«ما تراه ليس كما يبدو».. هل يعد الاضطراب النفسي نوعا من الإعاقة

«ما تراه ليس كما يبدو».. هل يعد الاضطراب النفسي نوعا من الإعاقة

المحرر: محمود الغول - مصر
تارا عماد ومشهد من مسلسل أنت وحدك

تنسج الدراما أحيانا خيوطها من صدمات الماضي، لتظهر كيف يمكن لجرح قديم أن يلقي بظلاله على الحاضر بأكمله.

في حكاية «أنت وحدك» من مسلسل «ما تراه ليس كما يبدو»، نجد أنفسنا أمام شخصية سارة، التي تبدو حياتها كاملة ومثالية من الخارج، لكنها تخفي خلف ستارها إعاقة نفسية عميقة.

فمنذ اللحظة التي فقدت فيها سارة عمودها الفقري، والدها، في طفولتها، لم تعد قادرة على المضي قدما في الحياة كما يجب، هذا الفقد المبكر لم يكن مجرد ذكرى حزينة، بل أصبح نقطة تحول حاسمة أدت إلى سلسلة من الاضطرابات النفسية التي تعد نوعا من الإعاقة والتي منعتها من التواصل مع المجتمع حولها، وجعلتها حبيسة عالمها الداخلي الذي فقدت السيطرة عليه، وتسبب لها في صراع دائم مع الواقع.

لم تكتف الحكاية بتقديم لغز تقليدي، بل غاصت في أعماق النفس البشرية بجرأة، مقدمة إثارة من نوع مختلف، إثارة نفسية تتجاوز أحداثها الخارجية لتتحول إلى رحلة داخلية مضطربة.

هذا الدمج بين الأنواع هو ما منح العمل هويته المميزة، وجعله يتجاوز حدود كونه مجرد قصة غموض عابرة إلى عمل درامي يحمل في طياته الكثير من المشاعر المتداخلة والتحليل العميق.

لغز يتكشف من الداخل

تعتمد الحبكة السردية لحكاية «أنت وحدك» على بنية سردية محكمة تبدأ بإرساء قواعد لعبة الغموض، تقدم القصة شخصية سارة الصحفية الثرية التي تعيش في صراع مع غيرة زملائها وحقدهم، وتبدأ سلسلة الأحداث المريبة بتلقيها رسائل غامضة عبر واتساب تحمل نبوءات تغير مسار حياتها.

يتصاعد التوتر بشكل مقصود ومخطط له حيث تشهد سارة حادثة حريق في عيد ميلاد صديقتها تسبب لها حالة من الانهيار النفسي، ثم تتعقد الأمور بظهور شخصيات جديدة مثل رئيسها في العمل سليم الذي يثير شكوكها، واختفاء صديقتها المقربة نهى بشكل مفاجئ بعد تركها لرسالة غامضة.

كل هذه التطورات صممت لتدفع المشاهد نحو الاعتقاد بوجود مؤامرة خارجية تحيكها شخصيات محيطة بالبطلة، مما يعكس براعة السيناريو في صياغة لغز درامي مقنع.

وتصل الحكاية إلى ذروتها الفنية عبر انعطاف سردي مفاجئ وغير متوقع، فبعد أن قادت الأحداث المشاهدين إلى قناعة بوجود عدو خارجي يلاحق سارة، تتكشف الحقيقة في «التويست» النهائي.. أن كل ما مرت به من أحداث غامضة ورسائل مريبة لم يكن سوى نتاج لحالتها النفسية وهلوساتها.

لقد كان هذا التحول بمثابة صدمة فنية، حيث قلب الموازين وأعاد تفسير كل ما سبق من أحداث، وأظهر أن «الفجوات» المنطقية التي قد يلاحظها البعض في المنتصف لم تكن أخطاء، بل كانت أعراضا مقصودة لحالة سارة العقلية، هذا الكشف الفني كان «مختلفا وحلوا» ، لأنه تجنب الحلول التقليدية وقدم حلا نفسيا عميقا للغز، كما أن هذا النهج يفسر التناقض في آراء النقاد: فبينما اعتبر البعض النهاية «كارثية» لأنها لم تلتزم بمنطق الإثارة البحتة ، رأى آخرون أنها «أكثر نهاية مفهومة» بين حكايات المسلسل ، لأنها تتناغم مع الطابع النفسي الذي أراد العمل تقديمه منذ البداية.

