ناجي شحاتة لـ«جسور»: على المسرح أنسى شكلي.. وهذا سلاحي ضد التنمر

 ناجي شحاتة لـ«جسور»: على المسرح أنسى شكلي.. وهذا سلاحي ضد التنمر

المحرر: محمود الغول - مصر
 ناجي شحاتة

في زحام الوجوه التي تمر علينا عبر الشاشات، قلة فقط تنجح في ترك بصمة لا تمحى من المشهد الأول. في الواقع، لم يكن ظهور الفنان المصري ناجي شحاتة في مسلسل «جولة أخيرة» أو دوره المميز مؤخرا في مسلسل «لا ترد ولا تستبدل» مجرد ظهور عابر لممثل من «قصار القامة»، بل كان إعلانا عن موهبة ناضجة مثقفة، وتعرف جيدا كيف تسرق الكاميرا بتلقائية مدهشة.

ناجي شحاتة ليس مجرد ممثل، بل هو مربي أجيال قضى 28 عاما في تدريس اللغة الفرنسية قبل أن يقرر في سن الحادية والخمسين أن يغامر بكل شيء لأجل «النداهة». في هذا الحوار الخاص لـ«جسور» نغوص في عقل وقلب هذا الفنان الاستثنائي، لنعرف كيف حول التنمر إلى وقود، وكيف يختار أدواره بذكاء «الجواهرجي».

ناجي شحاتة وبداية الشغف

جسور: ناجي شحاتة، الاسم الذي عرفه الجمهور بابتسامته وتلقائيته..متى شعرت لأول مرة أن بداخلك «فنان» يريد الخروج للنور؟ وهل كان المسرح هو حبك الأول؟

ناجي شحاتة: الحقيقة أن أول مرة شعرت فيها أن المسرح طريق ساحر ومختلف كانت في تجربتي الأولى وأنا طالب في الصف الأول الثانوي بمدرسة ليسيه الحرية. وقتها، قدمنا مسرحية باللغة الفرنسية، وكان المخرج فرنسيا، وكانت مسرحية (البخيل) لموليير.

في تلك اللحظة، انبهرت بشدة من رد فعل الناس وتصفيقهم الحار لي، رغم أنني لم أكن أشعر أنني قدمت شيئا خرافيا. لكن وقع هذا التصفيق كان عظيما علي، لأنني في تلك الفترة كنت أعاني من أزمة ثقة بالنفس بسبب شكلي وجسمي. اكتشفت حينها أنني على المسرح أنسى شكلي تماما، وأتحول إلى طاقة تمثيلية يباركها الجمهور، وكان هذا أول اكتشاف لسحر المسرح وقررت تكرار التجربة.

مغامرة العمر.. استقالة في الخمسين

جسور: كيف كان رد فعل المقربين منك عند ما قررت دخول عالم التمثيل؟ وهل وجدت دعما فوريا أم كان عليك القتال لإقناعهم بموهبتك؟

ناجي شحاتة: لقد دخلت عالم التمثيل بشكل احترافي متأخرا جدا، وتحديدا وأنا في سن ال 51 عاما، بعد استقالتي من عملي كمدرس لغة فرنسية لمدة 28 عاما. طوال فترة التدريس، كنت أمارس الفن من خلال مسرحيات قصيرة أو أفلام قصيرة في أوقات فراغي، وكان هناك دعم لطيف من والدتي وأصدقائي الذين رأوا في ذلك تسلية لي. ولكن، عندما اتخذت القرار المصيري بالاستقالة للتفرغ للفن، كان الوضع مختلفا. للأسف، كانت والدتي في مراحل متأخرة من ألزهايمر ولم تدرك القرار، أما الشخص الوحيد الذي شعر بالخوف والصدمة كان أخي الأكبر. كان يرى أن هذا القرار متهور، خاصة في هذا السن (51 و53 عاما وقتها). لكنني كنت مصمما، ولم أرد أن أعيش وأنا نادم على عدم تجربة الطريق الذي أحبه، فتركت الوظيفة ولم يحجر علي أحد.

