فرانكلين روزفلت.. هزم هتلر بـ«ساقين ميتتين» وأخفى كرسيه المتحرك ليحكم العالم  

فرانكلين روزفلت.. هزم هتلر بـ«ساقين ميتتين» وأخفى كرسيه المتحرك ليحكم العالم  

المحرر: محمود الغول - مصر
فرانكلين روزفلت

في عام 1945، جلس ثلاثة رجال ليرسموا خريطة العالم الجديد في مؤتمر يالطا.. ستالين، زعيم الاتحاد السوفيتي، وتشرشل، رئيس وزراء بريطانيا، و فرانكلين روزفلت، رئيس الولايات المتحدة.

كان المشهد مهيبا، زعماء الجبابرة الذين هزموا النازية. لكن ما لم يلحظه أحد في الصور الرسمية، هو أن الرجل الذي يتوسطهم. والذي يقود أقوى جيش واقتصاد في العالم. كان عاجزا تماما عن الوقوف لاستقبالهم، أو حتى الذهاب إلى الحمام بمفرده.

اليوم، 30 يناير، تمر ذكرى ميلاد هذا الرجل الاستثنائي. فرانكلين روزفلت، الذي يعد ظاهرة في عالم الإعاقة. هو الرجل الذي حكم أمريكا لأربع دورات متتالية وهو رقم قياسي لم يحدث قبله ولا بعده. وهو مصاب ب شلل الأطفال ومشلول الساقين تماما.

قصة فرانكلين روزفلت

في «جسور»، نزيح الستار عن قصة «الخداع المحكم». لنحاول أن نفهم كيف استطاع روزفلت أن يقنع العالم بأنه رمز القوة الجسدية. بينما كان يرتدي دعامات حديدية مؤلمة تحت بنطاله.. ولماذا اضطر لإخفاء كرسيه المتحرك.. وهل كان ذلك خزيا من الإعاقة أم دهاء سياسيا؟

لم يولد فرانكلين روزفلت معاقا. كان شابا وسيما،رياضيا وطموحا، يشق طريقه نحو الرئاسة بسرعة الصاروخ. لكن في صيف عام 1921، وكان عمره 39 عاما، تغير كل شيء في ليلة واحدة. حسب مكتبة ومتحف فرانكلين روزفلت الرئاسية،  التابعة للأرشيف الوطني الأمريكي.

بعد سباحة مجهدة في مياه باردة، شعر بحمى شديدة وتنميل في ساقيه. في صباح اليوم التالي، حاول الوقوف فلم يستطع. التشخيص كان مرعبا.. شلل أطفال. بمقاييس ذلك العصر، كانت هذه شهادة وفاة سياسية. كيف يمكن ل كسيح، كما كان يطلق عليهم وقتها، أن يحكم دولة؟ نصحته والدته بالاعتزال والاختفاء في مزرعة العائلة حفاظا على كرامته.

لكن زوجته، إليانور روزفلت، ومستشاره السياسي، كان لهما رأي آخر.. العقل سليم، والقلب سليم.. إذا أنت سليم. قرر روزفلت أن يخوض المعركة، ليس ضد خصومه السياسيين، بل ضد نظرة المجتمع للإعاقة.

عملية الخداع الرائع.. كيف أخفى الكرسي؟

أدرك فرانكلين روزفلت بذكائه أن الشعب الأمريكي في الثلاثينيات (زمن الكساد العظيم) يبحث عن مخلص قوي يستند عليه، ولن يتقبل رئيسا ضعيفا يجلس على كرسي متحرك. لذا، قرر أن يمثل أعظم دور في حياته: دور الرجل الذي يمشي.

لقد صمم روزفلت بنفسه كرسيا متحركا صغيرا، مصنوعا من كرسي مطبخ وعجلات دراجة. ليكون سهل الحركة داخل البيت الأبيض، لكنه كان محرما تماما أمام الكاميرات. وفق مقال منشور في ذا تايمز.

الخطة كانت كالتالي، الداية باتفاق الجنتلمان، حيث عقد اتفاقا سريا وغير مكتوب مع الصحفيين والمصورين.. لا تصوروني أبدا وأنا جالس على الكرسي، ولا تصوروني وأنا أحمل من السيارة. ومن كان يخالف، كان الحرس الرئاسي يصادر كاميرته فورا. فمن بين أكثر من 35 ألف صورة له، لا يوجد سوى صورتين نادرتين جدا له على الكرسي.