مشهد من مسلسل أنت وحدك
مشهد من مسلسل أنت وحدك

قتل الفجوات الظاهرية وإعادة تفسيرها
لقد نجح السيناريو في «قتل» الفجوات الظاهرية وإعادة تفسيرها كجزء أصيل من منطق القصة، مما يؤكد أن هذا الاختيار كان مغامرة فنية محسوبة.

تحليل شخصية «سارة» يكشف عن عمق كبير، فهي ليست مجرد صحفية ثرية، بل هي شخصية مركبة تجمع بين النجاح الخارجي والاضطراب الداخلي، وقد كشفت الممثلة تارا عماد نفسها عن تشابهها مع الشخصية، حيث وصفتها بأنها «كتومة» و«حساسة» رغم مظهرها المنطلق.

هذا البناء الداخلي للشخصية جعلها أرضا خصبة للقلق والانهيار النفسي الذي يتكشف تدريجيا.

أما على صعيد الأداء، فقد حظيت تارا عماد بإشادات من الجمهور والنقاد، ويتجلى تمكنها الفني بشكل خاص في المشاهد التي تتطلب أداء عاطفيا معقدا، مثل مشهد انهيارها بعد حادثة الحريق أو مشهد وفاة والدها ، حيث قدمت أداء مقنعا.

لقد بنت تارا شخصيتها من الداخل، مما سمح لها بتجسيد تحولها النفسي المعقد بطريقة مقنعة للغاية، الأمر الذي تجاوز مجرد التمثيل إلى حد التوحد مع روح الشخصية، وساهم في تعزيز هذا الأداء المتميز وجود طاقم تمثيلي متناغم، ضم فنانين مخضرمين مثل وفاء صادق ووجوها شابة متميزة مثل بسمة داود وعمرو جمال.

السيناريو وصياغة الأبعاد الإنسانية والنفسية
أظهر سيناريو محمد حجاب قدرة فنية عالية على صياغة لغز درامي يتجاوز التوقعات، فبدلا من التركيز على مؤامرة خارجية، اختار السيناريو أن يعتمد على «الطابع النفسي والإنساني» ، وهو ما يتناغم تماما مع هوية المسلسل القائمة على المفاجآت وتبدل الحقائق.

وبالفعل نجح المؤلف في دمج الواقع والخيال بشكل مشوق ، مما مهد الطريق بشكل مثالي للكشف النهائي الذي قلب الحبكة رأسا على عقب.

الفجوات المنطقية التي أشار إليها بعض النقاد أو الجمهور في حكاية «أنت وحدك»، فيمكن تفسيرها على أنها أدوات فنية مقصودة، فالأحداث الغريبة التي تبدو بلا تفسير في منتصف القصة، مثل اختفاء صديقة سارة، لم يكن لها حل تقليدي لأنها لم تكن أحداثا حقيقية بالأساس.

لقد اختار السيناريو أن يضحي ببعض المنطق الظاهري لخدمة «التويست» النهائي الذي كشف عن الطبيعة النفسية للأحداث، وهو ما يثبت أن هذا الخيار كان قرارا فنيا جريئا ومدروسا.

الرؤية الإخراجية لجمال خزيم
لعبت الرؤية الإخراجية لجمال خزيم دورا حاسما في نجاح حكاية «أنت وحدك»، حيث استطاع خلق جو بصري يتناسب تماما مع حالة الغموض والتوتر التي تسيطر على الأحداث، وساهمت اختياراته في التصوير والإضاءة في تعزيز الإحساس بالاضطراب والواقع المتقلب الذي تعيشه البطلة.
وعلى الرغم من إشادة البعض، فإن بعض المراجعين انتقدوا إيقاع العمل، معتبرين أنه تباطأ بعد الحلقة الثانية وكان بحاجة إلى تسريع الأحداث.. ويمكن تفسير هذا الاختيار الإخراجي على أنه قرار مقصود لإعطاء مساحة أكبر للتحليل النفسي للبطلة بدلا من التركيز على الحركة السريعة لأحداث الإثارة.

