تخيل أن تفقد جزءا من جسدك، فتظن أن حياتك قد توقفت. ثم يأتي العلم ليقول لك: لا، سنعطيك بديلا قد يكون أقوى وأسرع من طرفك الطبيعي. هذه ليست مقدمة لفيلم خيال علمي، بل هي الواقع الذي يعيشه العالم اليوم في مجال صناعة الأطراف التعويضية.
مع التوجيهات الرئاسية الأخيرة في مصر بتوطين هذه الصناعة الحيوية، يبقى الحديث عن الأطراف الصناعية أكثر من حديث عن قطع غيار بديلة. إنما هو حديث عن استعادة الكرامة وهندسة الأمل.
صناعة الأطراف التعويضية
قررنا أن نقوم بجولة عالمية لاستكشاف مدارس هذه الصناعة المهمة والإنسانية. لنرى كيف تحولت ألمانيا من مداواة جراح الحرب العالمية إلى عمالقة التكنولوجيا؟ وكيف صنعت الهند معجزة للفقراء؟ وماذا يمكن لمصر أن تتعلم من هذه التجارب لتخلق نموذجها الخاص؟
المدرسة الألمانية.. الدقة التي ولدت من رحم الحرب
لا يمكن الحديث عن الأطراف الصناعية دون النظر للتجربة الألمانية. القصة بدأت بمأساة، حيث آلاف الجنود العائدين من الحرب العالمية الأولى والثانية مبتوري الأطراف. كانت الحاجة أم الاختراع، وتحولت الشركات الألمانية مثل أوتوبوك من ورش صغيرة إلى قادة العالم في هذا المجال.
النموذج الألماني لا يبيع ساقا بل يبيع ثقة. الابتكار الأعظم هنا هو الركبة الميكروبروسيسور. مثل ركبة C-Leg الشهيرة. هذه الركبة تحتوي على عقل إلكتروني وحساسات تقرأ حركة المشي 50 مرة في الثانية. هي تعرف متى تتعثر، فتتصلب فورا لتمنعك من السقوط. وفق موقع corporate.ottobock.com.
التكنولوجيا الألمانية تعلمنا أن الأمان هو الأولوية القصوى. المعاق لا يريد فقط أن يمشي، بل يريد ألا يخاف من السقوط أمام الناس. التوطين الحقيقي يعني نقل هذه التكنولوجيا الدقيقة لضمان أمان المستخدم المصري في الشوارع غير الممهدة.
المدرسة الأمريكية وعصر الإنسان الآلي
إذا كانت ألمانيا هي مدرسة الميكانيكا الدقيقة، فإن الولايات المتحدة هي مدرسة الاندماج العصبي. هناك، في معامل معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ومراكز أبحاث الجيش، يتم العمل على إلغاء الخط الفاصل بين الإنسان والآلة.
النموذج الأمريكي، بقيادة علماء ملهمين مثل هيو هير –وهو نفسه مبتور الساقين– يركز على الأطراف التي يتحكم بها العقل. ببساطة يتم زرع مجسات دقيقة في العضلات المتبقية أو الأعصاب. عندما يفكر الشخص في تحريك قدمه، يترجم الطرف الصناعي هذه الإشارة الكهربائية ويتحرك فورا. حسب موقع media.mit.edu .
المستقبل هو الذكاء الاصطناعي. توطين الصناعة في مصر لا يجب أن يقف عند التكنولوجيا الحالية، بل يجب أن يفتح الباب لشباب المبرمجين ومهندسي الذكاء الاصطناعي المصريين ليكونوا جزءا من تطوير سوفت وير هذه الأطراف، وليس فقط تصنيع الهارد وير.
المدرسة الآيسلندية.. حلم الجري والتحليق
من جزيرة جليدية صغيرة ومعزولة، خرجت شركة أوسور لتغير مفهوم الإعاقة تماما. هذه المدرسة تخصصت في شيء واحد ببراعة: الطاقة.
هل رأيتم العدائين في البارالمبياد يركضون على شفرات مقوسة تشبه أقدام الفهد؟ هذه هي مدرسة آيسلندا. ابتكار أقدام الكربون فايبر التي تخزن الطاقة عند الارتطام بالأرض ثم تطلقها لتدفع اللاعب للأمام. هذه الأطراف حولت المبتورين من أشخاص عاجزين إلى أبطال خارقين يتفوقون أحيانا على العدائين الأسوياء، مما فتح جدلا عالميا حول الميزة غير العادلة.
الإعاقة لا تعني العجز. مصر تمتلك أبطالا بارالمبيين يكسرون الأرقام القياسية. توطين صناعة شفرات الجري محليا سيوفر ملايين الدولارات وسيخلق جيلا جديدا من الرياضيين. الذين لا يمنعهم سعر الطرف المستورد من ممارسة الرياضة.

المدرسة الهندية ومعجزة قدم جايبور
هذه ربما تكون التجربة الأهم والأقرب للواقع المصري والعربي. في الهند حيث الفقر والطرق الوعرة والحاجة للجلوس بوضعية القرفصاء أو الصلاة، لم تكن الأطراف الألمانية أو الأمريكية الباهظة، التي تكلف عشرات الآلاف من الدولارات، حلا واقعيا.
من هنا ولدت قدم جايبور . وهي ابتكار عبقري يستخدم مواد بسيطة مثل المطاط والخشب والبلاستيك المقاوم. لتصنيع قدم صناعية تكلف أقل من 50 دولارا. هذه القدم رخيصة لكنها أيضا مقاومة للماء، وتسمح للمزارع الهندي بالعمل في الطين. والمشي حافيا، وتسلق الأشجار. والجلوس متربعا. إنها تكنولوجيا الفقراء التي غزت العالم وخدمت أكثر من مليوني شخص. وفق jaipurfoot.org .
طالع: لدعم ذوي الإعاقة.. توجيهات رئاسية بتوطين صناعة الأطراف التعويضية في مصر
التوطين لا يعني فقط استنساخ التكنولوجيا الغالية. مصر تحتاج إلى نموذج هجين. نحتاج تكنولوجيا متطورة، لكننا نحتاج أيضا لابتكار حلول اقتصادية تناسب الفلاح المصري والعامل البسيط، وتتحمل ظروفنا البيئية، وتكون صيانتها سهلة وغير مكلفة.
الحلم المصري بين ألمانيا والهند
بينما تواصل مصر خطواتها الجادة نحو توطين صناعة الأطراف التعويضية في مجمع الوفاء والأمل، يجب أن نضع أمام أعيننا هذه التجارب العالمية.
النجاح ليس فقط في شراء الماكينات، بل في بناء الكوادر البشرية. والمقصود هنا أخصائيي الأطراف. الذين يفهمون أن كل مريض هو حالة فريدة. النجاح هو أن نجمع بين دقة ألمانيا وإنسانية الهند.
الطرف الصناعي يتجاوز فكرة أنه قطعة بلاستيك ومعدن. إنه الجسر الذي يعبر عليه الإنسان من ضفة اليأس والعزلة إلى ضفة الحياة والعمل. وعندما يكتب عليه صنع في مصر، فإننا لا نوفر العملة الصعبة فحسب، بل نستعيد الكرامة الصعبة أيضا.


.png)

















































