في مثل هذا اليوم، الموافق 17 يناير 1942، ولد أسطورة الرياضة العالمية محمد علي كلاي. وهو ليس ملاكم فاز بالألقاب داخل الحلبة فحسب. إنما أيضا كان مقاتلا استثنائيا في معركة أخرى أكثر شراسة خارجها.
تحديدا، واجه كلاي خصما لا يرحم، وهو مرض الشلل الرعاش (باركنسون). ومع ذلك، لم يرفع الراية البيضاء أمام هذا الابتلاء الصحي القاسي. لكنه حول إصابته إلى رسالة أمل وصمود لكل ذوي الإعاقة.
معركة محمد علي كلاي الأصعب
في الواقع، يتذكر العالم كلاي بقبضته الحديدية ولسانه الفصيح. لكن الملايين من المرضى يتذكرونه كرمز للتعايش مع الإعاقة. فقد عاش مع المرض لأكثر من ثلاثة عقود بشجاعة نادرة.
علاوة على ذلك، استغل شهرته الطاغية لتسليط الضوء على الأمراض العصبية. وساهم في جمع تبرعات ضخمة للأبحاث العلمية والعلاجية. وبالتالي، أصبح صوته المرتجف أقوى تأثيراً من صوته الجهوري القديم.
لذلك، نحن اليوم نحتفي بميلاد رياضي عظيم. كما نحتفل بميلاد إنسان علمنا معنى قوة الضعف. وكيف يمكن للإرادة أن تهزم ارتعاش الجسد.
اشتهر محمد علي كلاي بأسلوبه الفريد، حيث كان يطير كالفراشة ويلدغ كالنحلة. كانت حركته في الحلبة تتسم بالخفة والسرعة المذهلة. لكن القدر كان يخبئ له سيناريو معاكسا تماما في خريف عمره. وفق موقع biography.com .
إصابته كلاي بمرض باركنسون
في عام 1984، وبعد ثلاث سنوات فقط من اعتزاله، جاء التشخيص الصادم. أعلن الأطباء إصابته بمرض باركنسون، وهو اضطراب تنكسي في الجهاز العصبي. هذا المرض يؤثر بشكل مباشر على الحركة والكلام والتوازن.
من الناحية الطبية، يعني هذا المرض موت الخلايا المنتجة للدوبامين في الدماغ. ونتيجة لذلك، يبدأ الجسد في التصلب والارتعاش اللاإرادي. كانت المفارقة قاسية. فالرجل الأسرع في العالم أصبح يجد صعوبة في المشي. حسب موقع مايوكلينك الطبي.
في الحقيقة، اعتقد الكثيرون أن كلاي سيعتزل الحياة العامة ويختبئ. فالظهور بضعف أمام الكاميرات ليس سهلا على بطل العالم. لكنه خالف كل التوقعات وقرر المواجهة العلنية.
فلسفة التقبل واختبار من السماء
لم يتعامل محمد علي كلاي مع إعاقته الجديدة بسخط أو إنكار. بل استقبل الخبر بسلام نفسي وإيمان عميق بقضاء الله. وكان يرى في مرضه رسالة روحية هامة له وللناس.
قال في إحدى عباراته الخالدة: «أعطاني الله هذا المرض ليذكرني أنني لست الرقم واحد، بل هو». هذا التواضع والرضا كانا سلاحه الأول في التعايش مع حالته الجديدة. حسب صحيفة ذا جارديان.
علاوة على ذلك، رفض أن يُعامل كضحية أو شخص مثير للشفقة. كان يظهر في المناسبات العامة، يوقع للمعجبين بيده المرتعشة، ويبتسم. وبذلك، كسر حاجز الخجل الذي يشعر به كثير من مرضى الأعصاب.
من ناحية أخرى، ساعد هذا الموقف الإيجابي في تحسين حالته النفسية. فالدراسات تؤكد أن التقبل النفسي جزء أساسي من العلاج. وقد كان كلاي مدرسة متحركة في الصحة النفسية لذوي الأمراض المزمنة.

