التوحد وتعبيرات الوجه.. دراسة تكشف عجز الأصحاء عن فهم ذوي الاختلاف العصبي

التوحد وتعبيرات الوجه.. دراسة تكشف عجز الأصحاء عن فهم ذوي الاختلاف العصبي

المحرر: محمود الغول - مصر
التوحد وتعبيرات الوجه

لطالما عانى الأشخاص من ذوي التوحد من وصمة عار قاسية، وهي اتهامهم بالبرود العاطفي أو جمود الملامح. فالمجتمع اعتاد أن يفسر نظراتهم المختلقة على أنها خالية من المشاعر، لمجرد أنها لا تشبه الكتالوج المعتاد لدى الأصحاء.

لكن اليوم، وفي دراسة نشرت بتاريخ 19 يناير 2026، وضعت جامعة برمنغهام البريطانية حدا لهذا المفهوم الخاطئ. الدراسة المنشورة في دورية أبحاث التوحد تعيد تعريف العلاقة بين التوحد وتعبيرات الوجه بشكل جذري. 

التوحد وتعبيرات الوجه

تؤكد الدراسة حقيقة مذهلة وهي أن التوحديون وغير التوحديين يتحدثون ببساطة لغات عاطفية مختلفة. المشكلة ليست في أن الشخص المتوحد لا يشعر، بل في أننا نحاول قراءة وجهه بقاموس الأصحاء . وهذا يشبه محاولة شخص يتحدث الفرنسية لفهم شخص يتحدث اليابانية؛ الخلل هنا في الترجمة، وليس في المتحدث.

ويأتي ذلك وفق موقع sciencedaily الذي نشر مقالات تحت عنوان «أظهرت أبحاث جديدة أن التعبيرات العاطفية تعمل بشكل مختلف لدى المصابين بالتوحد». لذلك، نحن أمام اكتشاف علمي ينسف الخرافات القديمة حول التوحد وتعبيرات الوجه. فكيف يغضب المتوحد. وكيف يبتسم. ولماذا يحدث سوء الفهم المتبادل. الإجابة تكمن في تفاصيل عضلات الوجه الدقيقة التي رصدتها الدراسة.

قام الباحثون في هذه الدراسة الضخمة بتسجيل أكثر من 265 مليون نقطة بيانات لتعبيرات الوجه. وقارنوا بين طريقة تعبير التوحديين وغير التوحديين عن مشاعر أساسية مثل الغضب، والسعادة، والحزن. وكانت النتائج مفاجئة وغير متوقعة.

خريطة عضلية مختلفة

تبين أن التوحد وتعبيرات الوجه لديهم يعتمدون على خريطة عضلية مختلفة تماما عن المعتاد.

في حالة الغضب

بينما يعتمد الشخص العادي بشكل كبير على تقطيب الحواجب لإظهار غضبه، يعتمد الشخص المتوحد أكثر على حركات الفم للتعبير عن نفس الشعور القوي.

في حالة السعادة

يبتسم التوحديون بصدق، لكن ابتسامتهم تكون أكثر هدوءا ولا تظهر فيها دائما تجعيدات حول العينين، التي يعتبرها الناس علامة الفرح التقليدية، مما يجعل الآخرين يظنون خطأ أنهم غير سعداء.

في حالة الحزن

يعبر التوحديون عن الحزن برفع الشفة العليا أكثر من غيرهم، مما يخلق تعبيرا قد يبدو غريبا أو غير مألوف للمراقب العادي.

إذن، الاختلاف هنا ليس نقصا في القدرة الشعورية. بل هو أسلوب تعبيري فريد ومختلف، يحتاج منا فقط أن نتعلم قراءته بدلا من الحكم عليه بالجمود.

سوء الفهم.. طريق ذو اتجاهين

أخطر ما كشفته الدراسة هو تصحيح مفهوم العجز الاجتماعي. فالسائد هو أن المتوحد هو من يفشل دائما في فهم مشاعر الآخرين. لكن الحقيقة، وفقا للبروفيسورة جينيفر كوك، هي أن الفشل متبادل من الطرفين.

