دراجة نارية مسرعة في شوارع القاهرة، لم تقتل الطفل سيد عبد الراضي وهو يحمل حقيبته المدرسية. لكنها قضت على عالم الأصوات في أذنيه. لتبدأ ملحمة صمود. بدأت من رصيف «المعادي». وانتهت بمنصات التتويج العلمي.
واجه سيد صمت الآذان بضجيج الإنجاز. كما تحدى تنمر الأقران في أقاصي صعيد مصر. إضافة إلى عنصرية البيروقراطية التي حاولت تقزيم طموحه خلف مكاتب التأهيل. سواء في قطارات الدرجة الثالثة المزدحمة. أو بين أنياب الشتاء والسرقة. حيث كان يقطع 600 كم أسبوعياً بحثاً عن شهادة. لكن عزيمته لم تنكسر أمام معاملة الأساتذة أو قسوة الظروف. حتى انتزع الدكتوراه في نهاية 2025 بجدارة. محولاً إعاقته إلى أسطورة كفاح تُدرس.

يقول د. سيد لـ «جسور»: « ولدت بأحد أحياء القاهرة الجديدة. وذلك في نهاية صيف عام 1986. وعلى وجه التحديد بمنطقة المعادي الجديدة. من أسرة تعود أصولها لجنوب صعيد مصر. حيث كان والدي قد أستقر بتلك المنطقة نظرًا لظروف عمله بشركة النصر للتصدير والاستيراد بشارع طلعت حرب بوسط البلد. كنت الابن الذكر الوحيد لوالدي. وليس لي سوى أخت واحدة. والتي كانت تكبرني بست سنوات. حيث عشت معها أسعد أيامي. وذلك قبل حادثة فقداني لحاسة السمع. كنا نلعب معًا. وكذلك كنت أسمع صيحتها وضحكتها من مسافات بعيدة. وخاصة في أوقات الغروب واقتراب سدول الليل نعود إلى السكن.
دخول المدرسة والصدمة الأولى
ويتابع سيد د. سيد: «تمر الأيام على هذا الحال. وقد أقبلت على دخول المدرسة. نعم. أتذكر أنني دخلت مدرسة (الشهيد الطيار وائل أحمد حيدر) في عام 1992. في نفس المنطقة. وكنت دائمًا أقطع الطريق المجاور لشركة البترول. والذي يصل بين صقر قريش وبنزينة الجزائر. فالطريق منحدر. وكنت دائمًا أنتظر مرور السيارات والدراجات النارية المسرعة قبل عبوري إياه. لكي أواصل رحلتي الذهاب والعودة من المدرسة».
يصمت قليلا قبل أن يواصل حديثه: « انتقلت للصف الثاني في العام التالي. وفي أحد أيام الدراسة. وأثناء رحلة العودة. كنت أسير مسرعًا ومحاولا عبور الطريق المنحدر. وأنا أحمل حقيبتي المدرسية الثقيلة التي تمنعني من الجري واجتياز الطريق. وفي لحظة صدمتني دراجة نارية صدمة أطاحت بي بعيدًا. حيث اجتمع المارة من جانبي الطريق لنجدتي. منهم من لي يده. ومنهم من ساعدني على أن أنهض. وآخر قدم لي الماء. شعرت باحمرار في رقبتي. عدت إلى والدتي. وقد أخبرتها بما حدث. قلت لها إنني بخير. كنت أعتقد أن ما حدث مجرد كدمات وجروح بسيطة سوف تلتئم مع مرور الوقت. ولم أكن أعرف أنني تعرضت لعدوى شديدة الخطورة».