كما أن استخدام «الحركة البطيئة» (slow motion) الذي اعتبره البعض غير محبذ يمكن تحليله كأداة بصرية للتعبير عن حالة سارة العقلية المضطربة، حيث يبدو الزمن والمكان في وعيها غير مستقرين وغير حقيقيين، وهو ما يخدم الرؤية الفنية للعمل ويصب في النهاية في صالح الكشف النهائي عن حالتها النفسية.

الموسيقى التصويرية التي رافقت الحكاية أيضا كانت جيدة، لدورها الفعال في تعزيز الأجواء المشوقة والدرامية للعمل.

حلقات حكاية «أنت وحدك» هي تحليل عميق لكيفية تأثير الضغوط النفسية على الإدراك البشري، لقد قدمت الحكاية إضافة مهمة لمفهوم الدراما النفسية وأثبتت أن المسلسلات القصيرة يمكن أن تكون وعاء لمحتوى فني ثري ومؤثر.

بشكل عام، يمكن اعتبار الحكاية عملا مقبولا جدا يستحق المشاهدة والتقدير لجرأته وتميزه.

هل الأمراض النفسية والعقلية نوع من الإعاقة؟
من منظور علمي وطبي، تعتبر الأمراض النفسية والعقلية نوعا من الإعاقة، ولكن يجب التفرقة بينها وبين الإعاقة الذهنية، إذ تصنف الأمراض النفسية ضمن الإعاقة لأنها تؤثر بشكل كبير على قدرة الفرد على أداء مهامه اليومية، والتفاعل اجتماعيا، والمشاركة في الأنشطة الحياتية المختلفة. بينما تعرف الإعاقة الذهنية على أنها حالة يكون فيها النمو العقلي غير مكتمل، وغالبا ما تنشأ في مرحلة الطفولة المبكرة.

تعرف منظمة الصحة العالمية الإعاقة بأنها مصطلح شامل يشمل القصور في وظائف الجسم، ومحددات النشاط، وقيود المشاركة. في هذا الإطار، تعد الأمراض النفسية مثل الاكتئاب الشديد، والاضطراب ثنائي القطب، والفصام، قصورا وظيفيا يؤثر على التفكير والمشاعر والسلوك. هذه الاضطرابات قد تحد من قدرة الشخص على العمل أو الدراسة أو تكوين علاقات مستقرة، مما يجعلها إعاقة، وتقدم العديد من الأنظمة القانونية والطبية حول العالم، مثل تلك التي تقرها منظمة الصحة العالمية، حقوقا وتسهيلات للأشخاص الذين يعانون من هذه الأمراض، مما يؤكد أنها تعتبر إعاقة تستدعي الدعم والرعاية.

المقالة السابقة
«القومي للإعاقة» بمصر: الثقافة والفنون بوابة للتمكين
المقالة التالية
ذوو الإعاقة «قادرون» على الإبداع.. معرض لفن الكاريكاتير في الزمالك السبت

وسوم

أصحاب الهمم (44) أمثال الحويلة (389) إعلان عمان برلين (392) اتفاقية الإعاقة (534) الإعاقة (89) الاستدامة (804) التحالف الدولي للإعاقة (780) التشريعات الوطنية (599) التعاون العربي (411) التعليم (47) التعليم الدامج (40) التمكين الاقتصادي (59) التنمية الاجتماعية (800) التنمية المستدامة. (54) التوظيف (41) التوظيف الدامج (698) الدمج الاجتماعي (610) الدمج المجتمعي (116) الذكاء الاصطناعي (62) العدالة الاجتماعية (54) العقد العربي الثاني لذوي الإعاقة (401) الكويت (60) المجتمع المدني (793) الولايات المتحدة (47) تكافؤ الفرص (792) تمكين (53) حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (501) حقوق الإنسان (58) حقوق ذوي الإعاقة (73) دليل الكويت للإعاقة 2025 (367) ذوو الإعاقة (108) ذوو الاحتياجات الخاصة. (766) ذوي الإعاقة (334) ذوي الهمم (43) ريادة الأعمال (380) سياسات الدمج (779) شركاء لتوظيفهم (375) قمة الدوحة 2025 (427) كود البناء (369) لغة الإشارة (41) مؤتمر الأمم المتحدة (329) مجتمع شامل (786) مدرب لغة الإشارة (578) مصر (36) منظمة الصحة العالمية (598)