خلف «المعطف الثقيل».. القصة المؤثرة في حياة فيرجينيا وولف

خلف «المعطف الثقيل».. القصة المؤثرة في حياة فيرجينيا وولف

المحرر: محمود الغول - مصر
فرجينيا وولف في مكتبها

في صباح يوم بارد من عام 1941، ارتدت سيدة نحيلة معطفها الصوفي الثقيل، وخرجت تتمشى ببطء نحو نهر أوس القريب من منزلها في إنجلترا. لم تكن نزهة عادية، فقد قامت السيدة بملء جيوب معطفها بالحجارة الثقيلة، ودخلت في الماء حتى غمرها تماما.

هذه السيدة هي فيرجينيا وولف، واحدة من أعظم الروائيات في القرن العشرين، وأيقونة الأدب النسوي التي غيرت شكل الرواية الحديثة.

اليوم، 25 يناير، تمر ذكرى ميلاد هذه المرأة الاستثنائية. لكننا في «جسور» لن نحتفل بها بقراءة نقدية لرواياتها الخالدة مثل «السيدة دالواي» أو «غرفة تخص المرء وحده»، بل سنقرأ ما هو أعمق من الحبر.. سنقرأ ألمها.

قصة فيرجينيا وولف أكبر من مجرد تراجيديا لمبدعة انتحرت، هي وثيقة تاريخية صارخة عن الإعاقة النفسية.، وعن معركة الإنسان ضد كيمياء مخه. وعن «الوصمة» التي لاحقت المرضى النفسيين في زمن كان العلاج فيه ضربا من التعذيب.

فرجينيا وولف وما وراء الستار 

عندما نقرأ أدب فيرجينيا وولف، نجد تدفقا مذهلا للأفكار، ولغة عذبة تشبه الموسيقى. لكن خلف هذا الجمال كان هناك عقل يشتعل ويحترق.

تشير الدراسات الحديثة لسيرة حياتها ومذكراتها الشخصية إلى أن وولف كانت تعاني مما يسميه الطب النفسي الحديث «اضطراب ثنائي القطب». وتحديدا النوع الذي ترافقه أعراض ذهانية.

هي ليست تقلبات مزاجية كما يحلو للبعض وصف حالة الفنانين. لقد كانت إعاقة حقيقية وكاملة. كانت فيرجينيا تمر بفترات من الهوس. حيث تعمل وتكتب لأسابيع دون توقف، وتتحدث بسرعة لا يلاحقها أحد. وتشعر بطاقة تكفي لتحريك الجبال. ثم فجأة يسقط كل شيء، وتدخل في نوبات اكتئاب سوداوية، تعجز فيها عن مغادرة سريرها. أو حتى تمشيط شعرها لأسابيع طويلة.

الأكثر رعبا في حالتها لم يكن الحزن، بل كان الذهان. في مذكراتها ورسائلها. كما قالت صحيفة ذا جارديان في مقال شهير. وصفت فيرجينيا كيف كانت تسمع «أصواتا» حقيقية تتحدث إليها. كانت ترى الطيور وتسمعها تغني لها باللغة اليونانية! هذه الهلاوس لم تكن خيالا روائيا، بل كانت خللا كيميائيا في المخ جعل الواقع جحيما لا يطاق.

عندما كان العلاج عقابا

لكي نفهم مأساة فيرجينيا وولف، يجب أن نضعها في سياق زمنها. في بدايات القرن العشرين، لم تكن هناك أدوية مثبتة للمزاج مثل الليثيوم. أو مضادات للذهان.

كان الأطباء يقفون عاجزين أمام حالتها. وكانت الوصايا الطبية في ذلك الوقت تعتبر أقرب إلى الشعوذة منها إلى العلم. خضعت فيرجينيا لما كان يسمى بعلاج الراحة. وهو نظام قاسي يمنع المريض من القراءة، الكتابة، أو حتى التفكير. ويجبر على شرب كميات هائلة من الحليب، ويعزل تماما في غرفة مظلمة.

