وُلدت وهي تحمل تحديًا مضاعفًا؛ فقد جاءت إلى الحياة بمتلازمة داون، إضافةً إلى صعوبة في الحركة. في سنواتها الأولى، خضعت لجلسات علاج طبيعي بعد تركيب جهاز طبي لمساعدتها على المشي، واستطاعت أن تخطو خطواتها الأولى بثبات. غير أن الظروف المادية القاسية حالت دون استمرار العلاج، لتظهر لاحقًا صعوبات أخرى في النطق.
ورغم هذه التحديات المبكرة، لم تكن ممن يستسلمون. كانت تتابع إخوتها، تتفاعل معهم بطريقتها الخاصة، وحين اعتادوا الحديث أمامها، بدأت تحاول تقليد الكلمات، محاولةً أن تصنع صوتها الخاص في محيطها الصغير.
سعت الأسرة جاهدَةً لإيجاد فرصة تعليمية مناسبة، لكن الواقع لم يكن رحيمًا؛ فلا مراكز قريبة، ولا بدائل متاحة. وبعد معاناة طويلة، تمكّنوا أخيرًا من تسجيلها في أحد المراكز التعليمية، لتبدأ رحلة تعلّم طال انتظارها، وسط فرحة كبيرة لم تُخفها ملامحها ولا عيون أسرتها.غير أن الطريق إلى التعليم كان مليئًا بالتحديات والصعوبات.
فالمركز بعيد، وتكلفة الترحيل مرتفعة، لكن الأم رفضت الاستسلام. كانت ترافق ابنتها يوميًا، تنتظر انتهاء الدروس، وتعود معها محمّلة بالإصرار. سرعان ما اندمجت في البيئة التعليمية، وبدأت جلسات علاج النطق، وأظهرت اجتهادًا ملحوظًا في تعلّم الحروف والقراءة، مؤكدةً أن الإعاقة ليست عجزًا حين تتوفر الفرصة.
خلال هذه المرحلة، لم تتلقَّ الأسرة أي دعم من الاتحاد أو منظمات المجتمع المدني، رغم وضوح الحاجة. ومع تزايد الأعباء وضيق الحال، اضطرت الأسرة، رغمًا عنها، إلى إيقاف تعليم ابنتها، رغم تفوقها وحماسها الواضح.
هنا تُطرح الأسئلة المؤلمة:
أين حق ذوي الإعاقة الذهنية في التعليم؟
من المسؤول عن هذا الغياب: الأسرة أم الدولة؟
أم أنها تدفع الثمن لأنها من ذوي الإعاقة؟
ولم يتوقف التحدي عند حدود التعليم، إذ تعرّضت لتنمر قاسٍ من بعض أفراد المجتمع المحيط بها بسبب متلازمة داون، ما خلّف أثرًا نفسيًا عميقًا ودفعها إلى الخوف والانطواء.
لكن الأسرة، مرة أخرى، اختارت المواجهة بدل الاستسلام. عملت على دعمها نفسيًا، ورافقتها خطوة بخطوة، حتى بدأت تستعيد ثقتها بنفسها، وتعود تدريجيًا إلى المجتمع بإرادة قوية.
اليوم، تبلغ هذه الفتاة من العمر عشرين عامًا.
كبرت، لكن حقها في التعليم ما زال مؤجّلًا، ورعايتها الصحية غير مضمونة، وحلمها ظل مؤجّلًا رغم الصعاب.
أحلامها بسيطة وواضحة:
تعليم عادل دون تمييز.
رعاية صحية تحفظ كرامتها.
مجتمع واعٍ يحترم إنسانيتها، ويمنحها فرصة حقيقية للحياة.
إلى الأسرة، أنتم الأبطال الحقيقيون في هذه القصة.
نور لا تحتاج شفقة…
بل تحتاج حقها فقط.


.png)

















































