تخيل أن تلاحظ تراجعا غريبا ومفاجئا في حركة طفلك. ثم تبدأ رحلة مرعبة بين عيادات الأطباء بلا إجابة. هذا هو الواقع المرير الذي تعيشه آلاف الأسر يوميا.
وتحديدا عندما يقعون فريسة لفخ الأمراض النادرة والمجهولة تماما. واليوم، في الثامن والعشرين من فبراير، نتوقف للتأمل والتدبر. حيث يحيي العالم ذكرى اليوم العالمي لهذه الفئة المنسية.
لتسليط الضوء على معاناة التشخيص والإعاقات المعقدة الناتجة عنها. وللتأكيد على حق هؤلاء الأبطال في الإتاحة والوصول العادل. بعيدا عن نظرات الشفقة أو الاستعطاف المجتمعي السلبي والمرفوض.
العلاقة الوثيقة بين الأمراض النادرة والإعاقات المركبة
وفي هذا السياق، يجب تصحيح مفاهيم طبية ومجتمعية خاطئة. فالكثيرون يظنون أن الأمراض النادرة مجرد حالات صحية عابرة. غير أن الحقيقة العلمية تؤكد أنها أمراض جينية وراثية.
حسب تقرير بعنوان إحصائيات الأمراض الجينية المنشور في موقع منظمة الصحة العالمية. فإن ثمانين بالمائة من هذه الحالات ذات منشأ وراثي. وبناء على ذلك، فهي تؤدي حتما إلى إعاقات خطيرة.
ومن ناحية أخرى، تتنوع هذه الإعاقات بشكل كبير ومقلق. حيث نجد إعاقات حركية وذهنية وحسية مزمنة ومعقدة جدا. ومثال على ذلك، الإصابة بمرض ضمور العضلات الشوكي القاسي.
وكذلك متلازمة دوشين التي تدمر العضلات تدريجيا وبلا رحمة. والنتيجة هنا هي تحول الطفل السليم لشخص ذي إعاقة. مما يتطلب توفير بيئة مؤهلة للتعامل مع احتياجاته المتزايدة.
معاناة التشخيص في عالم الأمراض النادرة
علاوة على ما سبق، تبرز أزمة التشخيص كعقبة كبرى. فالأسر تقضي سنوات طويلة جدا في البحث عن سبب. وهذه الفترة تعرف طبيا باسم رحلة التيه التشخيصي القاسية.
وبالمثل، يواجه الأطباء صعوبة بالغة في التعرف على الأعراض. مما يؤدي غالبا إلى تشخيصات خاطئة وعلاجات غير مجدية. وفي غضون ذلك، يتدهور الوضع الصحي للطفل بشكل سريع.
وتتحول المشكلة الصحية البسيطة إلى إعاقة دائمة ومستعصية تماما. حسب دراسة بعنوان تأخر تشخيص الأمراض المنشورة في دورية لانسيت الطبية. فإن التأخر في اكتشاف الأمراض النادرة يضاعف من الإعاقة.
ومن جهة ثانية، تعاني الأسر من استنزاف مادي ونفسي. حيث يتم إنفاق مدخراتهم على تحاليل جينية باهظة الثمن. وهذا يضعهم تحت ضغط هائل واحتراق نفسي لا يحتمل.
تكلفة الأدوية الباهظة وحق العلاج
وفي سياق متصل، نصل إلى النقطة الأكثر إيلاما ورعبا. ألا وهي أسعار الأدوية المخصصة لعلاج هذه الطفرات الجينية. حيث تصنف هذه العلاجات كأغلى الأدوية في العالم أجمع.
غير أن حق الوصول للعلاج هو حق إنساني أصيل. ولا يجب أبدا أن يرتبط بالقدرة المالية للأسرة البسيطة. فحقنة واحدة لضمور العضلات تتجاوز مليوني دولار أمريكي. وبناء على ذلك، تقف العائلات عاجزة تماما أمام التكلفة. ويشاهدون أبناءهم يفقدون قدرتهم على الحركة والتنفس ببطء شديد.
والنتيجة هنا هي حرمان المريض من حقه في الحياة. وتحويل عجزه المادي إلى إعاقة جسدية مفروضة عليه قسرا. مما يتطلب تدخلا سياديا عاجلا من قبل حكومات الدول.
غياب برامج الفحص المبكر في الدول النامية
ومن ناحية أخرى، تبرز فجوة طبية كبرى بين الدول. حيث تعاني الدول النامية من غياب برامج الفحص المبكر. للمواليد الجدد لاكتشاف الطفرات الجينية قبل تفاقمها وتطورها السريع.
وهذا النقص في البنية التحتية الطبية يمثل انتهاكا حقوقيا. وحسب تقرير بعنوان العدالة الصحية المنشور في موقع الأمم المتحدة. فإن الرعاية الصحية العادلة تتطلب توفير الفحوصات الجينية للجميع.
