوان «Over Their Dead Bodies» للمؤلفة الإسرائيلية ميرة فايس، فإن هناك تسلسلا هرميا في التعامل مع الموتى. حيث كانت جثث الجنود الإسرائيليين تحظى بحصانة كاملة، بينما كانت جثث الفلسطينيين تستخدم ك خزان للأعضاء لصالح المستشفيات وكليات الطب.

وبناء على ذلك، تم استغلال الثغرات القانونية واللوائح العسكرية التي تفرض تشريح جثث الفلسطينيين لتنفيذ عمليات سرقة جلود الفلسطينيين بشكل منهجي ومستتر خلف واجهة الطب الشرعي.

بلال غانم وتقرير أفتونبلاديت

وفي سياق متصل، أعاد تقرير صحيفة أفتونبلاديت السويدية عام 2009 فتح هذا الجرح النازف أمام الرأي العام العالمي. حيث وثق الصحفي دونالد بوستروم حالة الشاب الفلسطيني بلال غانم الذي قتله جيش الاحتلال عام 1992.

وحسب شهادة عائلة غانم، فقد أعيد جثمانه مخيطا بشق جراحي طويل يمتد من الذقن إلى البطن، مع اختفاء أجزاء واضحة من جسده.وبالرغم من وصف إسرائيل للتقرير بأنه «فرية دم»، إلا أن اعترافات المسؤولين اللاحقة أكدت صحة المخاوف المتعلقة بقضية سرقة جلود الفلسطينيين.

وحسب مقال بعنوان «ينهبون من أجل أعضائهم» المنشور في صحيفة أفتونبلاديت السويدية والموثق ميدانيا. فإن الجيش الإسرائيلي كان الطرف المسيطر تماما على جثامين الشهداء، مما منح معهد الطب الشرعي بيئة آمنة لاستئصال ما يحتاجه من أنسجة وقرنيات وجلود قبل تسليم الجثث في منتصف الليل تحت حراسة مشددة.

غلاف كتاب Over Their Dead Bodies
غلاف كتاب Over Their Dead Bodies

غزة 2024.. عودة مقابر الأرقام ونهب الجثامين

ومن جهة ثانية، عادت اتهامات سرقة جلود الفلسطينيين لتتصدر المشهد خلال العدوان الحالي على قطاع غزة. حيث أفاد المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان برصد مؤشرات مقلقة على جثث استلمتها السلطات الصحية عبر الصليب الأحمر. وتضمنت هذه المؤشرات فقدان أعضاء حيوية مثل الكبد والكلى والقرنيات، مع وجود شقوق جراحية لا تتماشى مع طبيعة الإصابات القتالية المعتادة.

وحسب تصريحات مدير المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، الدكتور إسماعيل الثوابتة، فإن فحص 120 جثة أظهر فقدان أجزاء حيوية بشكل مريب. وعلاوة على ذلك، فإن احتجاز الاحتلال للجثث في درجات حرارة غير عادية يثير شبهات تقنية كبرى. فالتجميد الشديد يغير من معالم الأنسجة ويصعب عملية التشريح الجنائي المستقل عند استرداد الجثامين.

طالع: 35 ألف فلسطيني أصيبوا بفقدان السمع في حرب غزة.. معظمهم أطفال

والنتيجة هنا هي طمس الأدلة الجنائية التي قد تثبت وقوع عمليات سرقة جلود الفلسطينيين أو التنكيل بأجساد الشهداء.

القانون الدولي الإنساني وحرمة جثث الموتى

وفي ختام هذا التحقيق، تضع هذه الممارسات إسرائيل في مواجهة مباشرة مع التزاماتها الدولية والحقوقية الصارمة. فحسب المادة 16 من اتفاقية جنيف الرابعة، يجب على أطراف النزاع اتخاذ كافة التدابير لمنع سلب الموتى وتشويه جثثهم.

غير أن الواقع الميداني والسياسات المنهجية المتبعة في معهد الطب الشرعي تعكس استهتارا كاملا بهذه القوانين الدولية.وبناء على ذلك، نخلص  إلى أن ملف سرقة جلود الفلسطينيين يتطلب تحقيقا دوليا مستقلا تقوده فرق طب شرعي عالمية.

وحسب تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة (COI) الصادر عام 2025. فإن التنكيل بالجثث واحتجازها يندرج ضمن سياسة ممنهجة لتدمير الجماعة الفلسطينية ماديا ومعنويا.

ولذلك، فإن حقوق الموتى ليست أقل أهمية من حقوق الأحياء، والعدالة لن تتحقق إلا بمحاسبة كل من حول الجسد الإنساني إلى غنيمة حرب.

وأخيرا، سيبقى الجسد الفلسطيني شاهدا على جريمة تتجاوز القتل لتصل إلى سرقة البقاء. إن كرامة الشهداء هي جزء من كرامة الأحياء، وفضح ممارسات بنوك الجلد الإسرائيلية هو خطوة ضرورية نحو الإنصاف. فالحق في الدفن الكريم والحفاظ على سلامة الجسد هو حق لا يسقط بالتقادم، مهما حاولت آلة الاحتلال طمسه تحت ركام الحروب.

المقالة السابقة
مصر.. خطوات التقديم للحصول على بطاقة إثبات الإعاقة والخدمات المتكاملة
المقالة التالية
اليوم العالمي لالتهاب الدماغ.. عندما تغير الإعاقة المباغتة مسار الحياة في لحظات