بينما يحتفل العالم اليوم، الرابع من يناير، بميلاد لويس برايل، مخترع اللغة التي غيرت مصير المكفوفين، يغيب عن أذهاننا سؤال تاريخي جوهري. في الواقع، نعرف جميعا أن الاختراع ولد في فرنسا عام 1829، لكن متى وكيف عبرت هذه النقاط البحر المتوسط لتصل إلينا؟ تاريخ برايل عربيا ليس مجرد تواريخ جامدة، بل هو قصة كفاح لأساتذة مكفوفين ومبشرين ومنظمات دولية. سعوا جميعا لتعريب هذه الشفرة لتناسب لغة الضاد.
عنا نستعرض في هذا التقرير الوثائقي الجذور الأولى لاستخدام برايل في المنطقة العربية. والمحطات الفاصلة التي وحدت كتابتنا البارزة.
برايل عربيا.. البداية من فلسطين
خلافا للاعتقاد السائد بأن البداية كانت في منتصف القرن العشرين، تشير الوثائق التاريخية إلى جذور أقدم بكثير. استنادا إلى أرشيفات مدرسة بيركنز للمكفوفين Perkins School for the Blind وتاريخ الإرساليات، فإن أول استخدام منظم لطريقة برايل في العالم العربي ظهر في فلسطين وتحديدا في القدس عام 1897.
وذلك حين قامت الإنجليزية ماري لوفيل بتأسيس مدرسة للمكفوفين في القدس. في ذلك الوقت، قامت بمحاولة أولية لترجمة رموز برايل إلى العربية لتعليم الفتيات الكفيفات. رغم أن هذه المحاولة كانت محدودة النطاق، إلا أنها كانت الشرارة الأولى التي أثبتت أن اللغة العربية قابلة للتحويل إلى نقاط بارزة.
برايل العرب.. محمد الأنسي
إذا كان لفرنسا لويس برايل، فإن للعرب رائدا منسيا يدعى محمد الأنسي. وفقا للمؤرخين التربويين في مصر، يعتبر الأنسي هو الأب الروحي الحقيقي لتعريب الطريقة بشكل منهجي.
في عشرينيات القرن الماضي، قام محمد الأنسي وهو أستاذ كفيف بجهود فردية جبارة في بيروت ومصر. حيث قام بموائمة الحروف العربية مع رموز برايل اللاتينية بناء على الصوت أو ما يعرف بـPhonetic basis. على سبيل المثال، حرف (M) في برايل اللاتيني خصص لحرف (الميم) في العربية، وحرف (D) للدال، وهكذا. نشر الأنسي طريقته وقام بتدريسها، مما مهد الطريق لظهور برايل عربيا بشكله الحديث.
على الرغم من الجهود المبكرة، واجه العالم العربي مشكلة عويصة استمرت لعقود. تتمثل المشكلة في غياب التوحيد القياسي. في تلك الفترة، كانت مصر تستخدم رموزا تختلف جزئيا عن تلك المستخدمة في العراق أو الشام. نتيجة لذلك، كان الكفيف المصري لا يستطيع قراءة كتاب مطبوع ببرايل في دولة عربية أخرى، مما خلق عزلة ثقافية داخل الوطن العربي الواحد. هذه الفوضى استدعت تدخلا دوليا عاجلا.

نقطة التحول مؤتمر بيروت 1951
الحدث الأبرز والأهم في تاريخ برايل عربيا هو التدخل المباشر من منظمة اليونسكو. استنادا إلى تقرير اليونسكو التاريخي بعنوان World Braille Usage أو استخدام برايل العالمي، دعت المنظمة لمؤتمر إقليمي لتوحيد برايل العربي.
وعقد المؤتمر في بيروت عام 1951، ثم استكملت اللجان عملها في القاهرة. ضم المؤتمر ممثلين من مصر، سوريا، لبنان، الأردن، العراق، وحتى ممثلين من دول إسلامية غير عربية مثل باكستان وماليزيا، لأنهم يستخدمون الحروف العربية. كان الهدف هو الاتفاق على كود موحد ينهي الاختلافات.
