باحثة مصرية تطوّر أول مقياس بصري للوظائف التنفيذية للأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد

باحثة مصرية تطوّر أول مقياس بصري للوظائف التنفيذية للأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد

المحرر: سماح ممدوح حسن-مصر
ذوي اضطراب طيف التوحد

مع كل خطوة بمسيرة الطفل ذي الاحتياجات الخاصة، تتضح أهمية البحث العلمي والخبرة العملية التي تصنع فرقًا حقيقيًا في حياته وحياة أسرته. وفي هذا الإطار، يبرز عمل الباحثة المصرية«سها عوف». والتي تقوم بإعداد ماجستير في قسم العلوم النفسية بجامعة بورسعيد، ومتخصصة في التربية الخاصة. التي كرست سنوات من جهدها لتطوير أدوات مبتكرة تساعد الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد. على تنمية مهاراتهم الكامنة، وتقدم لأسرهم أسسًا عملية للتدخل المبكر والدعم المستمر.

تنمية مهارات ذوي اضطراب طيف التوحد على أسس علمية

وعن هذه الآداة المبتكرة تحدثت سها إلى «جسور» لتعرّفنا بابتكارها. فهي تقدم نموذجًا عمليًا وإنسانيًا يجمع بين البحث العلمي والخبرة الميدانية لدعم الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة وأسرهم. حصلت سها على الدبلوم العام والدبلوم الخاص من كلية علوم الإعاقة والتأهيل بجامعة الزقازيق. كما أكملت العديد من الدورات التدريبية المتخصصة في التربية الخاصة من جامعة عين شمس. قبل أن تتفرغ لتطبيق خبراتها على أرض الواقع.

الباحثة مع أحد الأطفال
الباحثة مع أحد الأطفال

وفي هذا السياق، عملت في مجال التربية الخاصة منذ تسع سنوات، معتبرة هذا المجال رسالة قبل أن يكون مهنة.

ومن خلال خبرتها العملية الطويلة، أسست سها مركزًا متخصصًا لرعاية وتأهيل الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة. بهدف تقديم تدخلات مبكرة وبرامج قائمة على أسس علمية تسهم في تنمية قدرات الأطفال وتحسين جودة حياتهم وأسرهم.

علاوة على ذلك، ونتيجة ممارستها اليومية ووعيها العميق باحتياجات الأطفال. طورت سها أول مقياس مصور ومقنن للوظائف التنفيذية للأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد.

أول مقياس مصور للوظائف التنفيذية لأطفال التوحد يركز على 6 أبعاد

يركز هذا المقياس على ستة أبعاد رئيسية: مرونة الانتباه، الذاكرة العاملة، كف السلوك، الضبط الذاتي، التخطيط، وحل المشكلات.

وعن تصميم المقياس تقول سها إنها تعمدت تصميم المقياس بصريًا لتلبية احتياجات الأطفال الذين يعتمدون على الذاكرة البصرية أكثر من اللغة. خصوصًا مع وجود قصور في اللغة الاستقبالية والتعبيرية أو الإيكولاليا «ترديد الكلام».

ومن خلال هذا المقياس، يحصل الأخصائيون على رؤية واضحة لقدرات الطفل. ويستطيعون تحديد مجالات الدعم والتدخل المبكر بشكل عملي وفعّال.

اختارت سها التخصص في اضطراب طيف التوحد انطلاقًا من ملاحظاتها الميدانية قبل التعمق الأكاديمي. فخلال عملها في مجال التربية الخاصة، لاحظت أن الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد يمتلكون قدرات كامنة كبيرة. لكنهم يواجهون صعوبات معقدة تحتاج إلى فهم دقيق وأدوات علمية متخصصة.

كما شعرت أن هذا المجال يحتاج إلى مزيد من البحث والتطوير، خاصة في جانب القياس والتشخيص المبكر. إذ يتطلب العمل مع هذه الفئة صبرًا ووعيًا علميًا، وإيمانًا حقيقيًا بقدرة الطفل على التحسن عند تقديم الأدوات المناسبة.

تضيف سها: «قررت أن أتعمق في هذا التخصص ليس فقط كمسار أكاديمي، بل كرسالة مهنية وإنسانية أؤمن بها».

رحلة صعبة لا تخلو من التحديات

وفي الواقع، لم تقتصر رحلتها على الجانب الأكاديمي فقط، بل كانت إنسانية أيضًا. لكنها رحلة لم تخلو من التحديات التى تتمثل فى كونها أم لطفلين وتدير مركزًا متخصصًا. وتعمل في المجال منذ سنوات طويلة، وكان التحدي الحقيقي يتمثل في الموازنة بين دورها كأم وباحثة وأخصائية ميدانية.

