في قلب التجربة الإنسانية، تقف جمعية «نور البصيرة» كنموذج حيّ لمعنى التمكين الحقيقي. حيث لا يُنظر إلى فقدان البصر كحاجز، بل كبداية لمسار مختلف من التعلم، والاندماج، والإنتاج.
ومن داخل جناح الجمعية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، التقت جسور بـ«شيماء تمام». مدرسة الفلسفة ومسؤولة الورشة الفنية والتدريب الحرفي بالجمعية. وتحدثت عن فلسفة العمل التي تقوم عليها الجمعية. مؤكدة أن الهدف الأساسي يتمثل في تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة، وجعلهم أكثر تعلّمًا وأكثر تطورًا، وأكثر اندماجًا في المجتمع.
أهداف جمعية نور البصيرة لدمج ذوي الإعاقة البصرية
ومن هذا المنطلق، تركز الجمعية على خمسة أهداف رئيسية. يأتي في مقدمتها التعليم. فالجمعية لم تكتفِ بتقديم دروس خاصة في جميع المواد الدراسية. بل ذهبت أبعد من ذلك، حين أنشأت مركزًا متخصصًا لطباعة الكتب بطريقة برايل.
ومن خلال هذا المركز، تطبع الجمعية الكتب المدرسية، والكتب العامة، بل وحتى الكتب الجامعية لطلابها. حتى يصبح الكتاب ملموسًا بين أيديهم، ولا يضطروا للاعتماد على السمع فقط. وبذلك يشعرون بالمساواة الكاملة مع الآخرين، دون أن يقف كفّ البصر عائقًا أمام طموحهم.
وفي السياق نفسه، توفر الجمعية دورات متخصصة في تكنولوجيا المساعدة، مثل البرامج الناطقة وغيرها. بما يفتح أمام المكفوفين آفاقًا أوسع للتعلم والعمل، ويمنحهم أدوات حقيقية للاستقلال.
فقد البصر لا يعني نهاية الحياة
هذه المسيرة لم تبدأ من فراغ. فكما توضح شيماء تمام، تعود فكرة تأسيس الجمعية إلى السيدة صبرين جميل. رئيسة مجلس الإدارة، التي فقدت بصرها في سن متقدمة. واصطدمت آنذاك بصعوبات حقيقية في الحصول على فرصة عمل والاندماج في المجتمع.
غير أنها، وبعد أن نجحت في تجاوز هذه التجربة، قررت أن تمد يدها لغيرها. ومن هنا وُلدت جمعية نور البصيرة، لتصبح امتدادًا لتجربة شخصية تحولت إلى رسالة عامة.ومن داخل جناج الجمعية أيضًا، يروي سامح محمد، عضو مجلس الإدارة. ومعلم اللغة العربية، ومسؤول طباعة برايل ل«جسور» قصته مع الجمعية، والتي بدأت بالمصادفة.
إذ جاء في البداية للحصول على كتب دراسية مطبوعة بطريقة برايل لابنته الكفيفة. قبل أن تعرض عليه رئيسة مجلس الإدارة العمل داخل الجمعية. ومن هنا، بدأ دوره في التدريس، وفي الإشراف على طباعة الكتب. ليصبح جزءًا أصيلًا من هذه المنظومة الإنسانية.
وعن لحظات الفرح الحقيقية، يشير سامح إلى أن أكثر ما يسعد العاملين في الجمعية هو تفوق الطلاب. ففي العام الماضي، نجح سبعة طلاب من الذين تطبع لهم الجمعية كتب برايل في أن يكونوا من أوائل الثانوية العامة. بينما ارتفع العدد هذا العام إلى عشرة طلاب، جميعهم من المتفوقين.
ورغم التكلفة العالية لطباعة كتب برايل، تواصل الجمعية توفير هذه الكتب بالمجان، وهو ما يمثل مصدر فخر وسعادة لكل العاملين فيها.

رغم النجاحات لا تزال التحديات المادية تمثل عائق
ورغم هذا النجاح، تواجه الجمعية تحديات كبيرة، يأتي على رأسها الدعم المادي. فطباعة لغة برايل تتطلب أدوات خاصة، وأوراقًا مرتفعة التكلفة، فضلًا عن أن أدوات تعليم المكفوفين نفسها غير متوفرة مثل أدوات الطالب العادي. ومع مرور الوقت، ترتفع أسعارها بشكل مستمر.