تقول كوك: الأمر يشبه تحدث لغتين مختلفتين.. ما تم تفسيره سابقا على أنه صعوبات يواجهها التوحديون، قد يكون في الحقيقة تحديا متبادلا.بمعنى آخر، كما يجد المتوحد صعوبة في قراءة وجهك النيوروتيبكال، أنت أيضا تجد صعوبة بالغة في فك شفرة التوحد وتعبيرات الوجه الخاصة به. إنها فجوة تواصل بين عالمين، وليست إعاقة في طرف واحد. وهذا المفهوم يعرف حديثا ب مشكلة التعاطف المزدوج.

طالع: شركة ألعاب أمريكية تطلق أول دمية «باربي» مصابة بالتوحد

دور عمى المشاعر .. ألكسيثيميا

لم تغفل الدراسة جانبا مهما آخر يؤثر على طبيعة التوحد وتعبيرات الوجه، وهو حالة الألكسيثيميا  أو صعوبة تحديد ووصف المشاعر الذاتية، وهي حالة شائعة بين التوحديين وبعض غير التوحديين أيضا.

وجد الباحثون أن الأشخاص الذين لديهم درجات عالية من الألكسيثيميا، كانت تعبيرات وجوههم أقل وضوحا وتحديدا، سواء في الغضب أو الفرح. وهذا يجعل مشاعرهم تبدو غامضة للمراقب الخارجي.

وهنا يأتي دور المجتمع في الصبر والتفهم. فإذا كان الشخص يجد صعوبة في فهم شعوره الداخلي، فمن الطبيعي أن تخرج تعبيرات وجهه مرتبكة أو غير نمطية. وهذا لا يعني أبدا أنه بلا قلب أو لا يهتم بمن حوله.

لماذا هذا الاكتشاف مهم حقوقيا؟

أهمية هذا البحث تتجاوز المختبرات العلمية لتلمس حياتنا اليومية وحقوق ذوي الإعاقة. فعندما ندرك الفروق الجوهرية في قضية التوحد وتعبيرات الوجه، سنتوقف عن إجبار أطفالنا التوحديين على التصنع ليرضونا.

سنتوقف عن قول جمل قاسية مثل: انظر في عيني وأنت تكلمني، أو لماذا لا تبتسم للكاميرا؟ سنفهم أنهم قد يكونون في قمة السعادة والامتنان، لكن طريقتهم البيولوجية في التعبير مختلفة عن طريقتنا.

يقول الدكتور كونور كيتنج، قائد البحث: هذه الاختلافات لا تقتصر على شكل التعبير، بل في سلاسة تكوينه أيضا. وهذا يفسر لماذا يحدث سوء الفهم المتكرر، والذي يؤدي غالبا لعزلة التوحديين وشعورهم بالوحدة لأن لا أحد يفهم وجوههم. وفق موقع sciencedaily.

في الختام، توجه لنا هذه الدراسة دعوة مفتوحة للتواضع الإنساني. لا يجب أن نعتبر طريقتنا في التعبير هي المعيار الصحيح الوحيد، وما عداها اضطراب يجب علاجه. نحن بحاجة لبناء جسور تواصل حقيقية. بدلا من مطالبة التوحدي بأن يغير وجهه ليرضي معاييرنا الاجتماعية، لماذا لا نحاول نحن تعلم لغة التوحد وتعبيرات الوجه الخاصة به؟ لماذا لا نسأل بوضوح: كيف تشعر الآن؟ بدلا من التخمين الخاطئ بناء على ملامحه.

المقالة السابقة
مسؤولية اجتماعية.. محكمة هندية تجبر القطاع الخاص على إدماج ذوي الإعاقة
المقالة التالية
الأمم المتحدة:ذوو الإعاقة في جنوب السودان محاصرون بين الموت والنزوح