في زحام معرض القاهرة الدولي للكتاب، كانت الفتاة المصرية حنان صلاح، تقف بشموخ وسعادة بين أعمالها اليدوية المنسوجة بحرفية عالية، لتعلن عن موهبتها وإرادتها في إثبات ذاتها، لتعلن بوضوح تجاوز إصابتها بضمور في العصب السمعي. في فاصل جديد من رحلة إنسانية مليئة بالإصرار والحب والعمل، بعد أن حولت ضمور العصب السمعي لتجربة إبداعية ملهمة.
حنان: ضمور العصب السمعي لم يمثل يوما إعاقة بالنسبة لي
حنان التي إلتقتها «جسور» تعمل موظفة، وإلى جانب عملها الرسمي، فهى تعشق الأعمال اليدوية، وعلى رأسها الكروشيه، الذي لا تعتبره مجرد حرفة. بل عشقًا رافقها سنوات طويلة وشكّل جزءًا أساسيًا من هويتها. فهي تعيش مع الإعاقة السمعية منذ طفولتها، إذ تعرّضت لضمور في العصب السمعي نتيجة علاج خاطئ أثناء المرحلة الابتدائية.
ومع مرور الوقت، بدأ السمع يضعف تدريجيًا، إلى أن شعرت بوضوح في سن السابعة عشرة بأنها لم تعد تسمع كما في السابق. عندها بدأت استخدام السماعات الطبية، التي ساعدتها على التكيّف مع حياتها اليومية.

وفي هذا السياق، تؤكد أن والدتها الراحلة، شكلت السند الحقيقي لها، إذ دعمتها نفسيًا ومعنويًا في كل خطوة. حتى إنها لم تشعر يومًا بأن الإعاقة تمثل عائقًا، بل على العكس، كانت تشعر بالتميّز والثقة.
وبينما واجهت حنان بعض الصعوبات في التعامل مع الآخرين، فإنها استطاعت تجاوزها بهدوء وإصرار. كما تأثر تعليمها في البداية، لأنها لم تكن تدرك تمامًا ضعف السمع، إلا أنها اجتازت مرحلة التعليم بنجاح، وواصلت طريقها بثبات.
تحول الكروشيه إلى مساحة للتعبير عن الذات والدمج
في الوقت نفسه، بدأ شغفها بالكروشيه مبكرًا، وتحديدًا منذ أكثر من 33 عامًا. عندما صنعت أول قطعة لها: بطانية بلون البيج والبني لابنها. ولا تزال تتذكر تفاصيلها حتى اليوم. ومنذ تلك اللحظة، تحوّل الكروشيه إلى مساحة للتعبير عن الذات.
في البداية، تعلّمت من أشخاص مقرّبين، ثم واصلت تطوير مهاراتها على أيدي أساتذة متخصصين، في وقت لم يكن الإنترنت متاحًا كما هو الآن. ومع تطور التكنولوجيا، باتت تعتمد حاليًا على المنصات الرقمية مثل «بنترست» ومقاطع الفيديو لتعلّم التقنيات الجديدة.
وتتنوع أعمال حنان بين المفروشات، وملابس الأطفال والشيلان والقفازات، وغيرها من المنتجات التي تعكس ذوقًا خاصًا ولمسة فنية واضحة. وتعمل حاليًا بمفردها، إذ تتولى مراحل الإنتاج بنفسها. إلا أن التسويق يشكّل التحدي الأكبر بالنسبة لها، خصوصًا في ظل قلة المعارض الدائمة.
اهتمام الدولة بذوي الهمم يغير الصورة النمطية عن الإعاقة
وعلى الرغم من ذلك، شاركت حنان في عدد من المعارض المهمة، من بينها معرض «تراثنا». تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي. إلى جانب مشاركات مع المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة في معارض أقيمت داخل دور القوات المسلحة.وتؤكد أن هذه المشاركات، لا سيما في«تراثنا» فتحت لها آفاقًا واسعة، إذ اشترى زوار من دول عربية وأجنبية منتجاتها. ما عزز ثقتها بنفسها وبجودة أعمالها.
وترى حنان أن اهتمام الدولة بذوي الهمم ساهم بشكل مباشر في تغيير الصورة النمطية عن الإعاقة. كما دفع الإعلام إلى تسليط الضوء على قصص النجاح، وهو ما انعكس إيجابيًا على تجربتها الشخصية.
واليوم، تشعر بالفخر عندما ترى الإعجاب في عيون الناس وهم يشاهدون منتجاتها النهائية. وتعتبر ذلك الشعور أعظم مكافأة لها. تنسيها ضمور العصب السمعي، وكل متاعب الحياة، أما عن المستقبل، فتحلم حنان بتأسيس مشروع يضم مجموعة من الحرفيين، للعمل معًا على إنتاج وتسويق المنتجات. إلى جانب إنشاء مكان يشبه «الجاليري» لعرض الأعمال وبيعها.
وفي ختام حديثها، توجّه رسالة صادقة إلى الشباب والأطفال من ذوي الهمم، مؤكدة أنهم أقوى مما يتصورون. وأن اختلافهم مصدر تميّز لا ضعف، داعية إياهم إلى وضع أهداف واضحة والسعي لتحقيقها. لأن الإعاقة كما تقول ليست محنة، بل منحة من الله تجعل الإنسان مختلفًا ومميزًا.


.png)

















