مشهد أتلانتا 1996
إذا كان هناك مشهد واحد يختصر رحلة محمد علي كلاي مع الإعاقة. فهو بلا شك مشهد إيقاد الشعلة الأولمبية في دورة أتلانتا 1996. كانت لحظة تاريخية حبست أنفاس العالم بأسره.
خرج الأسطورة من الظلام، حاملاً الشعلة بيده اليسرى التي كانت ترتعد بشدة. وقف أمام الملايين، وجسده يهتز بفعل المرض، لكن نظرته كانت ثابتة كالصخر. ساد صمت رهيب في الملعب، ممزوجاً بالذهول والاحترام.
في تلك اللحظة، لم يخفِ كلاي ارتعاشه ولم يحاول التصنع. رفع الشعلة وأضاء المرجل الأولمبي، معلناً انتصار الروح على الجسد. وانفجرت الجماهير في عاصفة من التصفيق والدموع.
يرى المحللون أن هذا المشهد غير نظرة العالم تجاه ذوي الإعاقة. فقد أثبت أن الرجفة لا تعني الضعف، وأن المرض لا يمنع المجد. لقد كان درساً بليغاً في الشجاعة الإنسانية العارية.
لغة العيون والقلب
كان محمد علي كلاي يُلقب بـ شفة لويسفيل لفصاحته وكثرة كلامه. كان شاعرا ومحاورا بارعا لا يتوقف عن الحديث والمزاح. لكن المرض سرق منه هذه الموهبة بالتدريج.
مع تقدم الحالة، أصبح صوته خافتا جدا، ووجهه قليل التعبير. وهي أعراض شائعة لمرضى باركنسون المتقدم. ومع ذلك، لم ينقطع تواصله مع جمهوره ومحبيه.
ابتكر كلاي لغة جديدة للتواصل تعتمد على العيون والإيماءات البسيطة. كان يرفع إبهامه، يغمز بعينه، أو يلوح بقبضته ببطء. وكانت هذه الإشارات كافية لإيصال مشاعر الحب والامتنان للناس.
في الواقع، علمنا هذا التحول أن التواصل الإنساني أعمق من الكلمات. وأن الحضور الطاغي للكاريزما لا يحتاج دائماً إلى صوت مسموع. فقد ظل مؤثراً وملهماً حتى وهو صامت تماماً.
مركز محمد علي كلاي للباركنسون
لم يكتف محمد علي كلاي بالتعايش الشخصي مع المرض. بل قرر تحويل معاناته إلى مؤسسة تخدم الآخرين. فأسس مركز محمد علي للباركنسون في مدينة فينيكس بولاية أريزونا.
يعتبر هذا المركز اليوم واحداً من أهم المراكز العالمية في علاج واضطرابات الحركة. وهو يقدم خدمات طبية وتأهيلية ودعم نفسي لآلاف المرضى سنوياً. ويتميز بتركيزه على تحسين جودة حياة المريض وأسرته.
إضافة إلى ذلك، شارك كلاي في جلسات استماع بالكونجرس الأمريكي. وطالب بزيادة الميزانيات المخصصة لأبحاث الدماغ والأعصاب. ونجح بالفعل في وضع قضية الباركنسون على أجندة الصحة العالمية.
وبالتالي، فإن إرث كلاي الحقيقي ليس فقط في أحزمته الذهبية. بل في كل مريض حصل على علاج متطور بفضل جهوده. وفي كل اكتشاف علمي ممول من حملاته الخيرية.

دور الزوجة الجندي المجهول
خلف كل قصة صمود لمريض مزمن، يوجد مقدم رعاية عظيم. وفي حياة محمد علي كلاي، كانت زوجته لوني علي هي هذا الجندي. لقد كرست حياتها بالكامل لرعايته وتمثيله في المحافل.
كانت لوني صوته عندما غاب صوته، وسنده عندما خانته قدماه. ولم تتعامل معه كعبء، بل كشريك حياة يمر بظرف صحي. وقد ساهمت بقوة في إدارة مشاريعه الخيرية والتوعوية. وفق موقع wellspouse.org.
طالع: دراسة: تناول الأسماك يقلل من خطر الإصابة بالشلل الرعاش
تلقي هذه العلاقة الضوء على أهمية الدعم الأسري لذوي الإعاقة. فوجود شريك متفهم ومحب يصنع فارقا هائلا في مسار المرض. وقد كان كلاي محظوظاً بهذا الحب الذي أحاطه حتى اللحظة الأخيرة.
لذلك، عند الحديث عن بطولة كلاي، يجب أن نذكر بطولة لوني أيضا. فهي تمثل ملايين الزوجات والأمهات اللاتي يقدمن الرعاية بصمت وصبر. وتلك قصة وفاء تستحق التقدير.
الأسطورة الحية في القلوب
في الختام، يظل يوم 17 يناير ذكرى لميلاد إنسان استثنائي. محمد علي كلاي الذي دخل التاريخ كأعظم ملاكم، وخلده التاريخ كأعظم محارب للمرض. رحل عن عالمنا في 2016، لكن روحه المقاتلة لم ترحل.
علمنا أن الإعاقة ليست نهاية المطاف، بل قد تكون بداية لمجد إنساني مختلف. وعلمنا أن البطولة الحقيقية ليست في إسقاط الخصم بالضربة القاضية. بل في الوقوف مجدداً بعد أن تسقطك الحياة.


.png)


















































