كوليت سيدة باريس .. روائية أقعدها المرض فحولت سريرها لـ«طوافة نجاة»  

كوليت سيدة باريس .. روائية أقعدها المرض فحولت سريرها لـ«طوافة نجاة»  

المحرر: محمود الغول - مصر
كوليت سيدة باريس

في شقة صغيرة تطل على حدائق القصر الملكي في قلب فرنسا، وخلال منتصف القرن العشرين. كان المارة يرون مشهدا يتكرر يوميا خلف النافذة. سيدة مسنة، تضع مكياجا كثيفا حول عينين تقدحان شررا وذكاء، تجلس وسط أكوام من الأوراق والوسائد. عاجزة تماما عن الحركة، لكن قلمها لا يتوقف عن الركض فوق الورق.

هذه السيدة هي كوليت سيدة باريس، الروائية الفرنسية الأيقونية التي يوافق اليوم 28 يناير ذكرى ميلادها. قد يعرفها العالم كأديبة جريئة، وممثلة سابقة، وامرأة هزت التقاليد الاجتماعية في عصرها. لكن ما نركز عليه اليوم هو الوجه الآخر للعملة. الوجه الذي يغفله النقاد عادة.. كوليت «المرأة ذات الإعاقة».

كوليت سيدة باريس

كيف تحولت راقصة المسرح الرشيقة التي كانت تعبد الحركة، إلى سيدة مقعدة تماما؟ وكيف تعاملت كوليت سيدة باريس مع وحش التهاب المفاصل الذي التهم مفاصلها؟ القصة عن الألم وعن الانتصار عليه بتحويل سرير المرض من «سجن» إلى منصة إطلاق لأجمل أعمالها الأدبية. وفق مقال منشور في نيويورك تايمز.

لكي نفهم حجم المعاناة النفسية التي عاشتها، يجب أن نعرف من كانت هذه المرأة قبل المرض. كوليت سيدة باريس لم تكن مجرد كاتبة تجلس خلف مكتب خشبي، بل كانت في شبابها «جسدا» يعبر عن نفسه. عملت كراقصة استعراضية، وممثلة إيمائية. وكانت تعتمد على لياقتها البدنية ورشاقتها كوسيلة أساسية للتعبير عن حريتها واستقلالها كامرأة.

لكن مع تقدم العمر، وتحديدا في الستينيات، بدأ ضيف ثقيل يطرق بابها بلا رحمة. إنه التهاب المفاصل. والذي كان تآكلا شرسا في مفاصل الفخذين، حول حركتها اليومية إلى جحيم.

أقفال حديدية تمنعها من المشي

تحول الألم تدريجيا من وخز يمكن احتماله بالمسكنات، إلى «أقفال حديدية» تمنعها من المشي. وفي سنواتها الأخيرة، أصبحت كوليت سيدة باريس عاجزة تماما عن الوقوف، وأجبرها الألم المبرح وتيبس المفاصل على قضاء بقية حياتها. إما ممددة في السرير أو جالسة على كرسي متحرك.

بالنسبة لامرأة كانت تعيش بالحركة، كان هذا التحول بمثابة «حكم بالسجن المؤبد» داخل جسدها. لكن، وكما سنرى السجن كان للجسد فقط، أما الروح فكانت تخطط لهروب كبير.

فلسفة «الطوافة» وإعادة تعريف العجز

في أدبيات الإعاقة، تعتبر اللغة التي يستخدمها الشخص لوصف أدواته المساعدة دليلا قاطعا على حالته النفسية ومدى تقبله لواقعه. الكثيرون يسمون الكرسي المتحرك «كرسي العجز». أما كوليت سيدة باريس، فقد أطلقت عليه اسما عبقريا وشاعريا.. «الطوافة».

لماذا «الطوافة»؟ لأن الطوافة هي وسيلة نجاة يستخدمها الغرقى في البحار ليطفوا فوق سطح الماء الهائج ولا يغرقوا في القاع. كانت كوليت ترى أن سريرها وكرسيها المتحرك هما طوافتها. التي تبقيها طافية فوق بحر الألم الذي يغمر جسدها المتعب.

كانت تقول لزوارها وهي تشير إلى أريكتها المليئة بالأوراق والكتب: «أنا هنا على طوافتي، أبحر في عالمي الخاص». هذا التشبيه البليغ يعكس جوهر التكيف وإعادة التأطير. هي لم تنكر الألم، لكنها رفضت أن تغرق فيه. حولت كوليت سيدة باريس الكرسي من رمز للعجز والسكون.. إلى رمز للرحلة والمغامرة. كانت تسافر بذهنها وهي في مكانها، وتكتب روائع الأدب وهي لا تستطيع أن ترفع ساقها بضع سنتيمترات.

الإبداع من وضعية الاستلقاء

من المدهش أن نعلم أن أشهر روايات كوليت سيدة باريس عالميا، وهي رواية «جيجي»  التي تحولت لفيلم هوليوودي أيقوني. كتبت وهي في قمة معاناتها مع الإعاقة الحركية.

