نيل دايموند.. قد يخذل الجسد الأسطورة لكن يبقى الصوت عصيا على الانكسار 

نيل دايموند.. قد يخذل الجسد الأسطورة لكن يبقى الصوت عصيا على الانكسار 

المحرر: محمود الغول - مصر
نيل دايموند

تخيل أنك تقف على قمة العالم. تحتفل بمرور خمسين عاما من المجد، الجماهير تصرخ باسمك في كل قارات الأرض. وجدول حفلاتك ممتلئ عن آخره. وفجأة، ودون سابق إنذار. يأتيك خبر طبي مقتضب يجبرك على إسدال الستار فورا. لا مجال للمكابرة ولا فرصة لوداع أخير على المسرح.

هذا السيناريو الدرامي ليس مشهدا سينمائيا. إنما هو الواقع الذي عاشه الأسطورة الأمريكية نيل دايموند. الذي يحتفل اليوم، 24 يناير بذكرى ميلاده.

نيل دايموند، صاحب الصوت الرخيم الذي شكل وجدان جيل السبعينيات والثمانينيات بأغنيات خالدة مثل Sweet Caroline. يواجه اليوم خصما لا يرحم، وهو مرض باركنسون أو الشلل الرعاش. لكن قصته التي نرويها في «جسور» ليست قصة استسلام لمرض الشيخوخة. بل هي درس بليغ في فن التقبل، وكيف يمكن للإنسان أن يعيد اختراع حياته عندما يقرر الجسد أن يغير القواعد.

 نيل دايموند  واعتزال اضطراري

في يناير 2018، وبينما كان العالم يستعد للاحتفال بالجولة الذهبية لمرور 50 عاما على مسيرة نيل دايموند» الفنية. صدر بيان صادم هز الأوساط الفنية العالمية. أعلن دايموند إلغاء ما تبقى من جولته الغنائية في أستراليا ونيوزيلندا.. والاعتزال الفوري للجولات الحية.

السبب لم يكن تعبا عاديا. كان تشخيصا طبيا بمرض باركنسون، وهو اضطراب تنكسي في الجهاز العصبي يؤثر بشكل مباشر على الحركة. وفقا للبيان الذي نشرته وسائل الإعلام العالمية حينها، كانت نصيحة الأطباء حاسمة.. الاستمرار في السفر والأداء الحي يشكل خطرا داهما على صحته.

كانت اللحظة قاسية جدا. فبالنسبة لفنان اعتاد أن يستمد طاقته من أضواء المسرح وتصفيق الجمهور. بدا هذا القرار وكأنه «حكم بالإعدام الفني». لكن ما حدث بعد ذلك كشف عن معدن هذا الرجل.

مرحلة الإنكار.. أنا لست مريضا

في مقابلات تلفزيونية لاحقة، وتحديدا مع شبكة «سي بي إس»، اعترف «نيل دايموند» بشجاعة نادرة أنه مر بفترة طويلة من «الإنكار». كان يشعر بالرجفة في يديه، وبالثقل في خطواته. وكان صوته أحيانا يخونه، لكنه رفض تصديق أن هناك خطبا ما.

كان يقول لنفسه: «أنا نيل دايموند.. أنا لا أمرض، أنا فقط متعب من السفر». هذا الإنكار هو رد فعل إنساني طبيعي جدا. خاصة عندما يرتبط المرض بشيء يهدد هويتنا ومصدر شغفنا. كان يرى التشخيص وكأنه هزيمة شخصية. أو اعتراف بالضعف لرجل ظل طوال عمره رمزا للطاقة والحيوية على المسرح.

استغرق الأمر وقتا طويلا، وعدة زيارات للأطباء، حتى وصل إلى لحظة الحقيقة. اللحظة التي أدرك فيها أن تجاهل المرض لن يجعله يختفي، بل سيجعله أقوى. هنا، بدأت رحلة التحول من المكابرة إلى المصادقة.

الحياة مع الرعشة وفلسفة التقبل

ما يميز قصة نيل دايموند مع باركنسون هو الفلسفة التي تبناها بعد الصدمة الأولى. قرر ألا يختبئ. لم ينعزل في قصره بعيدا عن الأعين خجلا من يده المرتعشة أو مشيته البطيئة. لكنه قرر أن يشارك جمهوره تفاصيل هذا الضيف الثقيل.

