في قلب معرض القاهرة الدولي للكتاب، لم يكتفِ جناح المجلس القومي لذوي الإعاقة بعرض الكتب أو تقديم الندوات. بل اختار أن يحوّل المساحة إلى ورشة حياة مفتوحة. تلتقي فيها الألوان بالحكايات، وتتحول الخامات المهملة إلى أدوات للخيال، بينما يتقدّم الدمج الثقافي من الشعار إلى الممارسة. وفي هذا الإطار، أقام الجناح ورشة تلوين وعرائس وإعادة تدوير، قدّمها فنان العرائس محمد فوزي. الذي اصطحب الأطفال في رحلة عملية لاكتشاف كيف يمكن لصندوق كرتون أو قطعة قماش قديمة. أن تتحول إلى عروسة نابضة بالحياة.
ولم يكتفِ فوزي بالشرح، بل شارك الأطفال تجربته الشخصية. وصنع أمامهم العروسة التي قدّم بها عرضه ليؤكد أن الإبداع لا يحتاج سوى عين ترى الاحتمال.

دمج الأطفال ذوي الهمم مع أقرانهم الاصحاء
ومن هنا، تتحدث رشا عبد المنعم، المستشار الثقافي للمجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة ل«جسور» خصيصا عن الفاعلية. موضحة أن الجناح خطّط لهذه الورش عن وعي، واضعًا أمامه هدفين أساسيين.
فمن ناحية، يسعى المجلس إلى تعليم الأطفال كيفية صناعة أشياء ذات قيمة من مواد مهملة، بما يعزز ثقافة الاستدامة والابتكار. ومن ناحية أخرى، وهو الهدف الأهم. يعمل المجلس على دمج الأطفال ذوي الإعاقة مع أقرانهم من الأطفال غير ذوي الإعاقة. في تجربة مشتركة تقوم على التعاون والمشاركة وقبول الاختلاف.
وفي السياق نفسه، تؤكد رشا عبد المنعم أن المجلس لا ينظر إلى هذه الورشة بوصفها نشاطًا منفردًا. بل يراها جزءًا من برنامج أوسع. لذلك، يخطط الجناح لإقامة عدد من الورش المتتالية خلال أيام المعرض.
فعلى سبيل المثال، تقيم الكاتبة والفنانة سماح أبو بكر عزت ورشة حكي للأطفال بعنوان «اسم حلمك». تجمع بين السرد والرسم، وتفتح للأطفال مساحة للتعبير الحر عن أحلامهم.
وفي الوقت ذاته، يستعد الجناح لتنظيم ورشة متخصصة في فن العرائس بعنوان «تصنيع عرائس من خامات بسيطة»، تقدمها الفنانة إيناس رمضان يوم 30 يناير. وإلى جانب ذلك، يقدّم المجلس ورشة نوعية حول استخدام الذكاء الاصطناعي في تيسير حياة الأشخاص ذوي الإعاقة. وتشرف عليها الأستاذة منى شاهين يوم 1 فبراير.
الدمج الثقافي الحقيقي يحتاج إلى استراتيجية شاملة
ومن ناحية أوسع، تشير رشا عبد المنعم إلى أن المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة يشارك في معرض الكتاب كل عام. ويحرص في كل دورة على تقديم باقة متنوعة من الورش والندوات والفعاليات الثقافية.
غير أن المجلس، في الوقت نفسه، يدرك أن الدمج الثقافي الحقيقي لا يتحقق فقط عبر الفعاليات الموسمية. بل يحتاج إلى استراتيجية شاملة تعمل طوال العام.
وانطلاقًا من هذا الفهم، توضّح عبد المنعم أن تحقيق الدمج الثقافي يتطلب وجود سياسات واضحة تلتزم بها جميع المؤسسات. وهو ما بدأ يحدث بالفعل. إذ يعمل المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة بالتعاون مع مجلس الوزراء. على إطلاق استراتيجية وطنية لتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة. والتي يستعد المجلس لتنفيذها خلال الفترة القريبة المقبلة.
دورا حاسم فى تغيير الصورة النمطية عن ذوي الإعاقة
وعن الخطوات العملية التي تضمن نجاح الدمج الثقافي وتحقيق ثماره. تؤكد رشا عبد المنعم أن الفنون تمثّل المدخل الأهم، لأنها مساحة طبيعية للتلاقي والتعبير المشترك.
وإلى جانب ذلك، ترى أهمية اكتشاف الموهوبين من ذوي الإعاقة، وتنظيم مسابقات مخصصة لهم. فضلًا عن تسليط الضوء على قصص النجاح من خلال اللقاءات الصحفية والإعلامية. بما يساهم في تغيير الصور النمطية الراسخة في الوعي المجتمعي.
وفي هذا السياق، تتوقف عبد المنعم عند الدور الحاسم الذي تلعبه الدراما التلفزيونية. مؤكدة أنها واحدة من أقوى الأدوات القادرة على تغيير الصورة الثقافية عن الأشخاص ذوي الإعاقة.
فالدراما، حين تقدّم صورة حقيقية وإيجابية، وتعكس في الوقت نفسه التحديات اليومية التي يواجهها الأشخاص ذوو الإعاقة. تجعل الاختلاف مألوفًا، وتفتح الباب أمام قبول أوسع قائم على الفهم لا الشفقة.
وعلى خط موازٍ، تضع عبد المنعم المدرسة والحضانة في مقدمة مؤسسات التغيير. معتبرة أن غرس ثقافة قبول الآخر يجب أن يبدأ مبكرًا. من خلال تعليم الأطفال أن القدرات متعددة ومتنوعة، وأن لكل إنسان طاقته الخاصة التي تميّزه.
أما عن طبيعة أنشطة المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة، فتوضح رشا عبد المنعم أنها أنشطة غير موسمية. لكنها في الوقت نفسه تواجه تحديًا واقعيًا يتمثل في اتساع الشريحة المستهدفة.
لذلك، يعمل المجلس بقدر الإمكان على تنفيذ أنشطته في النوادي والمدارس والمعارض المختلفة. مع التركيز بشكل خاص على المعارض الجماهيرية، لأنها تتيح الوصول إلى عدد أكبر من الجمهور. وتمنح المجلس فرصة أوسع لنشر الوعي وتنفيذ أنشطة تفيد أكبر عدد ممكن من الأشخاص ذوي الإعاقة.
قدرات استثنائية تصل إلى العبقرية
وفي ختام المشهد، تتوقف عبد المنعم عند أحد أبرز التحديات التي تواجه الأشخاص ذوي الإعاقة، وهو خوف الأسرة. ومن هنا، يشير حديثها إلى مبادرة «أسرتي قوتي». التي يرعاها المجلس تحت رعاية السيدة انتصار السيسي، حرم رئيس الجمهورية. والتي تعمل بقوة على توعية الأسر، ودعمها في تقبّل الإعاقة بوصفها اختلافًا لا نهاية.
وتنهي رشا عبد المنعم رسالتها بالتأكيد على أن كثيرًا من الأشخاص ذوي الإعاقة يمتلكون قدرات استثنائية. وبعضهم يصل إلى العبقرية، بينما يمتلك آخرون طاقات كامنة تنتظر الفرصة والدعم.
فحين يجد الإنسان من يؤمن به ويسانده، يستطيع أن يفجّر قدراته. ويصبح نسخة أفضل من نفسه، ومصدر إلهام حقيقي للمجتمع كله.


.png)


















































