حكايات مؤلمة خلف متلازمة موبيوس.. هل قابلت صاحب «الوجه القناع»؟

حكايات مؤلمة خلف متلازمة موبيوس.. هل قابلت صاحب «الوجه القناع»؟

المحرر: محمود الغول - مصر
متلازمة موبيوس

تخيل للحظة واحدة أنك تعيش أجمل لحظات حياتك.. حصلت لتوك على الوظيفة التي حلمت بها، أو  سمعت نكتة جعلت قلبك يرقص من الضحك. في داخلك، هناك ألعاب نارية من الفرح، وشعور طاغ بالسعادة يريد أن ينفجر. ولكن، عندما ينظر الناس إليك، لا يرون شيئا.. لا شيء على الإطلاق.

وجهك ثابت كصخرة، شفتيك لا تتحركان لرسم ابتسامة، وعيناك لا تلمعان بتلك الغمزة المعهودة. يظن الناس أنك بارد، غير مبال، أو ربما حزين، بينما أنت في الحقيقة تطير من الفرح.

هذا التناقض القاسي والمؤلم بين ما نشعر به وبين ما يظهر علينا. هو الواقع اليومي الصامت. الذي يعيشه الآلاف حول العالم. والذين قرر العالم أن يخصص لهم هذا اليوم، 24 يناير.. ليكون اليوم العالمي للتوعية بمتلازمة موبيوس.

في جسور، نفتح هذا الملف الطبي والإنساني الشائك. لنكون صوتا لمن خذلتهم عضلات وجوههم، لكن إنسانيتهم ظلت كاملة ونابضة.

ما هي متلازمة موبيوس؟ 

بعيدا عن التعقيدات الطبية، دعونا نفهم ما يحدث. متلازمة موبيوس هي اضطراب عصبي خلقي نادر جدا يولد الطفل به. ولا يحدث بسبب خطأ أثناء الولادة أو عدوى. بل هو خلل جيني يؤثر على نمو أعصاب محددة في جذع الدماغ. وفق موقع المتلازمة على الإنترنت Moebius Syndrome Foundation.

تحديدا، يولد هؤلاء الأشخاص بضمور أو غياب للعصبين القحفيين السادس والسابع. ولماذا هذين العصبين بالتحديد؟ العصب السابع (عصب الوجه): هو الرسام المسؤول عن كل تعبيرات وجهك مثل الابتسام والعبوس والدهشة ورفع الحواجب ووزم الشفاه. وكذلك العصب السادس هو المسؤول عن حركة العين الجانبية، أن تنظر يمينا ويسارا دون تحريك رأسك.

لكن عندما يغيب هذان العصبان، تصاب عضلات الوجه بشلل تام. النتيجة هي وجه يبدو وكأنه يرتدي قناعا ثابتا طوال العمر. لا يستطيع الشخص المصاب بمتلازمة موبيوس أن يبتسم حتى لو أراد ذلك بكل قوته. ولا يستطيع أن يقطب جبينه غضبا. وأحيانا يواجه صعوبة بالغة حتى في إغلاق عينيه للنوم أو الرمش، مما يسبب جفافا مزمنا للعين.

أكثر من مجرد ابتسامة ضائعة

قد يظن البعض أن مشكلة متلازمة موبيوس تكمن فقط في الشكل الجمالي أو عدم القدرة على الابتسام. لكن التحديات اليومية أعمق وأقسى بكثير مما نتخيل. حسب موقع  المعاهد الوطنية للصحة الأمريكية.

الأطفال الذين يولدون بهذه المتلازمة غالبا ما يعانون في شهورهم الأولى من صعوبات شديدة في الرضاعة والبلع. لأن عضلات الفم والشفاه ضعيفة أو مشلولة. وكثير منهم يتأخر في الكلام أو يعاني من مشاكل في النطق. لأن نطق الحروف يتطلب حركة مرنة للشفايف واللسان. مما يجعل الآخرين يظنون خطأ أن لديهم إعاقة ذهنية أو تأخرا عقليا.

وهنا يجب أن نضع خطا أحمر عريضا. فالذكاء لدى مصابي متلازمة موبيوس طبيعي تماما. هم يفهمون ويفكرون ويبدعون ويحللون الأمور مثل أي شخص آخر. بينما المشكلة ليست في العقل، المشكلة في واجهة العرض.

قبل وبعد عامين من عملية زرع عضلة الرقيقة واستبدال وزن الجفن العلوي في حالة موبيوس
قبل وبعد عامين من عملية زرع عضلة الرقيقة واستبدال وزن الجفن العلوي في حالة موبيوس

الجريمة الاجتماعية والاتهامات الجائرة

نحن نعيش في عصر الصورة. الدراسات تقول إن أكثر من 70% من تواصلنا البشري يعتمد على لغة الجسد وتعبيرات الوجه، وليس الكلمات. الابتسامة هي جواز المرور الاجتماعي، وتقطيب الجبين هو جرس الإنذار.

