وشم برايل.. فن «سري» يكتبه المبصرون على جلودهم ولا يقرأه إلا المكفوفون 

وشم برايل.. فن «سري» يكتبه المبصرون على جلودهم ولا يقرأه إلا المكفوفون 

المحرر: محمود الغول - مصر
وشم برايل

يحل علينا غدا، الرابع من يناير، اليوم العالمي للغة برايل، تلك المعجزة التي أضاءت ظلام الملايين حول العالم. في الواقع، اعتدنا في مثل هذا اليوم الحديث عن الكتب، والمكتبات، والتقنيات المساعدة للمكفوفين. لكن، وفي عام 2026، ظهرت صيحة غريبة ومثيرة للدهشة كسرت كل القواعد التقليدية. نتحدث هنا عن ظاهرة وشم برايل Braille Tattoos، حيث قرر بعض المبصرين تحويل جلودهم إلى صفحات بارزة، ونقشوا عليها رسائل لا يمكن فك شفرتها بالعين المجردة، بل تحتاج إلى أنامل حساسة لتقرأ ما خفي تحت الجلد.  

لنستعرض الوجه الآخر لهذه اللغة، وكيف تحولت من «ضرورة» حياة للمكفوفين إلى «أيقونة» فنية سرية للمبصرين. 

ما هو وشم برايل؟ 

قبل الغوص في الأبعاد النفسية، يجب أن نفهم الطبيعة التقنية لهذا الفن الجريء. على عكس الوشم التقليدي الذي يعتمد على الحبر والرسم ثنائي الأبعاد ليراه الجميع، يعتمد وشم برايل على الملمس والبروز. بمعنى آخر، هو وشم ثلاثي الأبعاد. لتحقيق ذلك، يلجأ فنانو الوشم المحترفون إلى تقنيات معقدة مثل زرع خرزات صغيرة جدا من السيليكون أو التيفلون تحت الجلد مباشرة.

وأيضا استخدام أنواع معينة من الحبر وتمرير الإبرة بطريقة تخلق ندبات بارزة تشكل نقاط برايل الست الشهيرة. النتيجة هي نص مخفي لا يراه الناظر إلا كبثور صغيرة، لكنه يحمل معنى عميقا لمن يلمسه. وفق موقع Tattoo Do.

لم تكن هذه الفكرة وليدة اللحظة، بل لها جذور في عالم الفن المفاهيمي. استنادا إلى مشاريع سابقة لمصممين مثل الفنانة كلارا جيركوفا، التي طرحت مفهوما ثوريا لوشم يمكن للمكفوفين «رؤيته» بلمسهم. في هذا السياق، كان الهدف هو دمج المكفوفين في عالم الفنون البصرية الذي غالبا ما يقصيهم. من ناحية أخرى، تطور الأمر ليصبح «تريند» بين المبصرين الذين وجدوا في نقاط برايل جمالية بصرية مينيمال وجاذبية غامضة. 

لماذا قد يرغب شخص مبصر في كتابة جملة لا يستطيع هو نفسه قراءتها بعينيه؟ أحد الأسباب الرئيسية هو الرغبة في الخصوصية والسرية المطلقة. حيث يعتبر وشم برايل بمثابة «شفرة» علنية. تخيل أن يكتب شخص كلمة «أحبك» أو «حرية» أو اسم شخص عزيز على ذراعه بنقاط بارزة. بالنسبة للعامة، هي مجرد نقاط ديكورية، لكن بالنسبة لصاحب الوشم، هي سر لا يشاركه إلا مع فئة نادرة جدا (المكفوفين أو العارفين باللغة). هذا النوع من الغموض يمنح الوشم قيمة عاطفية مضاعفة. 

  دافع التضامن والحب 

في زاوية أخرى، نجد أن المحرك لكثير من هذه الأوشام هو الحب الخالص. في كثير من الحالات، يقوم آباء أو أمهات لأطفال مكفوفين، أو شركاء حياة لأشخاص فقدوا بصرهم، بعمل وشم برايل. الهدف هنا ليس الزينة، بل التواصل. عندما يلمس الطفل الكفيف ذراع والده ويقرأ اسمه أو كلمة تشجيعية بارزة، تتلاشى الحواجز بين عالمي «النور والظلام». يصبح الجسد هنا وسيطا للتواصل الحسي المباشر، ورسالة تقول: «أنا أتحدث لغتك، حتى بجسدي». 

يغير هذا النوع من الوشم مفهومنا عن «لغة الجسد» تماما. في العادة، الوشم مصمم ليتم النظر إليه من مسافة. أما وشم برايل، فهو يكسر حاجز المسافة ويفرض «الحميمية». لكي تقرأ الوشم، يجب أن تلمس الشخص. هذا الشرط يخلق نوعا من القرب الجسدي والثقة التي نادرا ما نجدها في الفنون الأخرى. لذلك، غالبا ما توضع هذه الأوشام في أماكن مثل المعصم، الرقبة، أو الأصابع، وهي أماكن يسهل الوصول إليها باللمس في لحظات العناق أو المصافحة. 