علاوة على ذلك، يفتقر العديد من المستشفيات للكوادر المتخصصة. في مجال علم الوراثة السريري للتعامل مع هذه الحالات. وبالمثل، تغيب المختبرات المجهزة لتحليل الجينوم البشري بدقة عالية.
وهذا الوضع يترك الأطفال من ذوي الإعاقة لمصيرهم المجهول. ليؤكد أن حقوق ذوي الإعاقة تبدأ من التشخيص المجاني. والتدخل الطبي السريع والفعال قبل حدوث تلف عصبي دائم.

التأهيل الشامل.. ما بعد علاج الأمراض النادرة جينيا
وفي هذا السياق، لا ينتهي الدور عند توفير الدواء. بل يمتد ليشمل التأهيل الحركي والنفسي المستدام وطويل الأمد. فالأطفال يحتاجون لجلسات علاج طبيعي مكثفة لاستعادة وظائف العضلات. غير أن العديد من الأسر تعاني في توفير الجلسات. وحسب مقال بعنوان «أهمية العلاج الطبيعي: تعزيز الصحة والرفاهية». المنشورة في المجلة الدولية لممارسات إعادة التأهيل والتمريض. فإن التأهيل الحركي الموازي للعلاج الجيني يضمن نتائج مبهرة.
ومن جهة ثانية، يجب الاهتمام بالدعم النفسي المستمر للآباء. حيث يعانون من صدمات نفسية عميقة طوال فترة المرض. وبناء على ذلك، يتوجب توفير مجموعات دعم نفسي متخصصة.
وذلك لتخفيف العبء عن كاهل المرأة المعيلة ومقدمي الرعاية. والنتيجة هنا هي بناء منظومة رعاية متكاملة وشاملة تماما. تضمن للمريض وأسرته حياة كريمة ومستقرة في بيئة دامجة.
طالع: الكويت تشيد باعتماد الأمم المتحدة قرارًا يدعم ذوي الأمراض النادرة
الوعي المجتمعي وكسر الوصمة حول مصابي الأمراض النادرة
علاوة على ما سبق، يواجه المرضى تحديات مجتمعية قاسية. حيث يتنمر البعض على اختلاف شكل المريض أو حركته. وهذا الجهل المجتمعي يضاعف من معاناة الأشخاص ذوي الإعاقة.
وبالمثل، تغيب ثقافة الإتاحة المكانية في العديد من المرافق. مما يعيق حركة الأطفال الذين يستخدمون الكراسي المتحركة يوميا. والتنمر السلبي يؤدي إلى عزل المريض وانسحابه مجتمعيا. ولذلك، يجب تكثيف حملات التوعية الإعلامية في المدارس والجامعات. لشرح طبيعة الأمراض النادرة وكيفية التعامل معها بوعي كامل.
ومن ناحية أخرى، يجب تغيير القوانين لتجريم هذا التنمر. وضمان دمج هؤلاء الأبطال في النظام التعليمي دون عقبات. فحقهم في التعليم لا يقل أهمية عن حق العلاج.
البحث العلمي والأمل في القضاء على هذه الأمراض
وفي سياق متصل، يبقى البحث العلمي هو طوق النجاة. حيث يعلق ملايين المرضى آمالهم على التجارب السريرية الحديثة. لاكتشاف علاجات جينية جديدة وفعالة لباقي أنواع الطفرات الوراثية.
غير أن التمويل المخصص لهذه الأبحاث لا يزال ضعيفا. مقارنة بالأمراض الشائعة الأخرى التي تحظى باهتمام شركات الأدوية. وتحفيز الشركات لإنتاج أدوية يتطلب دعما حكوميا قويا. وبناء على ذلك، يجب إنشاء صناديق استثمارية وطنية وإقليمية. لدعم الأبحاث الجينية المتقدمة وتوفير العلاجات اليتيمة للمرضى المحتاجين.
والنتيجة هنا هي توطين تكنولوجيا العلاج الجيني وتعميمها عالميا. مما يقلل من تكلفة العلاج ويسرع من وصوله للمرضى. ويفتح أبواب الأمل واسعة أمام كل طفل يصارع الإعاقة.
جرس إنذار
وأخيرا، إن يوم الأمراض النادرة هو جرس إنذار يوقظ الضمائر لدعم هذه الفئة. فالإعاقة الغامضة لم تعد قدرا محتوما لا يمكن تغييره.
وتضافر الجهود الدولية أثبت أن التكاتف قادر على الإنجاز. وأن تحويل الألم إلى أمل هو حق ممكن ومتاح. متى توفرت الإتاحة والوعي والإيمان المطلق بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.


.png)


















































