إذا سألت اليوم في أي مكتبة حول العالم. من نيويورك إلى القاهرة. عن الرواية الأكثر مبيعا وتأثيرا في مجال تقبل الاختلاف والإعاقة في القرن الحادي والعشرين.. فالإجابة ستكون واحدة تقريبا: إنها رواية أعجوبة أو الإنجليزية Wonder .
هذه الرواية لم تكتف ببيع أكثر من 15 مليون نسخة حول العالم. وترجمتها إلى أكثر من 50 لغة بما فيها العربية. لكنها أيضا تحولت إلى حركة عالمية في المدارس تحت شعار اختر اللطف.
ونحن نعيش أجوا معرض القاهرة الدولي للكتاب. اخترت الحديث عن هذه الرواية تحديدا، لأنها نقلت ملف الإعاقة من العيادات الطبية إلى ساحة المدرسة.. ومن نظرة الشفقة إلى نظرة الندية والاحترام.
قصة رواية أعجوبة
تدور أحداث الرواية حول الطفل أغسطس بولمان (أوجي)، البالغ من العمر 10 سنوات. حيث ولد أوجي بمتلازمة جينية نادرة تعرف باسم تريتشر كولينز. تسببت في تشوهات شديدة في عظام وجهه، مما جعله يخضع ل 27 عملية جراحية. قبل أن يتم العاشرة من عمره حتى يستطيع التنفس والرؤية والسمع بشكل أفضل.
بعد سنوات من التعليم المنزلي لحمايته من نظرات الناس، تقرر والدته. التي لعبت دورها جوليا روبرتس في الفيلم المقتبس. أن الوقت قد حان ليواجه أوجي العالم الحقيقي. وتدخله مدرسة عادية لأول مرة في الصف الخامس.
هنا تبدأ المعركة.. فالرواية لا تتحدث عن العمليات الجراحية. إنما عن نظرات الرعب في عيون الأطفال الآخرين.. عن همسات السخرية في الممرات.. وعن طاولات الغداء التي يرفض الجميع الجلوس عليها بجانبه لأنه وحش في نظرهم.
لماذا هي الرواية الأشهر؟
عبقرية الكاتبة آر. جي. بالاسيو تكمن في أنها لم ترو القصة بصوت أوجي فقط. إنما جعلت الرواية متعددة الأصوات. فنحن نسمع القصة من وجهة نظر كل من: أوجي، الذي يحكي بذكاء وسخرية كيف يرى خوف الناس منه. وكذلك نسمعها عبر أخته فيا، التي تحب أخيها بجنون. لكنها تعاني من كونها المهمشة في المنزل لأن كل الاهتمام موجه لمرض أخيها.
كذلك تراها بعيون صديقه جاك ويل، الذي يعلمنا درسا في الشجاعة عندما يقرر مصادقة المنبوذ ويخسر شعبيته. فضلا عن المتنمر جوليان، فحتى المتنمر نسمع صوته لنفهم أن الكراهية غالبا ما تكون نابعة من الخوف أو تربية الأهل الخاطئة.
وهذا التعدد جعل الرواية دليلا شاملا للمجتمع. هي تقول لنا إن الإعاقة لا تؤثر على الفرد وحده، بل تختبر إنسانية كل من حوله.
طالع: ستجدها في معرض القاهرة للكتاب.. أهم 5 كتب غيرت نظرة العالم للإعاقة
موقف حقيقي ألهم الرواية
ما لا يعرفه الكثيرون أن هذه الرواية العالمية ولدت من موقف محرج للكاتبة نفسها. إذ تحكي بالاسيو أنها كانت يوما ما تتناول الآيس كريم مع طفليها، وجلست بجوارهم طفلة صغيرة تعاني من تشوه شديد في الوجه. أصيبت بالاسيو بالذعر، وخافت أن يبكي طفلها الصغير (3 سنوات) ويجرح مشاعر الفتاة. فقامت وسحبت أطفالها بسرعة وغادرت المكان بشكل بدا فظا.
لاحقا شعرت بخجل شديد من رد فعلها. أدركت أنها بهروبها جسدت الرفض الذي يعيشه هؤلاء الأطفال يوميا. في تلك الليلة بدأت تكتب أعجوبة لتعتذر لتلك الفتاة. ولتعلم العالم (وتعلم نفسها) كيف نتصرف ب لطف بدلا من خوف. حسب مقابلة مع الكاتبة منشورة على موقع مكتبة شيكاغو العامة.
الدرس الأهم.. كن لطيفا
الرواية لا تقدم أوجي كشخص مسكين يحتاج المساعدة، بل كشخص ذكي ومرح ومحب لسلسلة حرب النجوم. والإعاقة هنا هي ظرف وليست هوية.
الجملة الأيقونية في الرواية، والتي أصبحت شعارا عالميا، هي: «عندما تخير بين أن تكون على صواب، وبين أن تكون لطيفا.. اختر أن تكون لطيفا».
هذه الرسالة هي جوهر النموذج الاجتماعي للإعاقة. المشكلة ليست في وجه أوجي، المشكلة في عيوننا التي لم تتعلم كيف ترى الجمال في الاختلاف. الرواية تعلمنا أن الشجاعة ليست فقط في خوض الحروب، بل في أن تبتسم في وجه شخص يختلف عنك، وتفسح له مكانا بجانبك.


.png)

















































