ديفيد وير.. بطل رياضي حول عجلات الكراسي المتحركة إلى أجنحة

ديفيد وير.. بطل رياضي حول عجلات الكراسي المتحركة إلى أجنحة

المحرر: محمود الغول - مصر
البطل البارالمبي ديفيد وير

في البداية، قد يظن البعض أن الإعاقة الجسدية هي نهاية المطاف للنشاط البدني المكثف. ولكن في عالم الاحتراف، تتحول هذه القيود أحيانا إلى وقود لمحركات بشرية لا تعرف الكلل. وتحديدا عندما نتحدث عن الأسطورة البريطانية ديفيد وير، الذي نحتفل بذكرى ميلاده في السابع عشر من فبراير. حيث يمثل هذا التاريخ علامة فارقة في تاريخ الرياضة البارالمبية العالمية والبريطانية على حد سواء.

من خلال سيرته، ستعرف أن ديفيد وير كان بمثابة الرجل الحديدي الذي أعاد صياغة مفهوم الإعاقة أمام ملايين المشاهدين حول العالم. وحسب السجلات الرياضية الرسمية، فإن قصته تمثل دليلا قاطعا على أن العجلات هي تكنولوجيا متطورة.. تمنح الإنسان قدرة على تجاوز حدود الطبيعة البشرية المعتادة.

ديفيد وير.. الميلاد من رحم التحدي  

ومن ناحية أخرى، بدأت رحلة هذا البطل الاستثنائي في السابع عشر من فبراير عام 1979. حيث ولد ديفيد وير وهو يعاني من إعاقة حركية دائمة ناتجة عن شلل سفلي منذ الصغر. وبناء على ذلك، كان من المفترض طبيا واجتماعيا أن يتقيد بحياة محدودة الحركة والنشاط. غير أن ديفيد رفض منذ نعومة أظافره الرضوخ لهذه الصورة النمطية القاسية والمنغلقة. وفق موقع اللجنة البارالمبية الدولية.

ثم بدأت علاقته بالرياضة تتشكل عندما اكتشف شغفه بسباقات الكراسي المتحركة في سن مبكرة. ولذلك كرس حياته لتدريب الجزء العلوي من جسده ليصل إلى مستويات خرافية من القوة. ولكن للأسف كانت البيئة الرياضية في بداياته تفتقر للدعم التكنولوجي المتاح حاليا للمرضى والرياضيين. وبالتالي كان عليه أن يحفر في الصخر ليثبت أن مستخدم الكرسي المتحرك هو رياضي من الصف الأول.

وفي محاولة جادة لتغيير واقعه، شارك ديفيد في أول ماراثون له في سن الثامنة عشرة. حيث أظهر للعالم أن القوة الحقيقية تكمن في الإرادة والعقل قبل العضلات والجسد. ومثال على ذلك، تمكن في وقت قصير من لفت أنظار المدربين والخبراء في الاتحاد البريطاني للرياضة البارالمبية. غير أن الطموح لم يتوقف عند حدود المشاركة المحلية أو الإقليمية الضيقة والمحدودة.

تكنولوجيا الكراسي الرياضية

وعلاوة على ذلك، لا يمكننا الحديث عن إنجازات ديفيد وير دون التطرق للتطور التقني الهائل. حيث تحول الكرسي المتحرك الرياضي من مجرد أداة مساعدة إلى قطعة هندسية معقدة جدا. وفي هذا الإطار يتم تصميم هذه الكراسي من ألياف الكربون الخفيفة والمقاومة للصدمات الهوائية. وهذا الإجراء الهندسي يهدف لتقليل الاحتكاك وزيادة السرعة إلى أقصى مستويات ممكنة رياضيا.

وفي تلك الأثناء، يبدأ الرياضي في التعامل مع كرسيه كأنه امتداد بيولوجي لأطرافه العلوية والقوية. وحسب الدراسات الفيزيائية للرياضات البارالمبية، فإن وضعية الجلوس داخل الكرسي تتطلب مرونة استثنائية وعالية. وبناء على ذلك، يتم تخصيص كل كرسي ليتناسب بدقة متناهية مع مقاييس جسد اللاعب وحركته. والنتيجة هنا هي تحول العجلات إلى محركات بشرية تنطلق بسرعة تتجاوز 30 كيلومترا في الساعة.

ومن هنا تصبح العلاقة بين البطل وآلته علاقة تكاملية وثيقة لا يمكن فصلها أبدا. حيث يتدرب الرياضي لساعات طويلة على كيفية دفع العجلات بأقل مجهود وبأعلى كفاءة حركية. وهذا النهج التكنولوجي منح ديفيد القدرة على المنافسة في أصعب سباقات الماراثون العالمية والمكثفة. ومن ناحية أخرى، ساهمت هذه التقنيات في تغيير نظرة المجتمع نحو الإعاقة التكنولوجية والمستقبلية.

ديفيد وير وسداسية لندن التاريخية

وبعد سنوات من التدريب الشاق والمضني تحت إشراف نخبة من المدربين العالميين. خاض ديفيد تجربة هي الأهم في تاريخه الرياضي الحافل والممتد لأكثر من عقدين. وتحديدا في دورة الألعاب البارالمبية لندن 2012، حيث حقق معجزة رياضية حقيقية وصادمة. وفاز بأربع ميداليات ذهبية في أربع مسابقات مختلفة تماما في المسافات والتكتيك الرياضي.