وفقا لكتاب سيرتها الذاتية، كانت كوليت تكتب وهي مستلقية على بطنها أحيانا. أو مسنودة بعشرات الوسائد لتخفيف الضغط عن وركها المتآكل. ورغم أن أصابعها أيضا طالها نصيب من التشوه والألم الروماتيزمي.. وهو أمر كارثي لأي كاتب.. إلا أنها طوعت القلم ليدها، ولم تتوقف يوما عن الكتابة.

وفي واحدة من أشهر مقولاتها التي تعتبر دستورا لكل مبدع يواجه الشيخوخة أو المرض، قالت كوليت: «الجسد يشيخ ويعجز، لكن الخيال لا يحتاج إلى ساقين ليركض».

هذه الجملة تلخص فلسفة النموذج الاجتماعي للإعاقة. الإعاقة الحقيقية ليست في فقدان الساقين، بل في فقدان الشغف. طالما أن العقل يتقد، فالإنسان كامل. كانت تدرك أن الحرفة الأدبية هي الشيء الوحيد الذي لا يستطيع التهاب المفاصل تدميره.

طالع: رسالة احتجاج.. كاتبة بريطانية تصدر كتاباً يرصد تاريخ نضال ذوي الإعاقة

الجمال رغم الألم.. أنا لست مسكينة

رغم أنها كانت لا تتحرك إلا بمساعدة، إلا أنها ظلت حتى آخر يوم في حياتها (توفيت عن 81 عاما) أيقونة للأناقة الفرنسية. كانت ترفض استقبال الصحفيين أو الأصدقاء إلا وهي بكامل زينتها.. شعرها المجعد مصفف بعناية فائقة، وعيناها محددتان بالكحل الأسود الثقيل. الذي اشتهرت به طوال حياتها.

كانت رسالتها الضمنية للمجتمع «أنا لا أستطيع المشي، لكنني ما زلت امرأة، وما زلت جميلة، وما زلت كوليت». رفضت أن يتم اختزالها في «المرأة المريضة». كانت تريد أن يتذكر الناس نظرتها لا عكازها.

حتى عندما منحتها الدولة الفرنسية وسام جوقة الشرف. لتكون أول امرأة تنال جنازة رسمية في تاريخ فرنسا. كان ذلك تكريما لإنجازها الأدبي الجبار، وليس «مكافأة ترضية» لمرضها. لقد فرضت احترامها بموهبتها لا بمعاناتها. وفق موسوعة بريتانيكا.

الفانوس الأزرق
الفانوس الأزرق

«الفانوس الأزرق».. كتابة النهاية

في كتابها الأخير الذي حمل عنوان «الفانوس الأزرق». وثقت كوليت سيدة باريس يومياتها مع الألم والشيخوخة بصدق جارح. ولكنه خال من الشكوى المبتذلة.

وصفت كيف يضيق عالم الشخص المقعد ليصبح بحجم غرفته، وكيف تصبح «نافذة الغرفة» هي الشاشة الوحيدة التي يرى منها الحياة. لكنها علمتنا في هذا الكتاب درس «الملاحظة الدقيقة».

وقالت إن عدم القدرة على الحركة جعلها تلاحظ تفاصيل لم تكن تراها وهي تركض في شبابها.. حركة أوراق الشجر، تغير الضوء على الجدار، صوت خطوات الجيران. الإعاقة منحتها «عدسة مكبرة» للحياة. فجعلت كتابتها في أواخر عمرها أكثر عمقا وحكمة من أي وقت مضى.

 في ذكرى ميلادها كوليت سيدة باريس

ونحن نستعيد سيرة كوليت سيدة باريس، فإننا نوجه رسالة لكل من يواجه «إعاقة الشيخوخة» أو الأمراض المزمنة المقعدة. الألم حقيقة والمعاناة اختيار كوليت تألمت بشدة، لكنها اختارت ألا تعاني نفسيا. صنعت «طوافتها» ونجت من الغرق.

قد يتقاعد الجسد عن الحركة، لكن الروح والخيال والخبرة لا سن تقاعد لهم. سم أدواتك، لا تدع المجتمع يفرض عليك مسميات «العجز». سم كرسيك طوافة، سم عكازك صولجان.. أنت من يحدد المعنى.

في النهاية.. رحلت كوليت وبقيت كلماتها خالدة. أثبتت هذه السيدة العظيمة أن الكرسي المتحرك قد يحد من مكان وجودك، لكنه لا يحد أبدا من مكان وصولك.

المقالة السابقة
متلازمة الطفل المتصلب.. معركة يومية ضد التشنجات وفقدان الحركة
المقالة التالية
ذوو الإعاقة في صدارة الأزمة.. مطالبات بجسر إنساني عاجل لمدينة سودانية