حديث الأصابع: هالة محفوظ أول صوت تلفزيوني للصم في الوطن العربي

حديث الأصابع: هالة محفوظ أول صوت تلفزيوني للصم في الوطن العربي

المحرر: سحر شيبة - مصر

هناك أسماء تضيء الطريق لمن بعدهم، ومن هنا تفتح أبوابًا لمجتمعات غالبًا ما تُهمل أو تُغفل. ومن بين هذه الأسماء تبرز د. هالة محفوظ، أول من قدم لغة الإشارة في الإعلام المصري والعربي. لتصبح بذلك جسرًا حقيقيًا بين الصم والعالم الخارجي. وفي الوقت نفسه مثالًا حيًا على قوة الإرادة والشغف في تحويل تجربة شخصية إلى رسالة مجتمعية ملهمة.

قصة هالة محفوظ ليست مسيرة مهنية حية فقط، بل هي أيضًا رحلة عاطفية وإنسانية عميقة بدأت منذ طفولتها. حينذاك نشأت إلى جانب صديقتها المقربة الصماء، وتعلمت لغة الإشارة على يديها. لكن رغم ذلك لم يبدأ الشغف بالعمل الإعلامي والخدمة المجتمعية فعليًا إلا حين انضمت إلى جمعية الرابطة الأخوية للصم عام 1989. وهنا تحديدًا وجدت نفسها أمام مجتمع نابض بالحياة من الباحثين والإعلاميين الصم، الذين بدورهم دعوها لتكون صوتًا إعلاميًا قويًا معهم.

بداية الرحلة مع لغة الإشارة

وفي هذا السياق، تروي الدكتورة هالة محفوظ مشوارها لــ«جسور» قائلة: «رحلتي مع الإعلام ولغة الإشارة بدأت منذ صغري. إذ نشأت إلى جانب صديقتي المقربة الصماء حنان رزق، وتعلمت على يديها أساسيات لغة الإشارة. لكن في ذلك الوقت لم أكن أعلم أن هذا التعلم سيصبح لاحقًا محور حياتي المهنية والإنسانية.

ثم جاءت الشرارة الأولى حين دخلت أكثر لعالم الصم وبدأت ببراءة الطفولة أتساءل: هو احنا ليه ما عندناش مترجم للصم في التلفزيون؟. وكان هذا السؤال البسيط وحده كافيًا لأن يثير بداخلي إحساسًا عميقًا بالمسؤولية، ويحوّل الفضول إلى التزام ورسالة».

الدكتورة هالة محفوظ في إفتتاح الرابطة الأخوية للصم
الدكتورة هالة محفوظ في إفتتاح الرابطة الأخوية للصم

«ومع مرور الوقت، تدريجيًا وجدت نفسي أول مترجمة لغة إشارة تظهر على شاشة التلفزيون المصري. كما أصبحت أتعامل مع الصم وضعاف السمع وكأنني جزء أصيل من عالمهم، محاوِلة دائمًا أن أعكس كل أفراحهم وأحزانهم».

وأضافت: «تجربتي المبكرة مع الصم جعلتني أقترب من عالمهم بشكل طبيعي. ففي النهاية المترجم ليس مجرد ناقل للكلام، بل لابد أن يعيش انفعالات المحتوى. وعلى سبيل المثال إذا كان البرنامج موجهًا للأطفال فأسلوب الترجمة يختلف تمامًا عن نشرة أخبار أو برنامج سياسي. كما أن المترجم الذي يفتقر إلى التعبير الوجهي يفقد لغة الإشارة جزءًا كبيرًا من روحها”.

انطلاق برنامج حديث الأصابع

وتابعت الدكتورة هالة محفوظ: «أذكر أن المشوار الجاد بدأ حقًا عندما انضممت إلى جمعية الرابطة الأخوية للصم عام 1989. وهناك التقيت بمجموعة مميزة من مجلس الإدارة الصم. ومن بينهم الباحثة الصماء د. حنان محسن، الذين بدورهم دعوني لأقف معهم إعلاميًا بعمق وأساهم في نقل صوتهم للعالم».

«ومن هنا كان أول إنجاز حقيقي لي مع الجمعية برنامج حديث الأصابع. الذي يُعد أول برنامج إعلامي في الوطن العربي يتم بالكامل بلغة الإشارة. كما كان حلمي الأساسي أن أجمع بين الفن والتوعية والترفيه. وكذلك أقدم حلقات غنية ومؤثرة، تُظهر قدرات الصم وإبداعهم بطريقة لم يعرفها الإعلام من قبل».

مع الدكتورة حنان محسن رئيس المؤسسة العربية للصم

وتابعت: «انطلق البرنامج عام 1990 واستمر عشرين عامًا. وبذلك كان أول برنامج متكامل بلغة الإشارة في التلفزيون المصري. كما أصبح نموذجًا عربيًا يُحتذى به. حتى إن المذيعين والمترجمين في دول أخرى اقتبسوه، إضافة إلى ذلك اهتمت به صحف محلية وعالمية».

وأوضحت: «لم أقدمه يومًا من منطلق إظهار مشاكل الصم فقط. بل على العكس أردت أن يرى المجتمع قوتهم وإبداعهم. وكذلك أن يكون البرنامج جسرًا يربط بينهم وبين الناس العاديين. بحيث يشاهد كل طرف الآخر ويتعرف على قدراته ومواهبه. وبالتالي لم يكن البرنامج مجرد محتوى ترفيهي، بل تجربة تعليمية وإنسانية ساهمت في تغيير نظرة المجتمع للصم».

أول نشرة إخبارية بلغة الإشارة

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تطورت الأحلام مع فريق الجمعية. ومن ثم بدأنا في ترجمة أول نشرة إخبارية بلغة الإشارة، لتكون خطوة غير مسبوقة تؤكد أن الوصول إلى المعلومة حق لكل إنسان. وذلك بغض النظر عن قدراته السمعية».

«ومع تراكم هذه التجارب العملية، شعرت بأنني بحاجة إلى توثيق خبرتي ومعرفتي أكاديميًا. فكان بحث الدكتوراه الخاص بي عن برنامج حديث الأصابع. والذي أتاحت لي الفرصة فيه شرح رحلتي الطويلة مع الصم. وكذلك فهمي العميق للغة الإشارة والإعلام، إلى جانب التحديات التي واجهتني خلال مسيرتي».

واليوم، وبعد إعادة افتتاح الجمعية، أعود لأضع خبرتي ومعرفتي في خدمة الصم من جديد. وذلك لأواصل رحلتي معهم، في قصة حب لا تنتهي. ولطالما كان برنامجي يُختتم بعبارتي المفضلة: “مع الحب”. لأنها ببساطة تعكس كل ما أشعر به تجاه مجتمع الصم، وحبي لعملي. وكذلك رغبتي الصادقة في أن يصل صوتهم لكل بيت في العالم».

المقالة السابقة
«ذوي الإعاقة ليسوا ناقصي أهلية» د. ياسمين مطر من معرض الكتاب: الوعي يبدأ من احترام الخصوصية