وفي هذا السياق، أصبح ديفيد حديث الساعة في الصحافة البريطانية والعالمية المرموقة والواسعة الانتشار. حيث لم ير فيه الجمهور شخصا معاقا يحاول التسابق بل رأوا أسرع كائن بشري على عجلات. ومثال على ذلك، فوزه بماراثون لندن الشهير ثماني مرات، وهو رقم قياسي لم يسبقه إليه أحد. وبالمثل، أثبت أن طول المسافة لا يشكل عائقا أمام عضلات الكتف الفولاذية والصلبة.

وعلاوة على ما سبق، تسلط هذه الإنجازات الضوء على مفهوم القدرة البدنية الجبارة لذوي الإعاقة. فالمجهود المبذول في سباق الكراسي المتحركة يعادل أضعاف مجهود الجري التقليدي للأصحاء جسديا. ولذلك، يعتبر ديفيد رمزا للدمج الرياضي الكامل الذي يطالب به النشطاء والحقوقيون دائما. فالإعاقة هنا لم تكن سببا للتراجع.. كانت دافعا لاختراق جدار المستحيل وتجاوزه بامتياز.

حقوق الرياضيين البارالمبيين والإتاحة التكنولوجية 

وفي سياق متصل، تبرز مسألة حقوقية هامة في عالم الرياضات البارالمبية المعاصر. وهي الحق في الوصول إلى التكنولوجيا المساعدة والرياضية المتقدمة لجميع الفئات والطبقات. فالحصول على كرسي رياضي عالي الجودة يتطلب تكاليف مالية باهظة جدا ومرهقة للمرضى. وهذا يؤدي حتما إلى خلق فجوة بين الرياضيين في الدول المتقدمة والدول النامية والفقيرة.

وبناء على ذلك، من الضروري دعم الابتكار وتوفير المعدات الرياضية للجميع. فالموهبة الرياضية لدى ذوي الإعاقة لا يجب أن تموت بسبب غياب الدعم المادي أو التقني. وبالمثل، يتأكد حق المريض الرياضي في الحصول على بيئة تدريبية مؤهلة وآمنة وشاملة. فالملاعب والمضامير يجب أن تصمم لتكون متاحة بالكامل لمستخدمي الكراسي المتحركة دون عوائق.

ومن ناحية أخرى، فإن قصة ديفيد وير تعزز فلسفة الكرامة من خلال الإنجاز والعمل المخلص. حيث أثبت أن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة لا تقتصر على الرعاية الطبية أو المعونات المالية. بل تمتد لتشمل الحق في المنافسة، والتميز، والوصول إلى منصات التتويج العالمية بكل فخر. وهذا التمكين هو ما يسعى إليه كل إنسان يريد أن يترك أثرا في هذا العالم.

إرث ديفيد وير ومستقبل سباقات الكراسي المتحركة 

واليوم لا يزال ديفيد وير يمثل مصدر إلهام لجيل جديد من الرياضيين البارالمبيين الطموحين. ويؤكد دائما أن الإعاقة هي حالة ذهنية يمكن التغلب عليها بالإصرار والتدريب المستمر. وعلاوة على ذلك، ساهم في رفع الوعي الجماهيري حول جماليات وقوة سباقات الكراسي المتحركة الفريدة. حيث أصبحت هذه السباقات تستقطب ملايين المتابعين عبر شاشات التلفاز والمنصات الرقمية.

وفي ختام مسيرته كأيقونة رياضية، نرى أن الإرث الذي تركه يتجاوز الميداليات المذهبة والبراقة. فديفيد غير نظرة العالم من عاجزين يحتاجون للمساعدة إلى أبطال يقودون التغيير بقوة سواعدهم. وبالمثل، فتح الباب أمام شركات التكنولوجيا لتطوير حلول حركية مبتكرة لجميع الأشخاص ذوي الإعاقة. وترى منصة جسور في هذه الرحلة مثالا حيا على كسر حاجز العجز النفسي والمجتمعي.

طالع: شريف عثمان ملك الحديد.. بطل مصري أبهر العالم من فوق كرسي متحرك

ومن جهة أخرى، علق الخبراء في الطب الرياضي على بنية ديفيد الجسدية المذهلة. مشيرين إلى أن كتلته العضلية في الجزء العلوي تعادل كتلة الرياضيين المحترفين في كمال الأجسام. ومؤكدين أن قلبه يعمل بكفاءة تضاهي كبار عدائي الماراثون في العالم أجمع. وهذا يثبت أن الجسد البشري يمتلك قدرة هائلة على التكيف والتعويض عند فقدان وظيفة معينة. وفق eurekamagazine.

دروس من حياة الرجل الحديدي في 17 فبراير 

وفي النهاية، نؤكد أن الاحتفاء بذكرى ميلاد ديفيد وير هو احتفاء بقيم الإنسانية والإرادة. فقصته بمثبة هي صرخة في وجه كل من يحاول تهميش ذوي الإعاقة أو حصرهم في زوايا العجز. فالإعاقة الحركية لم تمنع ديفيد من أن يصبح واحدا من أسرع البشر على وجه البسيطة.

وبالتالي، تبقى الآمال معقودة على استمرار هذا الدعم الرياضي والحقوقي لكل المواهب الخفية. لتقديم أبطال جدد يرفعون راية التحدي في كل محفل دولي قادم وبقوة وثبات. فالعجلات التي يحركها ديفيد اليوم، هي ذاتها التي تفتح أبواب الأمل لآلاف الأطفال من ذوي الإعاقة. ليؤمنوا بأن أحلامهم يمكن أن تنطلق بسرعة البرق نحو خط النهاية والنجاح.

المقالة السابقة
بمشاركة الحويلة..  مبادرة وطنية لتعزيز الولاء والانتماء تحت شعار «الكويت هويتي»
المقالة التالية
بطاقات الخدمات المتكاملة تتصدر مناقشات وزيرة التضامن وأعضاء البرلمان المصري