17 ولاية ترفض التراجع.. دعوى قضائية تهدد بنسف «حقوق المعاقين» الصحية في أمريكا  

 17 ولاية ترفض التراجع.. دعوى قضائية تهدد بنسف «حقوق المعاقين» الصحية في أمريكا  

المحرر: محمود الغول - مصر
حقوق المعاقين الصحية

بينما تسعى السلطات الفيدرالية لتهدئة الأوضاع، يلوح في الأفق خطر حقيقي. تهدد دعوى قضائية مستمرة بنسف تحديثات قانونية حيوية لحماية حقوق ذوي الإعاقة في الولايات المتحدة. وتحديدا، تلك المتعلقة بمنع التمييز ضدهم في قطاع الرعاية الصحية.

في الواقع، تقود ولاية تكساس تحالفا من 17 ولاية أمريكية في هذه المعركة. والهدف الظاهر هو الاعتراض على بند يخص اضطراب الهوية الجنسية. لكن الخطر الحقيقي يكمن في إسقاط القانون برمته.

تأتي هذه التحركات في وقت حرج جدا . حيث تحاول وزارة الصحة والخدمات الإنسانية تعديل اللوائح لإنقاذ الموقف. ومع ذلك، ترفض الولايات سحب الدعوى، مما يترك ملايين المعاقين في مهب الريح.

علاوة على ذلك، يحذر الخبراء من أن استمرار هذه الدعوى يجمد الحقوق المكتسبة. فالمستشفيات قد تتوقف عن توفير التجهيزات المتاحة خوفا من الملاحقة القانونية. وبالتالي، يدفع ذوو الإعاقة ثمن صراعات سياسية لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

حقوق المعاقين والمادة 504

لفهم حجم الكارثة، يجب أن نعرف أولا ما هي المادة 504 من قانون إعادة التأهيل. ببساطة، هي الدرع القانوني الذي يحمي ذوي الإعاقة من التمييز. وتحديدا في أي برنامج يتلقى تمويلا فيدراليا، مثل المستشفيات. وفق موقع ديسابيلتي سكوب، والذي يعتبر أهم منظمة إخبارية في أمريكا مخصصة لتغطية الإعاقات التنموية.

في عام 2024، قامت إدارة بايدن بتحديث هذه اللوائح بشكل جذري. ونصت التحديثات على ضرورة توفير معدات طبية يسهل الوصول إليها. مثل طاولات الكشف القابلة للتعديل، وأجهزة الأشعة المناسبة للكراسي المتحركة.

إضافة إلى ذلك، حظرت التحديثات اتخاذ قرارات العلاج بناء على تحيزات ضد الإعاقة. وهذا يعني منع الأطباء من حرمان مريض من علاج معين فقط لأنه معاق. وهذا يعد انتصارا كبيرا لحقهم في الحياة.

كما شملت القواعد الجديدة حماية الحق في زراعة الأعضاء دون تمييز. وضمان عدم إجبار المعاقين على العيش في مؤسسات إيوائية. بل دعم حقهم في العيش المستقل داخل المجتمع.

لذلك، فإن أي تهديد لهذه المادة هو تهديد مباشر لجودة حياة هؤلاء الأشخاص. فبدونها، قد يعودون لعصور الإهمال الطبي والحرمان من الخدمات الأساسية. وتلك هي الكارثة التي يخشاها النشطاء.

الجدل حول اضطراب الهوية الجنسية

لكن، ما الذي أشعل فتيل هذه الأزمة؟ السبب هو فقرة وردت في مقدمة القواعد الجديدة لعام 2024. أشارت هذه الفقرة إلى أن اضطراب الهوية الجنسية Gender Dysphoria قد يصنف كإعاقة.

استغلت ولاية تكساس و16 ولاية محافظة أخرى هذه النقطة لرفع دعوى قضائية. وزعموا أن هذا التفسير يخالف القوانين الفيدرالية والدستور. وبالتالي، طالبوا المحكمة بوقف العمل بالقواعد الجديدة بالكامل.

في المقابل، تحاول وزارة الصحة الحالية نزع فتيل الأزمة. حيث اقترحت تعديل اللوائح لتوضيح أن اضطراب الهوية الجنسية لا يعتبر إعاقة. وبررت ذلك بوجود ارتباك كبير سببه النص السابق.

وصرحت الوكالة بأنها تهدف لإصلاح اللغة غير الصحيحة لضمان عدم الاعتماد عليها خطأ. وهي محاولة واضحة لاسترضاء الولايات الغاضبة ودفعها لإسقاط الدعوى. لكن، هل نجحت هذه المناورة؟

الولايات ترفض التراجع.. الخطر قائم

رغم التنازلات التي قدمتها وزارة الصحة، ما زال الموقف متأزما. فقد أصدرت الوزارة إشعارا بعدم قابلية تنفيذ الجزء الخاص بالهوية الجنسية. وطرحت القاعدة الجديدة للتعليق العام حتى 20 يناير.

ومع ذلك، لم تسحب الولايات ال 17 دعواها القضائية حتى الآن. وفي تقرير قدم لمحكمة تكساس الأسبوع الماضي، طلبت الولايات إبقاء القضية معلقة فقط. وهذا يعني أن السيف لا يزال مسلطا على رقبة القانون.

يحذر الحقوقيون من أن هذا التعليق لا يعني الأمان. فما دامت الدعوى قائمة، فإن التهديد بإلغاء تحديثات 2024 يظل مستمرا. لأن الشكوى الأصلية تسعى لإبطال اللوائح بمجملها، وليس فقط جزء الهوية الجنسية.