الفنان المصري ناجي شحاتة
الفنان المصري ناجي شحاتة

صناعة «تاريخ» للشخصية

جسور: أنت كفنان لك بصمة، كيف تتعامل مع السيناريوهات التي تعرض عليك؟ وهل رفضت أدوارا شعرت أنها تحاول حصرك في قوالب نمطية تعتمد على الشكل والهيئة فقط؟

ناجي شحاتة: حاليا، وبحكم أنني في بداية طريقي الاحترافي، معظم الأدوار التي تأتيني تكون مشاهد صغيرة. ومع ذلك، التحدي بالنسبة لي هو أن أترك بصمة. لذلك، عندما أقرأ السيناريو، حتى لو لم يكتب المؤلف تاريخا للشخصية، أقوم أنا برسم تاريخ لها: من هو؟ ماذا يحب؟ وما هي خلفيته؟ هذا يساعدني جدا في الأداء.

أما عن الرفض، فهناك بالفعل جمل أو مشاهد قد أعترض عليها. تحديدا إذا كان المشهد يحتوي على سخرية فجة من شكلي أو قصر قامتي (تريقة). في هذه الحالة، أعترض وأقول إنني لا أحب قول هذه الجملة، وعادة ما يتقبل المخرجون ذلك بصدر رحب، أو نقوم بتعديلها لتكون ألطف، حسب سياق الدراما واحتياج المشهد.

بين الشر والواقعية

جسور: بين الكوميديا والتراجيديا، أين يجد ناجي شحاتة نفسه أكثر؟ وما هي الشخصية التي تتمنى أن يغامر مخرج كبير ويسندها لك لتفجر طاقاتك التمثيلية؟

ناجي شحاتة: أظن أنني أميل أكثر للواقعية. الكوميديا صعبة جدا، وتحتاج لورق مكتوب بحرفية عالية، وهذا حدث معي مرة واحدة في مسرحية (الملك أوبو). لذلك، أفضل المدرسة الواقعية عن التراجيديا المطلقة.

عن أدوار الحلم، فقد قمت بأدوار غامضة أو شريرة، وأشعر أنني أجيد هذه المنطقة.  الدور الذي أحلم به هو شخصية مركبة؛ شخص ناجح جدا في مجاله ويفرض احترامه، وفي نفس الوقت يحمل جوانب طيبة وأخرى شريرة. أريد أن ألعب دورا يظهر الخير والشر بداخلنا، بعيدا عن القوالب الجاهزة .

جسور: صرحت سابقا بمرارة عن تعرضك لمواقف سخيفة.. كيف بنيت هذا الجدار النفسي الصلب الذي يجعلك تتجاوز الكلمات الجارحة وتكمل طريقك؟

ناجي شحاتة: «أمام التنمر والتعليقات السخيفة، يكون لدى الإنسان خياران: إما أن ينغلق على نفسه ويجلس في البيت، أو يتعامل مع الأمر بوعي. أنا اخترت المواجهة. عندما أجد شخصا يتنمر، أواجهه وأتحدث معه، وأشرح له أن شكلي القصير هو مسألة وراثية وعائلية.

اكتشفت أن المواجهة الهادئة والشرح يجعلان الطرف الآخر يزداد احتراما لي، وبهذا ينتهي التنمر تماما.  الناس عندما ترى الشخص متسامحا مع نفسه، واثقا، وقادرا على التعبير، يتغير حكمهم عليه فورا. في الشارع، أحيانا أسد أذني وأتجاهل، وأحيانا أقف وأتكلم بحزم، حسب الموقف.

لحظة الانكسار والانتصار

جسور: ما هو أصعب موقف واجهته إنسانيا وحولته بداخلك من انكسار إلى وقود للنجاح وإثبات الذات؟

ناجي شحاتة: أصعب موقف كان في عام 2016، عندما حدث خلاف كبير ومهين مع مدير المدرسة التي كنت أعمل بها وتربيت فيها. كان الموقف قاسيا جدا إنسانيا، وشعرت أنه لابد من اتخاذ موقف، فقررت الاستقالة والخروج من منطقة الأمان (Comfort Zone) دون أن أعرف إلى أين أذهب.