شخص نقش بشكل بارز وشم برايل على ذراعه
شخص نقش بشكل بارز وشم برايل على ذراعه

تحديات ومخاطر طبية 

من الضروري التنويه إلى أن هذا النوع من الفن لا يخلو من المخاطر. وفقا لمواقع طبية متخصصة في الجلدية والتجميل، فإن زراعة أجسام غريبة تحت الجلد  لتكوين النقاط قد تسبب ردود فعل تحسسية أو رفضا مناعيا للجسم. علاوة على ذلك، فإن تقنية إحداث الندبات لتكون بارزة تتطلب مهارة عالية جدا لضمان عدم حدوث تشوه أو عدوى. لذا، فإن من يقبل على وشم برايل غالبا ما يكون مدفوعا برغبة قوية جدا تتجاوز الخوف من الألم. وفق موقع Medical News Today .

ومع انتشار هذه الظاهرة، برزت بعض الأصوات النقدية. تساءل البعض: هل يحق للمبصرين استخدام لغة صممت خصيصا للمكفوفين كنوع من الإكسسوار؟ من وجهة نظر بعض النشطاء الحقوقيين، قد يبدو الأمر تسليعا لمعاناة الآخرين. لكن، وعلى الجانب الآخر، يرى الكثير من المكفوفين في ذلك نوعا من «الاحتفاء» و»التطبيع» مع لغتهم. حيث أن وجود حروف برايل على أجساد المشاهير أو العامة يثير الفضول ويدفع الناس للسؤال والتعلم، مما يصب في النهاية في مصلحة التوعية بقضايا الإعاقة البصرية. 

بعيدا عن المعاني العميقة، يتمتع وشم برايل بجاذبية بصرية خاصة جدا. بما أن التصميم يعتمد على نقاط هندسية بسيطة، فإنه يتماشى مع صرعات الموضة الحديثة التي تميل للبساطة والتجريد. يرى فنانو الوشم أن نقاط برايل توفر توازنا بصريا مريحا للعين، وتفتح مجالا للإبداع في تنسيق النقاط وتوزيعها على مساحات الجسد المختلفة. 

قصص واقعية عن وشم برايل

تمتلئ منصات التواصل الاجتماعي مثل إنستجرام وبينتريست بصور لأشخاص خاضوا هذه التجربة. على سبيل المثال، هناك قصة لشاب وشم تاريخ وفاة والدته الكفيفة بطريقة برايل على قلبه، ليتمكن من تحسس ذكراها كلما وضع يده على صدره. ومثال آخر لفتاة وشمت كلمة «تنفس» ببرايل على معصمها، لتذكر نفسها بالهدوء في نوبات الهلع، مستخدمة ملمس النقاط كأداة للتهدئة الحسية. 

المفارقة الكبرى التي نناقشها في يوم برايل العالمي هي تحول «الوظيفة» إلى «فن». في الأساس، اخترع لويس برايل هذه النقاط لتكون وسيلة عملية للقراءة والكتابة. لم يكن يدور في خلده يوما أنها ستصبح زينة على الأجساد. هذا التحول يثبت أن اللغات الحية تتطور وتخرج عن سيطرة مخترعيها لتأخذ أشكالا جديدة غير متوقعة. 

طالع: اليوم العالمي للغة برايل يفتح النقاش حول إدماج المكفوفين في الجزائر

يمثل هذا الوشم رسالة غير مباشرة لمجتمع المكفوفين. مفادها أن لغتكم جميلة، ولها حضور، وأنها ليست مجرد وسيلة للتعلم، بل يمكن أن تكون وسيلة للجمال أيضا. عندما يلتقي كفيف بشخص يضع وشم برايل، يحدث موقف طريف ومؤثر: الكفيف هو الخبير الوحيد القادر على فك الشفرة، بينما يقف المبصرون عاجزين. هنا تنقلب موازين القوة، ويصبح الكفيف هو المبصر الوحيد للمعنى. 

  الجسد يتحدث لغات أخرى 

في الختام، ونحن نحتفل بإرث لويس برايل، علينا أن ننظر لظاهرة وشم برايل بعين التقدير والدهشة. سواء اعتبرناها صرعة فنية أو رسالة تضامن، فإنها تنجح بلا شك في وضع لغة برايل تحت الضوء أو تحت الجلد. إنها تذكير دائم بأن التواصل البشري لا يعتمد فقط على ما نراه، بل يعتمد بعمق على ما نشعر به ونلمسه. لعل هذه النقاط البارزة على الجلد تكون جسرا صغيرا يربط بين عالمين عاشا منفصلين لفترة طويلة. لكن مع ذلك وجب التحذير لأسباب صحية وطبية بحتة.

. 

المقالة السابقة
اليوم العالمي للغة برايل يفتح النقاش حول إدماج المكفوفين في الجزائر
المقالة التالية
من بديل هاري بوتر إلى صوت للتمكين.. قصة ديفيد هولمز مع الشلل الرباعي