وأضاف « استيقظت متعبًا في اليوم التالي من الحادث. وقد ذهب والدي إلى العمل. غسلت وجهي. وبدأت أشعر بسخونة في كل جوانب جسمي. أخبرت والدتي. وقد أتت بأناء مملوء بالماء والثلج. وقامت بعمل كمادات بخرقة من القماش ووضعتها على وجهي. ذلك اليوم شعرت بضعف حاسة السمع. الجميع في المنزل يتكلمون. أمي. أبي. أختي.. لا أسمع. اشتكيت لوالدي. وقد أخذني للكشف عند العديد من أطباء الأنف والأذن والحنجرة. ولكن لا أمل لعودة حالتي الصحية. تنقلت بين المستشفيات وآخرها مستشفى أبو الريش. لم يقصر والدي معي حتى أخذني للكشف بالعيادات الخارجية بمنطقة المهندسين. ولكن لا أمل من عودة حاسة السمع. وهنا تبدأ معاناتي لأنضم إلى قائمة الصم في مصر»
العودة إلى القرية ومواجهة التنمر
يقول سيد: «في عام 1994. عادت أسرتي لموطنها الأصلي بقرية الأقالتة بمدينة الأقصر. وقد أكملت دراستي بالصف الثالث الابتدائي بمدرسة بن الجراح الابتدائية. ولكن لم تكن بدايتي بالحديث مع زملاء فصلي موفقة. فلم أستطع فهم ما يقولونه بسبب اختلاف لهجة أهل الصعيد. وفي أول يوم دخل معلم اللغة العربية الفصل ويطلب منا القراءة. ولكني لم أكن أسمع الدرس. وفي لحظة توقف المعلم وساد الصمت. وأسرع نحوي وضربني بالعصا. لماذا لم تقرأ؟…. أخبرته بأنني لا أسمع ما يقوله. توقف المعلم وأخذني للأخصائي الاجتماعي وقد طلب مني حضور والدي إلى المدرسة. بكيت بحرقة. فأنا طوال اليوم محروم من التفاعل مع الدروس التعليمية».
وأضاف «ذهبت إلى المدرسة في اليوم الثاني من الدراسة بصحبة والدي. وقد نصحه أحد المعلمين بضرورة السفر للقاهرة وعمل قياس سمع وتركيب سماعة طبية. في البداية سعدت بعودة جزء من سمعي. ولكن عند عودتي للفصل مرتدي تلك السماعة. شعر الزملاء بشيء غريب بينهم. لا يعرفون أنها مجرد وسيلة سمع. وانهالت علي بوابل من التنمر والسخرية. كنت أعتقد أنهم سوف يتقبلوني. ويشاركونني فرحتي. بالعكس حرموني من لعب كرة القدم. وأصبحت أعاني من التهميش والعزلة الاجتماعية. وهنا يظهر واقع الصم في مصر».
ينظر سيد إلى نقطة بعيدة وكأنه تذكر شيئا ويقول: « ساعدتني أختي في تحسين القراءة والكتابة طوال سنوات الدراسة الابتدائية. كما سمح لي والدي بأخذ مجموعات تقوية بالحلقة الإعدادية. وكنت دائما أحرص على الجلوس في المقاعد الأولى كي أستمع جيدًا. حتى نجحت بمجموع أدخلني المدرسة الثانوية. ومنها التحقت بكلية الآداب –قسم الجغرافيا. حتى تخرجت في عام 2008».
الصدمة الأولى في العمل
يعود سيد إلى إلى 17 سنة مضت وهو يقول: «في عام 2009. تقدمت للعمل بنظام العقد الوزاري بوظيفة معلم فصل. ولكن موظف التعاقدات أخبرني بأنني بحاجة لشهادة تأهيل من مكتب المعاقين. وأنني لا أصلح للعمل في مجال التدريس ويلزم توقيع عقد وزاري بوظيفة أخصائي مساعد مكتبات. لقد كانت كلماته مؤلمة. فأنا أصبحت ضمن فئات المعوقين. لا أصدق. كلمات جرحتني. ومع ذلك كان من شروط العقد الحصول على مؤهل عام تربوي خلال مدة العقد عند التجديد أو التعيين في وظيفة أخصائي. التزمت ببنوده وتم التعيين في عام 2012. ومن هنا بدأت أفهم التحديات التي تواجه الصم في مصر».
