اليوم العالمي لالتهاب الدماغ.. عندما تغير الإعاقة المباغتة مسار الحياة في لحظات  

اليوم العالمي لالتهاب الدماغ.. عندما تغير الإعاقة المباغتة مسار الحياة في لحظات  

المحرر: محمود الغول - مصر
اليوم العالمي لالتهاب الدماغ

في البداية قد يبدو اليوم عاديا للبعض، لكن بالنسبة لملايين الناجين حول العالم. يمثل تاريخ 22 فبراير ذكرى معركة قاسية مع الجسد. وتحديدا عندما نتحدث عن اليوم العالمي لالتهاب الدماغ، فإننا نسلط الضوء على واحدة من أخطر الأزمات الطبية التي قد تصيب الجهاز العصبي للإنسان. وبناء على ذلك، تبرز قضية الإعاقة المباغتة التي تحول شخصا معافى تماما إلى شخص ذي إعاقة في غضون أيام أو ساعات قليلة.

وفي هذا السياق، ننظر من زاوية حقوقية وإنسانية مغايرة في تناول هذا اليوم. فالأمر لا يتعلق فقط بمرض فيروسي أو مناعي يصيب خلايا الدماغ، بل يتعلق بما يتركه من إرث ثقيل من الإعاقات غير المرئية.

وحسب مقال بعنوان ما هو التهاب الدماغ؟ المنشور في موقع جمعية التهاب الدماغ العالمية Encephalitis Society. فإن هذا المرض يصيب شخصا واحدا كل دقيقة تقريبا على مستوى العالم. غير أن الوعي المجتمعي بتداعياته الإعاقية لا يزال دون المستوى المطلوب والمأمول.

 اليوم العالمي لالتهاب الدماغ والإعاقة المباغتة

ومن ناحية أخرى، تكمن خطورة هذا المرض في سرعة تأثيره وتنوع إعاقاته الناتجة. ففي اليوم العالمي لالتهاب الدماغ، نستذكر قصصا لأشخاص فقدوا قدرتهم على النطق أو الحركة فجأة. وبناء على ذلك، يواجه الناجون تحديات معقدة في العودة لممارسة حياتهم المهنية والاجتماعية السابقة. ولذلك، يصنف الأطباء هذا النوع من الإصابات ضمن الإعاقات العصبية المكتسبة التي تتطلب تأهيلا طويل الأمد ومكثفا.

علاوة على ذلك، فإن الإعاقة الناتجة عن التهاب الدماغ غالبا ما تكون غير مرئية للآخرين. فالناجي قد يبدو سليما من الخارج، لكنه يعاني من فقدان ذاكرة حاد أو نوبات صرع متكررة ومفاجئة. وحسب دراسة بعنوان النتائج العصبية والنفسية لالتهاب الدماغ المنشورة في مجلة The Lancet Neurology الطبية. فإن أكثر من 50% من الناجين يعانون من تغيرات دائمة في الشخصية والقدرات الإدراكية. والنتيجة هنا هي حاجة هؤلاء الأشخاص لبيئة إتاحة ذهنية تراعي ظروفهم العصبية الجديدة والحساسة.

حقوق الناجين في التأهيل والدمج المجتمعي 

وبالمثل، يطرح اليوم العالمي لالتهاب الدماغ تساؤلات حقوقية حول جودة خدمات التأهيل المتاحة. فالحق في العلاج لا ينتهي عند الخروج من غرفة العناية المركزة بالمستشفى. بل يمتد ليشمل الحق في التأهيل المعرفي، الذي يساعد المريض على استعادة وظائفه الذهنية. ومن ثم، تقع المسؤولية على عاتق الدول لتوفير مراكز متخصصة تتعامل مع هذه الحالات بخصوصية تامة.

وعلاوة على ما سبق، فإن دمج هؤلاء الناجين في سوق العمل يتطلب وعيا من أصحاب الأعمال. فالشخص الذي أصيب بإعاقة ذهنية نتيجة التهاب الدماغ يحتاج لجدولة مهام مرنة وبيئة عمل خالية من المثيرات العصبية. وحسب مقال بعنوان العودة للعمل بعد إصابة الدماغ المنشور في موقع Headway وهي جمعية خيرية رائدة في المملكة المتحدة . فإن الإتاحة المكانية والوظيفية هي الركيزة الأساسية لحماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة العصبية المكتسبة. وبدون هذا الدعم، يصبح الناجي سجينا لعزلته وفقدانه لهويته العملية السابقة.

