تعد متلازمة الطفل المتصلب من الاضطرابات العصبية النادرة، التي تفرض على الأطفال المصابين بها مسارًا قاسيًا من الألم وفقدان السيطرة التدريجي على الحركة، ومع مرور الوقت، تتحول هذه الحالة من مجرد اضطراب طبي نادر، إلى سبب مباشر للإعاقة الحركية والتشنجات وفقدان الحركة.
ورغم ندرة انتشار المرض، فإن تأثيره على حياة الطفل وأسرته يكون بالغ العمق، حيث تصبح الحركة الطبيعية عبئًا يوميًا، ويغدو الجسد أسيرًا لتشنجات مفاجئة وتيبس دائم في العضلات، مما يحد من أبسط أنماط الحياة.
متلازمة الطفل المتصلب.. اضطراب مناعي يؤدي إلى تخشب العضلات
تنشأ متلازمة الطفل المتصلب نتيجة اضطراب مناعي نادر. يصيب الجهاز العصبي المركزي،.إذ يهاجم جهاز المناعة خلايا عصبية مسؤولة عن تنظيم التوتر العضلي. وهذا يؤدي إلى اختلال التوازن الطبيعي بين انقباض العضلات وانبساطها. وبدوره، ينعكس هذا الخلل في صورة تصلب عضلي مستمر. وتشنجات مؤلمة قد تظهر منذ الولادة في بعض الحالات. أو تتطور تدريجيًا خلال سنوات الطفولة الأولى. ومن ثم، يصبح التشخيص المبكر تحديًا حقيقيًا في كثير من الأحيان.
وفي هذا الإطار. يقول الدكتور محمود خيري، استشاري الأمراض الوراثية لـ “جسور”: إن متلازمة الطفل المتصلب ناتجة عن خلل في الجهاز العصبي. يؤدي إلى تشنجات وتصلب شديد في عضلات الساقين واليدين والعمود الفقري.

ويوضح أن هذا الخلل يحدث نتيجة وجود أجسام مناعية ذاتية التكوين. تقوم بمهاجمة الأعصاب المسؤولة عن التحكم في العضلات. وهو ما يؤدي إلى حالة من التخشب العام في الجسم. مع الإشارة إلى أن السبب الرئيسي لظهور هذه الأجسام المناعية. لا يزال غير معروف حتى الآن.
ويؤكد الدكتور خيري أن العرض الأهم للمتلازمة يتمثل في تخشب وتيبس عضلات الجسم بصورة مستمرة. وقد تبدأ هذه الحالة في الظهور لدى الأطفال حديثي الولادة. ويشرح أن هناك مادة كيميائية مسؤولة عن نقل الإشارات الكهربائية من الأعصاب إلى العضلات. وعندما يتم تدمير هذه المادة نتيجة هجوم الأجسام المضادة، يحدث خلل في عملية الاتصال العصبي العضلي، فتظهر التشنجات والتصلبات بشكل غير طبيعي. كما يضيف أن هذا الاضطراب جرى اكتشافه لأول مرة عام 1956، حيث تم توصيفه علميًا بهذا الشكل، مع التفريق بينه وبين متلازمة أخرى تتشابه معه في بعض الأعراض تُعرف باسم متلازمة إسحاق.
الإعاقة الحركية.. التأثير الأبرز للمتلازمة
ويتابع إستشاري الأمراض الوراثية: “الإعاقة الأساسية الناتجة عن متلازمة الطفل المتصلب هي الإعاقة الحركية. حيث يعاني الطفل من صعوبة متزايدة في الحركة والتنقل. وقد يفقد القدرة على المشي أو الوقوف مع تقدم الحالة. ويصبح الجسد متيبسًا بصورة غير طبيعية، وتظهر نوبات سقوط مفاجئة نتيجة التشنجات الحادة. وهو ما يضع الطفل فعليًا ضمن فئة ذوي الإعاقة الحركية، الذين يحتاجون إلى وسائل مساعدة دائمة مثل الدعامات أو الكراسي المتحركة.
ولا تقف آثار المتلازمة عند حدود الحركة فقط، بل تمتد لتشمل الإعاقة الوظيفية. إذ يفقد الطفل تدريجيًا القدرة على أداء أنشطة الحياة اليومية بشكل مستقل، مثل الأكل واللباس والاستحمام. ويزداد اعتماده على مقدمي الرعاية مع مرور الوقت، ما يفرض أعباء نفسية واجتماعية واقتصادية متزايدة على الأسرة”.

ويضيف الدكتور خيري: “في بعض الحالات، يمتد تأثير المتلازمة ليشمل عضلات الفم والبلع والجهاز التنفسي. ما يؤدي إلى صعوبات في البلع واضطرابات في النطق وانقطاع النفس المتكرر. وهو ما يجعل الحالة في بعض مراحلها مهددة للحياة، خاصة لدى الرضع والأطفال حديثي الولادة. وعلى الرغم من شدة الأعراض الجسدية، فإن القدرات العقلية للأطفال المصابين بمتلازمة الطفل المتصلب تكون طبيعية في الغالب. إلا أن الألم المزمن والعزلة الاجتماعية والقيود الحركية المفروضة عليهم تترك آثارًا نفسية عميقة، ما يستدعي دعمًا نفسيًا واجتماعيًا مستمرًا للطفل وأسرته”.
ويتابع: “تُعد متلازمة الطفل المتصلب من الحالات التي تتحول من تشخيص طبي نادر إلى إعاقة طويلة الأمد بالمعنى الوظيفي. إذ تؤدي إلى تقييد النشاط والمشاركة المجتمعية، وهو ما يضع المصابين بها ضمن فئة ذوي الإعاقة وفق التعريفات الدولية، التي تربط الإعاقة بتأثير الحالة الصحية على حياة الفرد واستقلاله”.
أهمية التدخل المبكر والرعاية متعددة التخصصات
ويوضح إستشاري الأمراض الوراثية ضرورة التشخيص المبكر قائلًا: تظل أهمية التدخل المبكر عاملًا حاسمًا في مسار المرض. فكلما تم التشخيص في وقت مبكر وبدأ العلاج التأهيلي بشكل منتظم، زادت فرص الحد من شدة الإعاقة وتقليل المضاعفات الخطيرة. ويُعد التشخيص الدقيق حجر الأساس في التعامل مع الحالة. إذ يبدأ بتقييم الأعراض الإكلينيكية، ثم إجراء تحاليل متخصصة للكشف عن الأجسام المضادة المرتبطة بالمرض. كما يشمل التشخيص البحث في وجود خلفية جينية محتملة، من خلال إجراء تحاليل الوراثة الجزيئية، للتأكد مما إذا كان للمرض بُعد وراثي يسهم في ظهوره أو تطوره”.
مضيفًا أن توفير فريق رعاية متعدد التخصصات. يشمل العلاج الطبيعي والعلاج الوظيفي. والدعم النفسي. خطوة أساسية لضمان حياة أكثر كرامة واستقلالية للأطفال المصابين بمتلازمة الطفل المتصلب.
وخاصة أنه من أبرز مضاعفات هذه المتلازمة التشنج الشديد، وتيبس عضلات الجسم. وبالتحديد عضلات الأطراف والعمود الفقري. وينتج هذا الخلل عن أجسام مناعية ذاتية التكوين. تهاجم الأعصاب، ما يسبب تخشبًا عامًا في العضلات. وتيبسها المستمر، دون أن يكون السبب الرئيسي لظهور المرض معروفًا بشكل قاطع حتى الآن.


.png)

















