صمم روزفلت بنفسه كرسيا متحركا صغيرا
صمم روزفلت بنفسه كرسيا متحركا صغيرا

ثم مشية التعذيب،  فلكي يلقي الخطابات، كان يرتدي دعامات حديدية ثقيلة جدا. تزن حوالي 7 كيلوجرامات، تقفل عند الركبة لتجبر ساقيه الميتتين على الاستقامة. كان يمسك بذراع ابنه بقوة، ويقوم بأرجحة جسده بالكامل مستخدما عضلات جذعه لرمي ساقيه للأمام خطوة بخطوة. كان الألم مبرحا، والعرق يتصبب منه، لكنه كان يبتسم للكاميرات وكأن شيئا لم يكن.

المعاق الذي هزم هتلر

الزاوية الأكثر إثارة للتأمل في قصة فرانكلين روزفلت هي الحرب العالمية الثانية. على الجانب الآخر من المحيط، كان أدولف هتلر يبني ألمانيا النازية على مبدأ النقاء العرقي. وكان يعتبر ذوي الإعاقة حياة لا تستحق الحياة، وأمر بإعدامهم في برنامج T4 الشهير.

المفارقة الساخرة والعظيمة هي أن الرجل الذي قاد العالم الحر لهزيمة هتلر وتحطيم النازية. كان هو نفسه رجلا من الفئة التي أراد هتلر إبادتها كان روزفلت يدير أضخم جيوش العالم. ويرسم استراتيجيات الإنزال في نورماندي. وهو لا يستطيع تحريك أصابع قدميه. لقد أثبت للعالم عمليا أن القيادة مكانها الرأس لا الساق.

طالع: قانون الإعاقة الأمريكي بعد 35 عامًا.. إنجاز تاريخي وتحديات قائمة

رغم أنه أخفى إعاقته سياسيا، إلا أنه لم يتجاهلها طبيا وإنسانيا. اشترى روزفلت منتجعا في وارم سبرينغز بولاية جورجيا. وحوله إلى أول مركز تأهيل حديث لمرضى شلل الأطفال. هناك بعيدا عن الكاميرات، كان يسبح مع الأطفال المصابين، ويشاركهم اللعب بكرسيه المتحرك دون خجل.

والأهم من ذلك، أسس المؤسسة الوطنية لشلل الأطفال. التي أطلقت حملة مسيرة الدايمات. طلب من كل طفل ومواطن أمريكي أن يتبرع بدايم واحد (10 سنتات) لمحاربة المرض. وهذه التبرعات البسيطة هي التي مولت الأبحاث التي قادت العالم جوناس سالك لاحقا لاكتشاف مصل شلل الأطفال. بعبارة أخرى، روزفلت هو السبب في أننا اليوم لا نرى شلل الأطفال إلا نادرا. حسب موقع ذيس داي إن هيستوري.

هل كان روزفيلت بطلا أم جبانا؟

في ذكرى ميلاده، يطرح البعض سؤالا جدليا.. هل نعتبر روزفلت بطلا لأنه تحدى الإعاقة.. أم نلومه لأنه أخفاها وعزز فكرة أن الإعاقة شيء مخجل يجب مداراته؟

الإجابة تتطلب إنصافا تاريخيا. في الثلاثينيات والأربعينيات، كان الاعتراف بالعجز الجسدي يعني الانتحار السياسي. روزفلت اختار الطريق الصعب.. أن يصل للسلطة رغم الإعاقة، ليتمكن من تغيير الواقع. لو ظهر بكرسيه منذ البداية، ربما لم يكن لينتخب، وربما لم يكن ليهزم هتلر، وربما لم نكن لنحصل على لقاح الشلل.

لقد مهد الطريق، بطريقته الخاصة. وعندما تم بناء نصبه التذكاري في واشنطن حديثا، أصر النشطاء على إضافة تمثال له وهو يجلس على كرسيه المتحرك بوضوح، لتصحيح التاريخ، وليعرف الأجيال القادمة أن العجز لم يكن عائقا أمام العظمة.

في يوم ميلاد فرانكلين روزفلت، الدرس في الإرادة. رأى روزفلت أننا قد لا نملك الخيار فيما يحدث لأجسادنا. لكننا نملك الخيار الكامل فيما نفعله بما تبقى لدينا.

لقد حكم العالم بكرسي متحرك أخفاه خلف مكتبه، لكن إنجازاته كانت أوضح من أن تخفى. هو القائل: «الشيء الوحيد الذي يجب أن نخافه.. هو الخوف نفسه». ويبدو أنه لم يكن يقصد الخوف من الحرب فقط.. الخوف من أن يمنعك كرسيك من أن تكون ما تريد.

المقالة السابقة
الأمراض المدارية المهملة.. حرب مصر التاريخية ضد «سارقي العيون والأطراف»
المقالة التالية
ذوو الإعاقات العقلية والنفسية يثبتون حضورهم بسوق العمل في فيلادلفيا