في الثالث عشر من فبراير، يحتفل العالم بمناسبة تاريخية ومميزة. حيث يحل علينا اليوم العالمي للإذاعة ليذكرنا بسحر الموجات الصوتية. لكن هذا الاحتفال السنوي يمثل عيدا خاصا لفئة مجتمعية محددة.
وبالنسبة للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، الراديو يتجاوز فكرة التسلية. إنه نافذة وحيدة أطلوا منها على العالم الواسع. فهذا العالم الخارجي كان مصمما في الأساس ليخدم الأشخاص المبصرين.
وهذا الجهاز العبقري البسيط كسر جدران العزلة المفروضة عليهم تماما. تخيل طفلا كفيفا يجلس وحيدا في غرفته الهادئة والمظلمة. فجأة يفتح مفتاح المذياع لتنطلق أصوات الممثلين والمذيعين ونشرات الأخبار. وهنا يبدأ خياله الخصب في بناء مدن وشخصيات لا يراها.
الإتاحة الكاملة في اليوم العالمي للإذاعة
وفي هذا السياق، يجب أن نتوقف أمام حقيقة تاريخية مذهلة. فالإذاعة هي الوسيلة الإعلامية الوحيدة التي حققت إتاحة بيئية كاملة. وهذه الإتاحة الرائعة وصلت لنسبة 100% للمكفوفين وضعاف البصر تحديدا. على عكس التلفزيون أو الصحف الورقية المطبوعة في ذلك الزمان.
لم يحتج الراديو أبدا إلى أي برمجيات خاصة أو تعديلات. إذ كان متاحا بشكل طبيعي ومباشر لكل شخص فاقد للبصر. وبالتالي أصبح الراديو هو الجهاز الديمقراطي الأول في التاريخ الحديث. حيث ساوى تماما بين المواطن المبصر والمواطن الكفيف دون تفرقة.
فكلاهما يتلقى المعلومة الثقافية والخبرية في نفس اللحظة وبنفس الجودة. وحسب مقال بعنوان «الإذاعة في حياة المكفوفين» المنشور في موقع منظمة اليونسكو. فإن الراديو لعب دورا محوريا وأساسيا في دمج ذوي الإعاقة. وذلك عبر تقديم محتوى إعلامي يعتمد حصريا على حاسة السمع.
سينما المكفوفين ومسرح الخيال
من ناحية أخرى، شكلت الدراما الإذاعية عالما سحريا موازيا للمكفوفين. حيث أطلق الأشخاص ذوو الإعاقة البصرية على الراديو لقب السينما. فهم يعتبرونه «سينما المكفوفين»، حيث الصوت هو البطل الأوحد دائما. عبر المؤثرات الصوتية ونبرات الممثلين، عاش الكفيف تجربة سينمائية كاملة.
وهذا التفصيل العبقري جعلهم يشاركون المجتمع نفس الاهتمامات الثقافية والفنية. ولم يشعروا بأي نقص مقارنة بأقرانهم المبصرين في هذا المجال. وبناء على ذلك، تشكل الوعي الثقافي لآلاف الأشخاص من المكفوفين. فالمذياع كان مدرسة موازية تعلموا منها فنون اللغة وقواعد الأدب.
وكذلك استمعوا لأعظم المسرحيات الكلاسيكية والبرامج الحوارية دون أية عوائق. كما أن البرامج الإذاعية ساهمت في تثقيف الملايين من المواطنين العرب. وكان المكفوفون هم الشريحة الأكثر استفادة وارتباطا بهذا الجهاز العجيب.
الاستقلالية قبل اختراع قارئات الشاشة
علاوة على ما سبق، يجب أن نعود بالزمن إلى الوراء. فقد كان ذلك قبل اختراع الإنترنت وبرامج قارئات الشاشة الناطقة. ففي تلك الفترة، كان الراديو هو شريان الحياة الوحيد للمعلومات. فالكفيف لم يكن قادرا على قراءة مانشيتات الجرائد الصباحية الورقية. لكنه كان يستيقظ مبكرا على نشرة الأخبار الإذاعية ليعرف الأحداث.
وهذا منحه استقلالية معرفية هائلة وغير مسبوقة في تاريخ الإعاقة. والنتيجة هنا هي خلق جيل من المكفوفين المثقفين والمطلعين سياسيا. حيث لم يعودوا بحاجة لمن يقرأ لهم الصحف والمجلات اليومية. بل أصبحوا شركاء فاعلين في النقاشات السياسية والاجتماعية العامة بثقة.