وفي هذا السياق، تشير سها إلى أن أيامها كانت طويلة ومكثفة، بين العمل بالمركز، وجمع البيانات، وتصميم الصور، ومراجعة الإطار النظري. ثم العودة إلى المنزل لاستكمال دورها كأم بكل حب ومسؤولية. لكنها تؤكد أن كل تعب اليوم ينعكس أثرًا إيجابيًا على طفل يحتاج أداة تقييم دقيقة غدًا.

أما من الناحية العلمية، فكانت التحديات أكثر دقة وتعقيدًا، بدءًا من ندرة المقاييس العربية المصورة المتخصصة في الوظائف التنفيذية. وصعوبة تصميم مواقف مصورة تقيس مهارات مثل الذاكرة العاملة ومرونة الانتباه دون الاعتماد على اللغة. وصولًا إلى إجراءات التحكيم العلمي واستخراج معاملات الصدق والثبات، التي تطلبت وقتًا وجهدًا كبيرين.

وفي هذا الإطار، ترى سها أن الصعوبات ليست عوائق، بل مراحل لصناعة عمل قوي يستحق أن يرى النور.

ممارسات غير مقصودة تؤثر سلبًا على تقدم الطفل

وفي سياق التعامل مع الأسر، توضح سها أن هناك بعض الممارسات الغير مقصودة من الأسر. رغم بذل أقصى الجهود، إلا ان بعضها قد تؤثر سلبًا على تقدم الطفل، ومن أبرز هذه الأخطاء:

– تأخير التقييم والتدخل المبكر. إذ يؤدي انتظار التحسن الذاتي إلى ضياع فرصة ذهبية في مرحلة الطفولة المبكرة، وهي أهم مرحلة للتدخل.

– عدم الثبات في القواعد بين الأب والأم. حيث يؤدي التناقض في الأساليب التربوية إلى إرباك الطفل وزيادة السلوكيات غير المرغوبة.

– الحماية الزائدة أو تلبية كل طلبات الطفل فورًا. ما يضعف فرص تنمية مهارات الاعتماد على النفس وضبط السلوك.

– التركيز على السلوك الظاهر دون فهم السبب. فالكثير من السلوكيات تكون وسيلة للتعبير عن احتياج أو صعوبة، وليس عنادًا أو سوء تربية.

– المقارنة المستمرة بالأطفال الآخرين. إذ تؤدي إلى زيادة الضغط على الأسرة والطفل معًا.

– عدم الالتزام بخطة تدخل منتظمة. إذ يتطلب التحسن في حالات التوحد استمرارية وتكاملًا بين البيت والمركز.

صورة إعلامية مبالغ فيها

كما تنتقد سها الصورة الإعلامية للأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، معتبرة أن الإعلام أحيانًا يعرضهم بطريقة مبالغ فيها. إما على شكل معاناة مستمرة أو كعباقرة خارقين.

بينما الحقيقة تكمن في اختلاف قدرات كل طفل وتحدياته الخاصة. لذلك، تشير إلى ضرورة تقديم صورة متوازنة للأطفال. مع التركيز على قدراتهم وتحدياتهم، ودور الأسرة والتدخل المبكر، لنبني مجتمعًا يفهمهم ويحتويهم بدل الخوف والحكم المسبق.

وتؤكد سها أن التدخل المبكر يشكل نقطة تحول حقيقية في حياة الطفل، حيث تمثل السنوات الأولى من العمر الفترة الذهبية لنمو الدماغ. وفيها يكون الطفل أكثر قدرة على التعلم واكتساب المهارات.

وعند البدء في التدخل في الوقت المناسب، تستطيع الأسرة والمختصون تنمية مهارات التواصل. والتفاعل الاجتماعي، وضبط السلوك، والوظائف التنفيذية بشكل أسرع وأكثر فاعلية.

التدخل المبكر يغير مسار الأسرة بأكملها

وفي هذا السياق، تضيف سها: «التدخل المبكر لا يغيّر مسار الطفل فقط، بل يغيّر مسار الأسرة كلها. إذ يمنح الوالدين فهمًا أعمق، وأدوات عملية، وثقة في التعامل مع طفلهم بدلًا من الشعور بالحيرة أو القلق. كل شهر تأخير قد يعني فرصة مهدرة… وكل خطوة مبكرة قد تعني مستقبلًا مختلفًا تمامًا»

ومن هنا، يظهر الدور الحيوي للباحثين والممارسين في مجال التربية الخاصة. الذين يسعون لتقديم أدوات تقييم متقدمة، مثل المقياس المصور للوظائف التنفيذية الذي طورته سها عوف. ليصبح المرجع العلمي والعملي الذي يسهم في تحسين حياة الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد وأسرهم. ويؤكد أن العمل العلمي الممزوج بالجانب الإنساني يصنع فارقًا حقيقيًا في المجتمع.

المقالة السابقة
بطاقات الخدمات المتكاملة تتصدر مناقشات وزيرة التضامن وأعضاء البرلمان المصري
المقالة التالية
استراتيجية مصرية شاملة لنقل ملف الإعاقة إلى مرحلة الحقوق الكاملة