وبالتالي، فإن استمرار وجود دعوى قضائية تهدد حقوق المعاقين يخلق حالة من عدم اليقين. فالمؤسسات الصحية قد تتردد في الاستثمار في المعدات المتاحة. والسبب هو عدم وضوح الرؤية القانونية للمستقبل.

الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب يوقع قانون ADAفي حديقة البيت الأبيض عام 1990، وبجانبه الحقوقي جوستين دارت
الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب يوقع قانون ADAفي حديقة البيت الأبيض عام 1990، وبجانبه الحقوقي جوستين دارت

تحذيرات الخبراء.. الكل في خطر

في هذا السياق، أعربت أليسون باركوف، الأستاذة بجامعة جورج واشنطن، عن قلقها البالغ. وقالت: حتى ترفض الولايات دعواها، فإنها تظل تهديدا لتحديثات المادة 504 لعام 2024.

وأكدت باركوف، التي قادت إدارة الحياة المجتمعية سابقا، أن الشكوى شاملة. فهي لا تستهدف جزءا صغيرا، بل تستهدف المنظومة الحقوقية الجديدة بالكامل. وهذا ما يجعل الوضع خطيرا للغاية.

من جانبها، قالت ماريا تاون، رئيسة الجمعية الأمريكية للأشخاص ذوي الإعاقة: إن الدعوى ما زالت سحابة تخيم على الحماية القانونية. وأضافت أن التهديد مستمر طالما لم يتنازل المدعون العامون عن القضية.

وأوضحت تاون أن اللوائح المهددة تشمل حقوقا جوهرية لا علاقة لها بالجدل السياسي. مثل الحق في التواصل الفعال (للمكفوفين والصم)، والحماية في نظام رعاية الأطفال. وكل هذه الحقوق أصبحت الآن رهينة للصراع.

ردود فعل غاضبة من المجتمع الحقوقي

على صعيد آخر، أثار اقتراح إدارة ترامب  غضب مجموعات الحقوق المدنية. حيث انتقدت عدة منظمات سعي الإدارة لإلغاء حماية المتحولين جنسيا من ذوي الإعاقة.

أصدر تحالف من المنظمات الكبرى بيانا شديد اللهجة. ضم التحالف الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية ومركز بازلون لقانون الصحة العقلية. وأكدوا أن منع الرعاية بسبب اضطراب الهوية الجنسية قد ينتهك المادة 504 بالفعل.

يرى هؤلاء النشطاء أن التراجع عن حماية فئة معينة يفتح الباب للتمييز. فالحقوق لا تتجزأ، ولا يجب التضحية بمجموعة لإرضاء أخرى. وهذا الموقف يزيد من تعقيد المشهد القانوني والأخلاقي.

علاوة على ذلك، يخشى النشطاء من أن يكون هذا التنازل مجرد بداية. فإذا نجحت الولايات في فرض رأيها هنا، قد تطالب بإلغاءات أخرى. وقد يطال الأمر التزامات الإتاحة المكلفة ماديا للمستشفيات.

ما الولايات المشاركة؟

من المهم معرفة حجم التحالف الذي يقف خلف هذه الدعوى. فبجانب تكساس قائدة التحالف، تشارك 16 ولاية أخرى. وهي ألاسكا وألاباما وأركنساس وفلوريدا وجورجيا و إنديانا وأيوا و كانساس.

وتضم القائمة أيضا ولايات لويزيانا و ميسوري و مونتانا ونبراسكا وساوث كارولينا. بالإضافة إلى ساوث داكوتا ويوتا ووست فرجينيا. ويلاحظ أن جميعها ولايات ذات توجه محافظ تقليديا.

طالع: جيل يشيخ لأول مرة.. كيف تواجه مؤسسات الرعاية تحدي «شيخوخة ذوي الإعاقة»؟  

في مرحلة سابقة، أثارت هذه الدعوى رد فعل عنيفا العام الماضي. لأن الولايات حاولت الطعن في دستورية المادة 504 نفسها بشكل كامل. لكنها تراجعت لاحقا عن هذا الادعاء الدستوري الواسع . وفق موقع ديسابيلتي سكوب.

ومع ذلك، يشير تاون إلى نقطة هامة جدا. وهي أن كل واحد من المدعين العامين ال 17 لا يزال جزءا من الدعوى. وهذا يعني أن الإصرار السياسي على المواجهة ما زال قويا ومتماسكا.

حقوق معلقة بقرار سياسي

في النهاية، يظل مصير ملايين المعاقين معلقا بقرار سياسي وقضائي. فبينما تتصارع الأفيال السياسية في أروقة المحاكم، يعاني العشب من تحتها. والعشب هنا هم المرضى الذين يحتاجون لطاولة كشف أو لغة إشارة.

واستمرار وجود دعوى قضائية تهدد حقوق المعاقين هو أمر خطير. فالصحة حق إنساني أصيل لا يجب أن يخضع للمساومات الحزبية. ويجب فصل الخدمات الإنسانية عن الصراعات الأيديولوجية.

المقالة السابقة
«قوة ذوي الإعاقة».. كتاب يوثق قصص الصمود خلال عاصفة تكساس الشتوية
المقالة التالية
مرآة لواقع جديد.. كيف تواجه مؤسسات الرعاية تحدي «شيخوخة ذوي الإعاقة»؟