تخيل الآن شخصا يعيش بدون هذه الأدوات تماما. كيف يراه المجتمع؟ هنا تكمن المأساة الحقيقية لأصحاب متلازمة موبيوس. إنهم يتعرضون يوميا لسلسلة من الأحكام المسبقة الظالمة:

تهمة الغرور

عندما تلقي التحية على شخص ولا يبتسم لك، تترجم عقلك هذا فورا على أنه تكبر.

تهمة البرود

عندما تحكي مأساة ولا تظهر علامات التأثر على وجه المستمع، تظن أنه بلا قلب.

تهمة الغباء

عندما يحرك الشخص رأسه بالكامل لينظر إليك لأنه لا يستطيع تحريك عينيه مع فم مفتوح قليلا (بسبب ضعف العضلات)، يربط الناس هذا المظهر بضعف الفهم. حسب مستشفى كليفلاند كلينك.

هؤلاء الأشخاص لا يعانون من المتلازمة بقدر ما يعانون من أمية المجتمع في قراءة وجوههم. التنمر في المدارس يكون قاسيا ومدمرا، والعزلة في أماكن العمل تصبح خيارا إجباريا للهروب من نظرات الاستغراب أو الشفقة.

في اليوم العالمي لمتلازمة موبيوس، رسالتنا في جسور ليست طبية، بل هي دعوة لإعادة تعلم أبجديات التواصل. إذا كانت الابتسامة العضلية غائبة، فهناك ألف طريقة أخرى يخبرك بها هذا الشخص أنه يحبك أو أنه سعيد.

كيف تقرأ شخصا مصابا بمتلازمة موبيوس؟

أنصت لنبرة الصوت: الصوت لا يكذب. الضحكة المسموعة، ونبرة الحماس، ورجفة الحزن في الصوت، كلها بدائل قوية لتعبيرات الوجه المفقودة.

انظر في العين مباشرة: حتى لو لم تتحرك العين يمينا ويسارا، فإن بريق العين واتساع الحدقة هي لغة عالمية للمشاعر لا يمحوها الشلل.

لغة الجسد: انتبه لحركة الأيدي، ووضعية الجلوس. الشخص المتحمس يميل بجسده نحوك، والشخص المنزعج ينكمش.

اسأل بوضوح: توقف عن الافتراض. إذا كنت في شك من شعوره، اسأله ببساطة: ما هو شعورك تجاه هذا الأمر؟. هذا السؤال يريحه جدا ويعفيه من عبء محاولة التصنع.

رسالة إلى كل أم وأب

إذا رزقتم بطفل من أبطال متلازمة موبيوس، اعلموا أنكم أمام مهمة عظيمة ولكنها ليست مستحيلة. دوركم ليس فقط علاجيا، بل هو بناء درع ثقة لهذا الطفل.

علموه أن ابتسامته في قلبه. علموه أن يعبر عن مشاعره بالكلمات الواضحة: أنا سعيد جدا الآن، أنا غاضب منك. اللفظ هنا هو بديل الحركة. والأهم، لا تضغطوا عليه ل يضحك للصورة في المناسبات العائلية، فهذا الطلب البسيط قد يكون خنجرا في قلبه يذكره بعجزه. دعوه يكون نفسه.

طالع: إعاقات متفرقة ومرض واحد.. رحلة اكتشاف «متلازمة آشر» المجهولة

في الختام، يمر علينا يوم 24 يناير ليذكرنا بنعم نغفل عنها، نعمة أننا نملك وجوها تتكلم دون أن ننطق. لكنه يذكرنا أيضا بأن الإنسانية أوسع من مجرد ملامح.

أصحاب متلازمة موبيوس يعلموننا درسا بليغا في الصدق. هم لا يستطيعون تزييف ابتسامة مجاملة كما نفعل نحن طوال اليوم. هم حقيقيون جدا، ومشاعرهم خام وصادقة.

اليوم، دعونا نكف عن الحكم على الناس من أغلفة وجوههم. دعونا نبحث عن الابتسامة في أرواحهم، وعن الدفء في كلماتهم. فكم من وجه ضاحك يخفي خلفه شيطانا، وكم من وجه جامد يخفي خلفه ملاكا محبا للحياة، لكنه فقط.. ينتظر من يفهمه.

المقالة السابقة
الشارقة توفّر وظائف جديدة لذوي الهمم عبر شراكة مجتمعية
المقالة التالية
مصر تنظم يوماً ترفيهياً لذوي الهمم ضمن مبادرة قادرون باختلاف بحدائق العاصمة