وأضاف: « في عام 2016 قررت شد الرحال لاستكمال مسيرتي العلمية بكلية التربية بقنا – جامعة جنوب الوادي. حيث قدمت أوراق الدبلوم الخاص في التربية بعد اجتيازي اختبار اللغة الإنجليزية والمقابلة الشخصية. وقد نجحت في جميع المقررات الدراسية بتقدير عام جيد جدًا من قسم أصول التربية. بعدها قررت الالتحاق بدرجة الماجستير ولكن لم يتم قبولي. توسلت لرئيس القسم ولكنه قال سلم صور من ورقك وسوف أرد عليك. انتظرت. ولم يرد. ذهبت إلى مكتبه لكني وجدته يفضل دخول الطلبة الوافدين والتسجيل لهم ومساعدتهم. أما أنا فكان مصيري الطرد من مكتبه لتستمر معاناتي كواحد من الصم في مصر»
التحدي عبر المسافات الطويلة
يشح د. سيد عبد الراضي: «تقدمت بأوراقي بفرع الجامعة بكلية التربية بالغردقة لكنهم اعتذروا لعدم توافر أساتذة للأشراف. وبعد محاولات ونشر قصتي عبر موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك)، وجدت أحدهم يقول عليك التقديم في كلية التربية جامعة الفيوم. وكان رد أحدهم: تعال في شهر كذا….. ثم عاد واتصل ليسألني هل أنت طالب وافد؟ لم أرد عليه. ولكن في آخر محاولة تواصلت معي الدكتورة أمال العرباوي – العميد الأسبق لكلية التربية جامعة بورسعيد. قدمت لها الشكر لكن بُعد المسافة من الأقصر لبورسعيد سيجعل نظام الدراسة بالساعات المعتمدة مستحيل. وقد رفضت أسرتي ذلك».

وأضاف: «فكرت في نفسي…. موظف… راتبه لا يكفي سوى تلبية احتياجات أسرتي. وفي صيف عام 2018 جالت في رأسي فكرة الاستفادة من كارت ذوي الاحتياجات الخاصة في تخفيض تذاكر السفر. فكرت في التقديم بكلية الدراسات العليا للتربية – جامعة القاهرة. كنت أركب قطار الدرجة الثالثة في بداية مشوار رحلتي العلمية. أدفع ربع قيمة التذكرة بواقع 6 جنيهات من الأقصر للقاهرة من أجل حضور محاضرات السنة التمهيدية رحلة يومين: الأحد والأربعاء من كل أسبوع.
«أقطع مسافة تزيد عن 600 كم أسبوعيا في شتاء شديد البرودة ليلا داخل عربات القطارات المزدحمة ووسط الباعة والمجرمين. حتى أنني تعرضت لسرقة هاتفي المحمول أثناء استقلالي للقطار في محطة القاهرة. لكن في النهاية اجتزت السنة التمهيدية».
ويؤكد سيد: «استطعت التسجيل لرسالة الماجستير بعنوان: التحول الرقمي بمدارس التعليم الأساسي في مصر. وقد نوقشت الرسالة في عام 2021، كأول نجاح في مسيرتي العلمية. شجعتني لجنة المناقشة على استكمال التسجيل بمرحلة الدكتوراه. حتى وفقني الله بمناقشتها تحت عنوان: فقر التعلم بمدارس التعليم العام في مصر في عام 2025. وهكذا أنجزت قصة نجاح تضاف إلى قائمة نجاحات الصم في مصر».
يختتم د. سيد بأمنية العمل كأستاذ مساعد بالجامعات العربية أو الأجنبية، لأن قانون الجامعات المصرية لا يسمح بتعيين ذوي الاحتياجات الخاصة.


.png)

















