وحسب مقال بعنوان «الإتاحة الرقمية للإعاقة البصرية» المنشور في موقع الاتحاد العالمي للمكفوفين. فإن الراديو مهد الطريق بقوة لمفهوم الاستقلالية المعرفية وحق الوصول. وهو ذات المفهوم الذي بنيت عليه التكنولوجيا المساعدة للمكفوفين لاحقا.

البث الرياضي والمستطيل الأخضر في الخيال
وفي زاوية أخرى، يجب ألا ننسى متعة متابعة البث الرياضي. فقد كان الراديو هو المدرج المفتوح للمشجعين من ذوي الإعاقة. عبر الوصف الدقيق للمعلقين الرياضيين، عاش الكفيف تفاصيل مباريات كرة القدم. كان المعلق يصف حركة اللاعبين ومكان الكرة بدقة صوتية بالغة.
وهذا الوصف اللفظي رسم المستطيل الأخضر كاملا في أذهان المكفوفين. وبالمثل، أصبح الشاب الكفيف قادرا على تشجيع فريقه المفضل بحماس. وشارك أصدقاءه المبصرين في تحليل المباريات وتوقع النتائج الرياضية بدقة. وهذا الاندماج الرياضي كسر حواجز العزلة الاجتماعية في المقاهي والنوادي.
وحسب مقال بعنوان «تاريخ التعليق الرياضي في مباريات كرة القدم» المنشور في الأهرام الرياضي. فإن المعلقين الأوائل كانوا يدركون أهمية الوصف الدقيق للمستمعين المكفوفين. ولذلك، ابتكروا أساليب تعبيرية لغوية تنقل الصورة الحية عبر الميكروفون. وهذا جعل الرياضة متعة متاحة للجميع بفضل هذا الجهاز الساحر.
من الراديو الخشبي إلى عصر البودكاست
وفي سياق متصل، يطل اليوم العالمي للإذاعة ليجدد العهد والأمل. فرغم التطور التكنولوجي الهائل، يظل الراديو محتفظا بمكانته الوجدانية الكبيرة. وخاصة لدى كبار السن من الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية اليوم.
هذا الاحتفال السنوي يجب أن يمتد لمناقشة مستقبل الإتاحة السمعية في العالم. فالإذاعة الحديثة ومنصات البودكاست الرقمية هما الامتداد الطبيعي لهذا الإرث. وبناء على ذلك، يجد المكفوفون اليوم مساحات أوسع للتعبير والمشاركة. حيث أصبح بإمكانهم إنتاج برامجهم الإذاعية الخاصة ورفعها عبر الإنترنت.
من جهة ثانية، يقدم لنا الراديو درسا بليغا ومهما جدا. فهو يعلمنا المعنى الحقيقي لمفهوم التصميم الشامل في حياتنا اليومية. فالتصميم الشامل لا يعني بالضرورة تعقيدا تكنولوجيا أو تكلفة باهظة. بل يعني ابتكار أداة تخدم جميع الأفراد دون أي تمييز.
طالع: تأثير الإذاعة اليمنية على إدراك حقوق ذوي الإعاقة في رسالة ماجستير
فقد أثبت هذا الصندوق السحري أن الإعاقة البصرية هي مجرد اختلاف طبيعي في طريقة استقبال المعلومات والتفاعل. وعندما تتوفر الأداة البيئية المناسبة، يختفي العجز وتتحقق المساواة فورا. ولذلك، يجب على مطوري التكنولوجيا الحديثة أن يتعلموا من الراديو. فالتطبيقات والبرامج يجب أن تكون متاحة للجميع منذ بداية تصميمها.
الصديق الأوفى والأقدم للمكفوفين
وأخيرا، سيظل الراديو هو الصديق الأوفى والأقدم للمكفوفين عبر التاريخ. ففي عالم يعج بالصور البصرية التي تقصيهم باستمرار، يبقى الصوت منقذا. فالصوت هو الجسر الوحيد الذي يربطهم بنبض الحياة وصخبها المستمر. ويمنحهم القدرة على الحلم والتخيل والمشاركة الفعالة في بناء المجتمع.
ذكرى اليوم العالمي للإذاعة هي فرصة ذهبية حقيقية للتأمل. وللاحتفاء بصندوق العجائب الذي أنصف فاقدي البصر في كل مكان. وجعلهم يبصرون العالم الشاسع بآذانهم وقلوبهم في أبهى وأجمل صورة. ليبقى الراديو رمزا خالدا للإتاحة والمساواة بين جميع البشر.


.png)


















