طالع: قصة بيكا فالي.. الصداع النصفي المزمن قد يكون سرطان الدماغ

وفي سياق متصل، يعاني العديد من مصابي التهاب الدماغ من الحبسة الكلامية أو صعوبات النطق الشديدة. وفي ملف اليوم العالمي لالتهاب الدماغ، نجد أن هؤلاء الأشخاص يواجهون وصمة اجتماعية ناتجة عن عدم الفهم. وبناء على ذلك، تزداد الحاجة لتوفير تكنولوجيا مساعدة تعتمد على لغة الإشارة أو تطبيقات النطق الرقمية المتطورة. ولذلك، يجب أن تكون الإتاحة التواصلية جزءا أصيلا من خطة العلاج والتأهيل الحكومية والخاصة.

ومن جهة ثانية، فإن نوبات الصرع الناتجة عن تلف أنسجة الدماغ تمثل عائقا كبيرا أمام الاستقلالية. فحرمان الشخص من قيادة السيارة أو التواجد بمفرده يحد من حريته الشخصية وحقوقه الأساسية في التنقل. كما أن الإدارة الطبية الصحيحة للنوبات هي التي تفتح الباب أمام إعادة دمج المريض في المجتمع. وبالمثل، يجب تثقيف المجتمع حول كيفية التعامل مع هذه النوبات دون خوف أو تمييز سلبي.

غالبا ما يساهم التشخيص المبكر في الوقاية من الإعاقة الناتجة عن مضاعفات التهاب الدماغ
غالبا ما يساهم التشخيص المبكر في الوقاية من الإعاقة الناتجة عن مضاعفات التهاب الدماغ

التشخيص المبكر كحق وقائي لمنع الإعاقة 

غير أن المعركة ضد الإعاقة تبدأ من اللحظات الأولى لظهور الأعراض الطبية المقلقة. ففي اليوم العالمي لالتهاب الدماغ، يشدد الخبراء على أن التشخيص المبكر هو الحق الوقائي الأول لكل مريض. وبناء على ذلك، فإن تأخر صرف العلاج المضاد للفيروسات أو المناعة يزيد من نسبة التلف الدائم في خلايا المخ. ولذلك، يجب تدريب الأطباء في أقسام الطوارئ على تمييز علامات التهاب الدماغ بسرعة ودقة.

وحسب دراسة بعنوان أهمية الوقت في علاج التهاب الدماغ المنشورة في المجلة الطبية البريطانية BMJ. فإن كل ساعة تأخير في العلاج ترفع من احتمالية الإصابة بإعاقة حركية أو ذهنية دائمة ومستعصية. والنتيجة هنا هي أن حق الوصول السريع للرعاية الصحية المتقدمة هو في صميم حقوق الإنسان المقررة دوليا. وبناء عليه، تطالب منصة جسور بضرورة توفير بروتوكولات علاجية موحدة وسريعة في كافة المستشفيات والمراكز الطبية المحلية.

دعم ذوي الإعاقة العصبية 

وفي الختام، يضع اليوم العالمي لالتهاب الدماغ المجتمع والمنظومة الصحية أمام مسؤوليات قانونية وأخلاقية واضحة. حيث تتلخص المطالب الحقوقية لدعم الناجين من هذا المرض في نقاط جوهرية لا تقبل التأجيل:

أولا، الاعتراف بالتهاب الدماغ كسبب رئيسي للإعاقة المكتسبة وتوفير الدعم القانوني اللازم للناجين.

ثانيا، إدراج برامج التأهيل المعرفي والحركي ضمن مظلة التأمين الصحي الشامل لضمان وصول الجميع للعلاج.

ثالثا، توعية المدارس والجامعات والشركات بكيفية التعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة غير المرئية الناتجة عن المرض.

رابعا، دعم البحث العلمي والابتكار في مجال التكنولوجيا المساعدة التي تسهل التواصل والحركة للناجين المتضررين.

وأخيرا، سيبقى يوم 22 فبراير صرخة مستمرة من أجل الوعي والإنصاف والدمج الحقيقي. فخلف كل إحصائية طبية، هناك قصة إنسان يحاول استعادة حياته التي سرقها الالتهاب المباغت في لحظة غدر. ولذلك، فإن دورنا  هو أن نكون الجسر الذي يربط هؤلاء الناجين بالحقوق التي يستحقونها. فالحياة بعد التهاب الدماغ ممكنة، شريطة أن تتوفر الإرادة السياسية والمجتمعية لخلق بيئة مؤهلة تحتضن الجميع دون استثناء.

 

المقالة السابقة
سرقة جلود الفلسطينيين.. هكذا تحول جسد الضحية إلى مخزن لترميم جيفة المحتل