صممت وقتها أن القادم سيكون أفضل، وأنني سأنجح. وبالفعل، في اليوم التالي مباشرة وجدت عملا في مدرسة أخرى، وبعدها ركزت في الفن. وجاء الانتصار الحقيقي عندما حصلت على جائزة (أفضل ممثل) في مسابقة الأفلام المصرية الطويلة بمهرجان الإسكندرية لدول البحر المتوسط (الدورة 41). كانت هذه الجائزة هي رد الاعتبار الأكبر، وإثبات للجميع ولنفسي أنني سأنجح في مجالي الجديد.

نحتاج للكثير من الوعي

جسور: بعيدا عن الكاميرات، هل ترى أن الشارع المصري والخدمات العامة أصبحت أكثر تفهما لاحتياجات البعض من ممن يعانون بدنيا.. أم ما زلنا نحتاج لوعي أكبر؟

ناجي شحاتة: بصراحة ودون تجميل، ما زال أمامنا طريق طويل جدا جدا. بمقارنة الوضع بما رأيته في أوروبا أثناء سفري، نحن في مصر ما زلنا نحتاج لعمل كبير فيما يخص ذوي الاحتياجات الخاصة أو المختلفين جسديا.

الأمر يشمل كل شيء: طريقة عبور الشارع والأرصفة توفر المصاعد في المصالح الحكومية، وحتى الملابس المناسبة. نحن بحاجة للتركيز على هذه البديهيات لكي يستطيع الشخص المختلف أن يعيش حياته دون أن يشعر أنه في أزمة مستمرة».

جسور: في كواليس الأعمال الفنية، من هو النجم أو المخرج الذي تعامل معك كفنان محترف وزميل وشعرت معه بتقدير حقيقي لموهبتك؟

ناجي شحاتة: هناك أسماء لا أنساها. على رأسهم الفنان آسر ياسين، هو أكثر من آمن بي وشجعني عندما رآني أمثل عام 2013 في مسرحية (لا مفر) بمهرجان الشباب المبدع بالمركز الثقافي الفرنسي. قال لي وقتها:(يجب أن تترك التدريس وتركز في التمثيل، عندك شيء غير موجود في السينما المصرية، وكاريزما خاصة، جهز نفسك بالأدوات والورش). كلامه كان أكبر دافع لي.

طالع: الطفلة لين تُبكي الملايين في «لا ترد ولا تستبدل».. عندما تكون الإعاقة نقطة الانطلاق

أيضا المخرجة الرائعة مريم أبو عوف في مسلسل (لا ترد ولا تستبدل) كانت داعمة جدا وواثقة في قدراتي، وكذلك المخرجة مريم أحمدي في مسلسل (جولة أخيرة). هؤلاء تعاملوا معي باحترافية، وطلبوني للأدوار دون حتى اختبارات (أوديشن) لثقتهم فيما أقدمه.

روشتة ناجي شحاتة.. خبط على الباب

جسور: ما هي النصيحة الذهبية التي تقدمها للشباب الذين يمتلكون مواهب مدفونة لكنهم يخافون من مواجهة المجتمع والخروج من عزلتهم؟

ناجي شحاتة: نصيحتي تتلخص في كلمة واحدة: تعلم. خذ ورش تمثيل، تعلم لغة، شاهد سينما مختلفة (مستقلة، قصيرة، أوروبية) وليس فقط الأفلام التجارية (الأكشن). وسع مداركك واحضر ندوات ومناقشات أفلام.

والأهم: استمر في المحاولة ولا تيأس. خبط على الباب مرة واثنين وعشرة. كما كان يقول لنا الدكتور محمد عبد الهادي: (خبط خبط خبط.. يوما ما الباب سيفتح). ويفضل أن تكون واقفا خلف الباب ومستعدا عندما يفتح لك، بدلا من أن يفتح وأنت غير جاهز.

المقالة السابقة
تقرير كندي: نظام «الموت الرحيم» يدفع ذوي الإعاقة إلى إنهاء حياتهم
المقالة التالية
مصر.. الطلاب ذوي الهمم على رأس أولويات جامعة أسوان خلال الامتحانات