طه حسين وزيرا للمعارف.. حينما أبصرت مصر بعيون «العميد»  

طه حسين وزيرا للمعارف.. حينما أبصرت مصر بعيون «العميد»  

المحرر: محمود الغول - مصر
طه حسين وزيرا

في مثل هذا اليوم، الموافق 12 يناير 1950، شهدت مصر حدثا استثنائيا غير مسبوق. فقد وقف الدكتور طه حسين، الأديب الكفيف، ليؤدي اليمين الدستورية وزيرا للمعارف. جاء ذلك ضمن تشكيل حكومة الوفد الأخيرة برئاسة مصطفى النحاس باشا.

في الواقع، لم يكن هذا المشهد مجرد إجراء بروتوكولي معتاد لتعيين مسؤول حكومي. بل كان إعلانا بانتصار الإرادة البشرية على العجز الظاهري بشكل ساحق. ولأول مرة، يتولى رجل فقد بصره في الطفولة مسؤولية بصيرة أمة كاملة.

لقد جاء تعيين طه حسين وزيرا ليثبت أن القيادة لا تحتاج إلى عيون ترى. بل تحتاج إلى عقل يفكر وقلب يشعر بآلام الفقراء والمهمشين. ومن هنا، بدأت مرحلة جديدة في تاريخ التعليم المصري والعربي.

طه حسين وزيرا للمعارف

قبل أن نصل إلى كرسي الوزارة، علينا أن نتذكر قسوة البدايات في المنيا. فقد فقد طه حسين بصره طفلا نتيجة الجهل والإهمال الطبي في الريف. وعاش سنواته الأولى في صراع مرير مع الظلام والفقر والتهميش.  حسب ما ذكر في كتابه «الأيام».

ومع ذلك، لم يستسلم الطفل الكفيف لتلك الظروف القاسية التي حاصرته. بل حفظ القرآن، وتمرد على مناهج الأزهر التقليدية، وسافر إلى فرنسا. وهناك، حصل على الدكتوراه من السوربون، ليعود إلى مصر بعقلية تنويرية فذة.

في الحقيقة، كانت هذه الرحلة الشاقة هي الوقود الذي صنع منه وزيرا استثنائيا. فهو لم يقرأ عن معاناة الفقراء في الكتب، بل عاشها بنفسه. لذلك، عندما جلس على الكرسي، كان يعرف تماما ماذا يحتاج أبناء البسطاء.

وبالتالي، لم يكن وصوله للمنصب مجاملة سياسية أو نوعا من الشفقة الاجتماعية. بل كان استحقاقا لجدارته العلمية والإدارية التي تفوقت على المبصرين. وهذا هو الدرس الأول الذي قدمه لنا هذا اليوم التاريخي.

 التعليم كالماء والهواء

بمجرد تولي طه حسين وزيرا للمعارف، أطلق صيحته الخالدة التي غيرت وجه مصر. قال جملته الشهيرة: «التعليم حق لكل مواطن كالماء والهواء». ولم تكن هذه الكلمات مجرد شعار للاستهلاك الإعلامي أو السياسي.

على الفور، حول طه حسين هذا الشعار إلى قرارات تنفيذية صارمة وملزمة. فقد أصدر قرارا بمجانية التعليم الثانوي والفني لكل أبناء الشعب المصري. وقبل هذا القرار، كان التعليم حكرا على الأغنياء والقادرين فقط.

نتيجة لذلك، فتحت أبواب المدارس لأبناء الفلاحين والعمال والكادحين في كل مكان. وتدفق الآلاف إلى الفصول الدراسية بفضل توقيع وزير لم ير وجوههم. لكنه، بقلبه وبصيرته، رأى مستقبلهم ومستقبل الوطن في عيونهم. وفق موقع الهيئة الوطنية للإعلام.

علاوة على ذلك، واجه طه حسين معارضة شرسة من بعض النخب السياسية وقتها. فقد رأوا في المجانية عبئا ماليا ضخما على ميزانية الدولة المصرية. لكنه صمد ودافع عن قراره باستماتة حتى أصبح واقعا ملموسا.

تحدي الإعاقة في أروقة الوزارة

من الناحية الإدارية، أثبت طه حسين أن الإعاقة لا تعيق الكفاءة العملية. فقد أدار وزارة ضخمة ومعقدة مثل المعارف باقتدار وحزم شديدين. وكان يشرف بنفسه على كل التفاصيل الدقيقة المتعلقة بالمناهج والمدارس.

يروي معاصروه أنه كان يتمتع بذاكرة حديدية تعوضه عن فقدان البصر. فكان يحفظ أسماء الموظفين، وأرقام الميزانيات، وتفاصيل المشروعات التعليمية بدقة مذهلة. وبالتالي، لم يجرؤ أحد على التلاعب أمامه أو استغلال إعاقته. حسب كتاب «الأيام».

إضافة إلى ذلك، كان يستعين بمن يقرأ له الوثائق والتقارير الرسمية يوميا. ولم يجد أي حرج في طلب المساعدة للقيام بمهامه الوظيفية. وهذا يعكس تصالحه النفسي الكبير مع حالته وواقع إعاقته.

في هذا السياق، يمثل يوم 12 يناير انتصارا لمفهوم الإتاحة في المناصب القيادية. فقد أثبت أن المعيار الوحيد لتولي المسؤولية هو الكفاءة والعقل. وسقطت معه كل الحجج التي تمنع ذوي الهمم من القيادة.