يقول دايموند في تصريحات ملهمة نقلتها الصحف الأمريكية: «لا يمكنك محاربة هذا الشيء.. يجب أن تتقبله. ومجرد أن تتقبله، يصبح التعامل معه أسهل بكثير».

طالع: في ذكرى ميلاده.. كيف هزم محمد علي كلاي الشلل الرعاش بالضربة القاضية؟  

هذه الجملة تلخص جوهر التعايش مع الأمراض المزمنة والإعاقات المكتسبة في خريف العمر. التقبل هنا لا يعني الاستسلام والموت البطيء، إنما يعني تكييف الحياة. بدأ دايموند في اتباع نظام صارم من الأدوية، والتمارين الرياضية المكثفة.. والأهم من ذلك، تمارين الصوت المستمرة.

لقد أدرك أن باركنسون قد يسرق منه مرونة جسده. لكنه لن يسمح له بسرقة صوته. تحول الغناء من مهنة إلى علاج. أصبح يغني يوميا ليس من أجل الجمهور. إنما من أجل الحفاظ على أوتاره الصوتية قوية في وجه المرض الذي يحاول إضعافها.

هكذا تغني الروح رغم الألم

رغم الاعتزال الرسمي للجولات، لم يتوقف نيل دايموند عن الظهور. في مشهد وصفته الصحافة بـ «المعجزة الصغيرة». فاجأ دايموند الجميع بعد التشخيص بفترة قصيرة، بظهور غير متوقع في ملعب البيسبول بمدينة بوسطن.

وقف هناك، بملابس عادية وبدون فرقة موسيقية ضخمة، وأمسك الميكروفون ليغني Sweet Caroline. في تلك اللحظة، لم يلحظ الجمهور رعشة يده، ولم يهتموا ببطء حركته، بل رأوا فقط الروح التي تأبى أن تنطفئ. غنى الملعب كله معه، في رسالة دعم جماعية تقول: «نحن نحبك كما أنت.. بمرضك، برعشتك، وبتاريخك».

هذا الظهور كان بمثابة رسالة توعية أقوى من آلاف الحملات الطبية. لقد قال للعالم عمليا.. مريض باركنسون ليس شخصا انتهت صلاحيته. إنه شخص قادر على الفرح، وعلى العطاء، وعلى الوقوف أمام الآلاف، حتى لو احتاج إلى قليل من المساعدة.

المسرحية الغنائية لنيل دايموند 

مؤخرا وتتويجا لمسيرته وصراعه الملهم، تم إطلاق مسرحية غنائية في برودواي بعنوان «ضجيج جميل». تروي قصة حياة نيل دايموند. والمثير في الأمر أن المسرحية لا تخفي حقيقة مرضه، بل تبرزها كجزء من القصة. حسب مقال نقدي بموقع mirvish.

حضر دايموند الافتتاح، ومشى على السجادة الحمراء وسط الهتافات. كان وجوده هناك، بجسده الذي أنهكه المرض وعيونه التي تلمع بالامتنان، دليلا حيا على أن «الإعاقة» قد تغير شكل الحياة، لكنها لا تمنع الاحتفاء بها.

يقول النقاد الفنيون إن دايموند تحول في سنواته الأخيرة من مجرد نجم روك إلى أيقونة إنسانية. لقد منح صوتا ووجها لملايين كبار السن الذين يعانون من أمراض الأعصاب في صمت وخجل.

في ذكرى ميلاده نيل دايموند

اليوم الشموع تتلألأ في ذكرى ميلاد نيل دايموند، فإننا نحتفل بأغانيه وبشجاعته. قصته تعلمنا دروسا نحتاجها جميعا، سواء كنا مرضى أم أصحاء. أن المرض ليس عارا، فلا تخجل من عكازك أو رعشة يدك، فهي أوسمة معركة تخوضها بشرف. وأن التقبل بداية العلاج، فلن تستطيع التعامل مع واقعك الجديد إلا إذا توقفت عن إنكاره. ون الحياة تستمر، فقد تتغير الوتيرة، قد تخفت الأضواء، لكن الموسيقى الداخلية يجب أن تستمر.

نيل دايموند، بصوته الذي تحدى الزمن والمرض، يهمس في أذن كل شخص يواجه محنة صحية.. «لست وحدك.. والأوقات الجيدة لم تنته بعد».

 

المقالة السابقة
حين تتحول المهارة إلى أمل.. حكايات من أكاديمية التأهيل البصرية لذوي الإعاقة البصرية