تخيلوا كاتبة تعيش على الكلمات، ويخبرونها أن علاجها هو أن تتوقف عن الكتابة. بل وصل الأمر ببعض الأطباء إلى خلع بعض أسنانها، ظنا منهم أن العدوى في الأسنان هي سبب الجنون. وهو إجراء همجي يعكس مدى تخبط المجتمع الطبي آنذاك في فهم الإعاقة النفسية.

طالع:  لماذا تعتبر رواية أعجوبة أهم عمل أدبي عن الإعاقة في العصر الحديث؟ 

 هل صنع المرض إبداع فيرجينيا وولف؟

هناك صورة نمطية رومانسية ضارة جدا يروج لها البعض، وهي فكرة «العبقرية المجنونة». وأن الإبداع لا يخرج إلا من رحم المعاناة النفسية.

في حالة فيرجينيا وولف، هذا الطرح غير دقيق، بل وظالم. يجادل كاتب سيرتها الذاتية، كوينتين بيل، بأن مرضها لم يكن مصدرا لإبداعها، بل كان عائقا له. كانت فيرجينيا تبدع وتكتب أجمل أعمالها عندما كانت في فترات الاستقرار النسبي. أما عندما كان يهاجمها المرض، كانت تتوقف الحياة تماما. وفق كتا Virginia Woolf: A Biography.

نعم، ربما منحتها حساسيتها المفرطة قدرة فريدة على الغوص في النفس البشرية. لكن الثمن كان فادحا. لقد كانت تكتب رغم الإعاقة، وليس بسببها. كانت تحارب لتسرق لحظات الصفاء من فك المرض، لتترك لنا هذا الإرث العظيم.

 

كتاب Virginia Woolf: A Biography
كتاب Virginia Woolf: A Biography

 

الرسالة الأخيرة: «أنا أفقد عقلي مرة أخرى»

في صباح ذلك اليوم المشؤوم من عام 1941، ربما انتحرت فيرجينيا وولف لأنها كانت مكتئبة، لكن أيضا لأنها شعرت أن «الوحش» قد عاد، وهذه المرة لن يرحمها.

تركت لزوجها، ليونارد وولف، رسالة تعتبر من أكثر النصوص تأثيرا وألما في التاريخ. كتبت تقول: «يا عزيزي، أنا واثقة بأنني سأجن مرة أخرى. أشعر أننا لا نستطيع اجتياز فترة فظيعة أخرى كتلك. وهذه المرة لن أشفى. لقد بدأت أسمع أصواتا، ولا أستطيع التركيز».

هذه الكلمات تشرح بوضوح معنى الإعاقة النفسية. إنها الخوف من فقدان السيطرة، الرعب من العودة إلى سجن الهلاوس، والشعور بالذنب تجاه من نحب. وقد أنهت حياتها لأنها لم تعد تملك القوة لمحاربة «كيمياء مخها» للمرة الألف بلا سلاح طبي فعال.

في ذكرى ميلاد فيرجينيا وولف

اليوم في ذكرى ميلاد فيرجينيا وولف، دعونا لا نتذكر فقط طريقة موتها المأساوية. بل نتذكر شجاعتها في العيش. لقد قاومت الظلام لـ 59 عاما، وحاربت الأصوات بالكتابة، والهلاوس بالعمل.

إنها دعوة اليوم لكل من يشعر أن «أصواتا» غريبة تهاجمه، أو أن مزاجه يرفعه للسماء ويخسف به الأرض، ألا يصمت. اطلب المساعدة. المرض النفسي ليس عيبا، وليس ضعفا في الشخصية، ونهاية القصة لا يجب أن تكون في قاع النهر.

فيرجينيا وولف لم تكن مجنونة.. كانت إنسانة استثنائية، خذلها الطب في عصرها، لكن أدبها لم يخذلنا أبدا.

المقالة السابقة
رمزي الفجم.. رجل واحد يخفف معاناة آلاف الأشخاص ذوي الإعاقة في غزة
المقالة التالية
حين تتحول المهارة إلى أمل.. حكايات من أكاديمية التأهيل البصرية لذوي الإعاقة البصرية