وتمخضت اجتماعات اليونسكو عن اعتماد النظام الذي نستخدمه اليوم. حيث تم الاتفاق نهائيا على مبدأ التوافق الصوتي مع اللغات اللاتينية قدر الإمكان. بمعنى آخر، تم تثبيت الرموز المشتركة عالميا لتسهيل تعلم اللغات الأجنبية على الكفيف العربي لاحقا. من ناحية أخرى، تم ابتكار رموز خاصة للحروف التي لا نظير لها في اللاتينية مثل (الضاد والظاء والعين والغين) والحركات (الفتحة والضمة والكسرة). بذلك، ولدت رسميا لغة برايل عربيا الموحدة التي تقرأ من المحيط إلى الخليج.
الدور المصري والمطبعة النموذجية
بعد التوحيد النظري، جاء دور التطبيق العملي، وهنا لعبت مصر دور القاطرة. في عام 1953، تم افتتاح مركزا لرعاية المكفوفين في حي الزيتون بالقاهرة، والذي ضم أول مطبعة برايل ضخمة في الشرق الأوسط، مطبعة النور. حيث وثقت صحيفة الأهرام في أرشيفها هذا الحدث، حيث بدأت مصر في طباعة الكتب المدرسية والمجلات مثل مجلة المصباح وتوزيعها على الدول العربية. ساهم هذا المركز في نشر الكود الموحد وتثبيته في عقول الأجيال الجديدة.
إحدى المعضلات التقنية التي واجهت تعريب برايل كانت اتجاه القراءة. كما هو معروف، برايل اللاتيني يقرأ من اليسار لليمين. لكن اللغة العربية تكتب من اليمين. لحل هذه المعضلة، تم الاتفاق في المعايير العربية الموحدة على أن تكتب وتقرأ برايل عربيا من اليمين إلى اليسار، تماما مثل النص العادي، لكي لا يحدث ارتباك ذهني للكفيف عند تعلم النحو والإملاء.
طالع: وشم برايل.. فن «سري» يكتبه المبصرون على جلودهم ولا يقرأه إلا المكفوفون
في مرحلة لاحقة، وتحديدا في السبعينيات والثمانينيات، انتقل التطوير الطباعي إلى المملكة العربية السعودية. حيث تم تأسيس مطابع خادم الحرمين الشريفين لطباعة المصحف بطريقة برايل. تعتبر هذه المطابع نقطة تحول في تاريخ برايل عربيا الديني، حيث وفرت نسخا من القرآن الكريم بأعلى معايير الجودة والدقة، ووزعتها مجانا على مكفوفي العالم الإسلامي، مما ساهم في توحيد رسم المصحف البارز.
برايل عربيا في العصر الرقمي
لم تتوقف رحلة التطوير عند الورق. في العصر الحديث، ومع ظهور الأسطر الإلكترونية. واجه برايل عربيا تحديا تقنيا جديدا مع شركات التكنولوجيا العالمية مثل مايكروسوفت وآبل. استلزم الأمر سنوات من العمل لدمج جداول برايل العربية داخل أنظمة التشغيل مثل Windows, iOS, Android. اليوم بفضل هذه الجهود، يستطيع الكفيف العربي قراءة شاشة هاتفه بلمس نقاط إلكترونية تظهر وتختفي باللغة العربية.
من الخصائص المتطورة في برايل عربيا وجود نظام الاختصارات Grade 2 Braille. نظرا لأن اللغة العربية غنية وتأخذ مساحة كبيرة عند تحويلها لنقاط، تم تطوير نظام يختصر كلمات شائعة مثل (قال، كان، الذي، الله) في رمز واحد أو رمزين. ساعد هذا النظام في تقليل حجم الكتب المطبوعة بنسبة تصل إلى 30%، وتسهيل سرعة القراءة.
في الختام، ونحن نحتفل باليوم العالمي، يجب أن نتذكر بفخر أن برايل عربيا هي قصة نجاح عربي مشترك. بدأت باجتهادات في القدس، وتطورت على يد رواد في بيروت والقاهرة، وتوحدت بقرار دولي، وانتشرت بمطابع الرياض. إنها اللغة الوحيدة التي لا تعترف بالحدود الجغرافية، لأن الظلام واحد، والنور الذي يخرج من بين الأصابع واحد. تحية لكل من ساهم في وضع نقطة بارزة أنارت طريق كفيف عربي.


.png)

















