وإلى جانب ذلك، تبرز التحديات الصحية، حيث تؤكد شيماء تمام أن الأشخاص ذوي الإعاقة يكونون أكثر عرضة للأمراض. وهو ما يدفع الجمعية إلى محاولة توفير الأدوية لهم.
ورغم أن الجمعية بدأت بالفعل في عقد بروتوكولات تعاون مع المستشفيات، والعيادات، ومعامل التحاليل. إلا أن الحاجة إلى الدعم الخارجي ما زالت قائمة. كما تنظم الجمعية دورات علاجية، وتجري عمليات عيون لأعضائها بشكل مستمر.
التوعية بقضايا الإعاقة فى المناطق التى لا تصلها الخدمات
وفي إطار توسيع نطاق التأثير، استطاعت جمعية نور البصيرة افتتاح فرعين جديدين في كفر الشيخ وبلطيم. وهما من المناطق التي يقل فيها الوعي بقضايا ذوي الهمم. ولا تصل إليها الخدمات بالشكل الكافي.
ومن هنا، أطلقت الجمعية حملات توعية موجهة للأهالي، ركزت فيها على كيفية التعامل مع المكفوفين باعتبارهم أشخاصًا عاديين. وتشجيع الأسر على عدم حبس أبنائهم داخل المنازل، بل دعم اندماجهم في المجتمع والتحاقهم بالمدارس.
وبالتوازي مع ذلك، تعمل الجمعية حاليًا على عقد بروتوكولات مع شركات مختلفة، بهدف إتاحة فرص عمل حقيقية للمكفوفين بعد إنهاء تعليمهم. واستكمال برامج التدريب والتأهيل لسوق العمل.
أما من لم يتمكنوا من استكمال تعليمهم، خاصة من فقدوا بصرهم في سن متقدمة، فتقدم لهم الجمعية تدريبات حرفية متخصصة من خلال ورشها. والتي تشمل منتجات البامبو، والإكسسوارات، والمفروشات المنزلية، وأعمال الكروشيه والتريكو.
الحرص على الحضور الثقافي والمجتمعي
ولا يقتصر دور الجمعية على التعليم والتأهيل فقط، بل تحرص أيضًا على الحضور الثقافي والمجتمعي. إذ تشارك سنويًا في معرض الكتاب من خلال جناح المجلس القومي للإعاقة. وتعرض هذا العام مجموعة من الكتب المطبوعة بطريقة برايل، من روايات وقصص، إلى جانب أدوات خاصة بالمكفوفين. مثل الأقلام، والورق، والأدوات الحسابية الناطقة.
كما وفرت الجمعية ألعابًا تتيح للمكفوفين اللعب مع أصدقائهم أو إخوتهم المبصرين، في خطوة تعزز مفهوم الدمج الحقيقي.وفي جانب التوعية، قدمت رئيسة مجلس الإدارة برنامجًا تلفزيونيًا مخصصًا لقضايا المكفوفين. كما أصدرت كتابها «حين انطفأ الضوء بدأت أرى»، الذي تحكي فيه تجربتها الشخصية. مؤكدة أن فقدان البصر لا يعني نهاية الحياة، بل يمكن أن يكون بداية لرؤية أعمق.
وفي ختام هذه التجربة، تؤكد جمعية نور البصيرة حاجتها الماسة إلى دور أكبر للإعلام في إطلاق حملات توعية تغير نظرة المجتمع. وتدعو الناس للتعامل مع الشخص الكفيف باعتباره إنسانًا كامل القدرات، وإن اختلفت أدواته.
كما تشدد على ضرورة وعي أصحاب الأعمال، ودعوتهم إلى منح المكفوفين فرصة حقيقية للتجربة قبل الحكم عليهم بعدم القدرة. فالكثير منهم يمتلك قدرات استثنائية قد تفوق التوقعات.


.png)

















































