شريف عثمان ملك الحديد.. بطل مصري أبهر العالم من فوق كرسي متحرك

شريف عثمان ملك الحديد.. بطل مصري أبهر العالم من فوق كرسي متحرك

المحرر: سحر شيبة - مصر

منذ وقت مبكر، أدرك شريف عثمان أن العالم لا ينتظر المختلفين طويلًا. لذلك لم يقف منتظرًا الاعتراف. بل قرر أن يصنعه بنفسه. وهكذا، حوّل جسده المختلف إلى حكاية قوة، وجعل من الألم نقطة انطلاق. ومن الحديد لغة يخاطب بها العالم. ومن النجاح سطورًا تحكي رحلته بدلًا من أن يظل شاهدًا صامتًا على حياته.

الرباع البارالمبي شريف عثمان أحد أهم أبطال منتخب مصر في رفع الأثقال البارالمبي،  يروي حكايته لـ«جسور» قائلًا: «وُلدتُ في محافظة المنيا. داخل بيئة بسيطة، حيث مضت الطفولة بين محاولات متواصلة للتكيّف، وتحديات لا تتوقف. منذ البداية، حضرت إعاقتي الجسدية في كل تفاصيل حياتي، في المدرسة، وفي الشارع، وفي نظرات الآخرين. لذلك، شعرت مبكرًا بأنني مطالب دائمًا بشرح نفسي أكثر من اللازم، وبإثبات قدرتي في كل موقف، لا لأنني ضعيف، بل لأن المجتمع اعتاد أن يرى المختلف ناقصًا».

ويضيف: «بعد ذلك، ومع انتهاء دراستي، دخلت مرحلة البحث عن عمل، حاملًا آمالًا بسيطة، في مقدمتها الاستقرار، والاعتماد على النفس، والإحساس بأنني فرد طبيعي داخل هذا المجتمع. في البداية، عملت في محل ألبان، ثم انتقلت إلى ورش مختلفة، لكن التجربة جاءت قاسية، إذ سبقت الإعاقة الحكم عليّ، وسُحبت الفرص قبل أن تُمنح. ومع تكرار هذه المواقف، شعرت بثقل العجز النفسي، لا الجسدي، وأدركت أن الطريق يبدو مسدودًا مهما حاولت السير فيه».

حين أنقذتني الرياضة من الانكسار

يواصل الرباع المصري حديثه قائلًا: «في عام 2005، عدتُ إلى رفع الأثقال، لا بدافع البطولة، بل بدافع النجاة. فقد مارست اللعبة خلال سنوات الجامعة، ووجدت فيها سابقًا مساحة للهروب من الإحساس بالنقص».

ويتابع: «أما هذه المرة، فقد عدت إليها مثقلًا بالهزائم اليومية، وبحاجة حقيقية إلى استعادة ثقتي بنفسي. داخل صالة التدريب، اختفت النظرات، وتلاشت الأحكام، وبقي الجسد في مواجهة الإرادة فقط. ومع كل تمرين، تعلمت أن القوة لا تسكن الشكل، بل تكمن في الاستمرار».

ويواصل شريف: «بالتدريج، بدأت المشاركات الدولية، وجاءت أول ميدالية لتعيد إليّ الإيمان بأن ما أفعله ليس عبثًا. وبعد ذلك، توالت البطولات، ووقفت على منصات التتويج العالمية، محققًا الذهب في بكين 2008، ثم لندن 2012، ثم ريو دي جانيرو 2016، حيث كسرت الرقم القياسي العالمي. في تلك اللحظات، لم أرفع الحديد فقط، بل رفعت سنوات طويلة من التهميش، وواجهت كل من ظن أن الجسد المختلف لا يصلح إلا للبقاء في الخلف».

ما بعد القمة.. عظمة الاستمرار رغم التحديات

ومن ناحية أخرى، يضيف البطل المصري: «في طوكيو 2020، واجهت اختبارًا من نوع مختلف، حين فرضت الإصابة نفسها بقوة، ووضعتني أمام سؤال الاستمرار. حضر الألم بقسوة، ورافقني الخوف من التراجع، لكنني تعلمت أن القيمة لا تُقاس دائمًا بالذهب. لذلك، اعتبرت الميدالية الفضية درسًا في الصبر والنضج قبل أي شيء آخر».

«وبعد طوكيو، كما يوضح شريف عثمان لـ«جسور»: «لم تكن العودة سهلة على الإطلاق. فقد جعلت الإصابات المتراكمة. كل تدريب معركة صغيرة، وكل قرار بالاستمرار اختبارًا جديدًا للإيمان بالنفس. ومع ذلك، عدت إلى صالة التدريب بروح مختلفة، أقل اندفاعًا وأكثر نضجًا، مدركًا أن أصعب مراحل الرحلة لا تكمن في الصعود، بل في البقاء بعد القمة».

ويستطرد: «في عام 2024، شاركت في دورة باريس البارالمبية. وأنا أعلم جيدًا أن مجرد الوقوف مجددًا على منصة المنافسة. بعد سنوات من الألم والتأهيل، يمثل انتصارًا لا يقل قيمة عن أي ميدالية».

العودة إلى الحلم على أرض الوطن

وفي الإطار ذاته، يتابع شريف عثمان حديثه قائلًا: «في عام 2025، جاءت المشاركة في بطولة العالم لرفع الأثقال البارالمبي بالقاهرة. وهو الحدث الذي استضافته مصر للمرة الأولى. وذلك كخطوة جديدة على طريق التأهل إلى الألعاب البارالمبية في لوس أنجلوس 2028. هنا، اكتسب الوقوف على أرض الوطن، وسط أبطال العالم، معنى مختلفًا. فلم أنافس من أجل رقم أو منصة فقط، بل سعيت إلى تأكيد أن الرحلة ما زالت مستمرة. رفعت الوزن وأنا أحمل داخلي سنوات طويلة من الخبرة. وأدركت أن الإنجاز في هذه المرحلة لا يُقاس بالميداليات وحدها. بل بالقدرة على الصمود، وبالاستمرار رغم ما يطلبه الجسد من راحة».

وفي ختام حديثه، يؤكد شريف عثمان: «اليوم، أواصل الاستعداد لما هو قادم، مؤمنًا بأن لكل محاولة قيمة. وأن الاستمرار في حد ذاته بطولة. وأن الجسد المختلف الذي بدأ الحكاية، ما زال قادرًا على كتابة فصولها الأخيرة بكرامة وإصرار.

المقالة السابقة
في كأس العالم 2026.. غياب العدالة عن أسعار تذاكر ذوي الإعاقة
المقالة التالية
تأهيل ذوي الإعاقة السمعية لسوق العمل بقطر عبر خطة وطنية للتعليم الدامج