غلاف كتاب الأيام لطه حسين
غلاف كتاب الأيام لطه حسين

تأسيس الجامعات ورؤية المستقبل

لم يكتف طه حسين وزيرا بإقرار المجانية في المدارس فقط. بل امتدت رؤيته لتشمل التوسع في التعليم الجامعي والعالي. ففي عهده، تم تأسيس جامعة إبراهيم باشا (جامعة عين شمس حاليا).

كما سعى لتحويل جامعة فاروق الأول (الإسكندرية) إلى منارة علمية حقيقية. وكان يرى أن الجامعة هي الحصن الذي يحمي عقول الشباب. لذلك، حارب من أجل استقلال الجامعات وعدم تدخل السلطة في شؤونها. وفق ما نشر في صحيفة الأهرام.

من جهة أخرى، اهتم طه حسين بتعليم الفتيات بشكل كبير وغير مسبوق. وكان يرى أن تعليم المرأة هو نصف نهضة المجتمع وتطوره. وبالتالي، زادت في عهده نسب التحاق الفتيات بالتعليم بشكل ملحوظ.

هذه الإنجازات الضخمة قام بها رجل يعيش في ظلام دائم. لكنه كان يمتلك نورا داخليا أضاء به طريق الأجيال القادمة. وهذا يؤكد أن البصيرة هي الأهم في عملية البناء والتنمية.

طه حسين وزوجته سوزان
طه حسين وزوجته سوزان

زوجة وفية وعيون مبصرة

لا يمكن الحديث عن نجاح طه حسين دون ذكر شريكته العظيمة. السيدة الفرنسية سوزان بريسو، التي كانت عينه التي يرى بها العالم. فقد وقفت بجانبه في كل خطواته، من السوربون إلى الوزارة. حسب كتاب «ما بعد الأيام» لـ محمد حسن الزيات زوج ابنة طه حسين.

كانت سوزان تقرأ له الكتب، وترتب له ملابسه، وترافقه في المحافل. وكان طه حسين يدرك تماما فضلها ودورها المحوري في مسيرته. حتى أنه قال عنها: بدونك أشعر أني أعمى حقا.

في الواقع، تمثل علاقتهما نموذجا راقيا للدعم الأسري لذوي الإعاقة. فوجود شريك متفهم وداعم يمكن أن يحول الإعاقة إلى طاقة إبداع. وهذا ما حدث بالفعل في قصة عميد الأدب العربي.

وبالتالي، فإن نجاح طه حسين وزيرا هو نجاح لمنظومة دعم متكاملة. بدأت من إرادته الصلبة، ومرت بدعم زوجته، وانتهت بثقة المجتمع فيه. وتلك رسالة هامة لكل أسرة لديها شخص من ذوي الهمم.

الأثر الباقي.. رسالة لذوي الهمم

اليوم، وبعد مرور أكثر من 70 عاما على هذا الحدث. ما زال تولي طه حسين الوزارة يمثل إلهاما لكل ذي إعاقة. فهو يقول لهم بوضوح: لا تجعلوا الظروف تحدد سقف أحلامكم.

لقد كسر طه حسين الحاجز الزجاجي الذي كان يحبس المكفوفين. فقبل هذا التاريخ، كان أقصى طموح للكفيف هو قراءة القرآن في المقابر. أما بعده، فقد أصبح من حق الكفيف أن يحلم بأن يكون وزيرا.

طالع: إطلاق مسابقة «عميد الأدب العربي» بمصر احتفالًا باليوم العالمي لذوي الإعاقة

علاوة على ذلك، غيرت هذه التجربة نظرة المجتمع المصري والعربي للمعاقين. فقد أدرك الناس أن فقدان حاسة لا يعني فقدان الإنسانية أو القدرة. وأصبح طه حسين أيقونة التحدي التي نتباهى بها أمام العالم.

لذلك، نحن في حاجة لاستعادة روح هذا اليوم في واقعنا الحالي. نحتاج أن نمنح ذوي الهمم الفرصة الحقيقية لإثبات ذواتهم في كل المجالات. فهم يمتلكون طاقات جبارة تنتظر من يزيح عنها غبار التهميش.

 البصيرة تهزم البصر

في الختام، يظل يوم 12 يناير 1950 تاريخا محفورا في ذاكرة الوطن. يوم أن جلس طه حسين وزيرا للمعارف، ليثبت أن النور مكانه القلب لا العين. ويوم أن انتصرت مصر للمهمشين والفقراء وذوي الإعاقة في آن واحد.

لقد رحل العميد بجسده، لكن أثره ما زال باقيا في كل مدرسة. وفي كل طالب يتعلم بالمجان بفضل توقيع يده المرتجفة والمبصرة. إنه درس بليغ يعلمنا أن الإعاقة الحقيقية هي إعاقة الروح والإرادة.

دعونا نحتفل اليوم بذكرى قاهر الظلام ومحرر العقول. ولنجعل من سيرته دافعا لمزيد من التمكين والدمج لكل ذوي الهمم. فمصر التي أنجبت طه حسين، قادرة على إنجاب ألف طه غيره.

 

المقالة السابقة
حدائق ومنتزهات مكة تعزز جودة حياة ذوي الإعاقة في السعودية
المقالة التالية
واقع يتغير ببطء.. عقبات التنقل الآمن لذوي الإعاقة في عمّان