في عام 1978، انتقل ميكي ويسلي للعيش في سكن للطلاب بمجمع هامر في ولاية مينيسوتا، وكان حينها طفلا مفعما بالحيوية في الحادية عشرة من عمره. ولد ميكي مصابا بالتوحد ومتلازمة داون، لكن ذلك لم يمنعه من الاستمتاع بحياة مليئة بالنشاط، حيث كان يعشق الذهاب للكنيسة، ولعب البولينج، وصيد الأسماك.
اليوم، وقد بلغ ميكي عامه ال 58، تغير عالمه بشكل جذري وأصبح أصغر بكثير. لم يعد ذلك الطفل الذي يركض في الأرجاء، بل أصبح بحاجة ماسة للمساعدة في أبسط تفاصيل يومه، من الاستحمام وقضاء الحاجة وحتى ارتداء الملابس. وفق موقع ديسابيلتي سكوب، والذي يعتبر أهم منظمة إخبارية في أمريكا مخصصة لتغطية الإعاقات التنموية.
تصف شقيقته، جولي ويسلي وونج، هذا التحول الجذري قائلة: «عندما كان أصغر سنا، كان كل ما يحتاجه هو موظفين يلعبون دور المشرفين في المخيمات الصيفية.. أما الآن؟ فالأمر مختلف تماما».
وتضيف: «يحتاج أخي ومن هم في مثل حالته الآن إلى أشخاص يعرفونهم بعمق، يتوقعون احتياجاتهم، ويلاحظون أدنى التغيرات في صحتهم.. إنهم بحاجة لرعاية إضافية متخصصة تناسب تقدمهم في العمر».
شيخوخة ذوي الإعاقة
في الواقع، قصة ميكي ليست حالة فردية، بل هي مرآة تعكس واقعا جديدا يواجهه الملايين حول العالم. فمع التقدم الطبي وتحسن ظروف المعيشة، ارتفع متوسط العمر المتوقع للأشخاص ذوي الإعاقات الذهنية والنمائية بشكل ملحوظ.
تشير الإحصاءات إلى أن متوسط عمر هؤلاء الأشخاص قفز من 66 عاما في خمسينيات القرن الماضي إلى 78 عاما بحلول عام 2007، والرقم في تصاعد مستمر. وهذا يعني أننا أمام ظاهرة شيخوخة ذوي الإعاقة كواقع جديد.
تؤكد تمار هيلر، مديرة مركز أبحاث وتدريب الشيخوخة لذوي الإعاقات النمائية بجامعة إلينوي، أن عدد ذوي الإعاقة الذين تتجاوز أعمارهم 60 عاما سيتضاعف قريبا. فمن المتوقع أن يقفز الرقم من 650 ألفا في عام 2000 إلى 1.2 مليون بحلول عام 2030.
أزمة الرعاية.. من يرعى من؟
هذا الارتفاع في الأعمار يضعنا أمام معضلة كبرى. فبينما يعيش ذوو الإعاقة لفترات أطول، يشيخ أيضا آباؤهم وأفراد أسرهم الذين كانوا يتولون رعايتهم. وتشير البيانات إلى أن أكثر من 25% من مقدمي الرعاية الأسريين تجاوزوا سن الستين.
تحذر هيلر من أن هذا التحول في تركيبة السكان يشير إلى زلزال قادم في مجال الرعاية. فمع تقدم الأهل في العمر وعجزهم عن تقديم الرعاية، ستحتاج أعداد متزايدة من ذوي الإعاقة للانتقال إلى دور الرعاية والمنازل الجماعية.
وتضيف بمرارة: «هناك بالفعل قوائم انتظار طويلة في هذه المرافق.. وإذا لم تعد العائلات قادرة على التحمل، فسيحتاجون للمساعدة الفورية، وإلا سنواجه حالات إيداع طارئة لن تكون نتائجها جيدة».
طالع: الصين تطور نموذجًا علميًا لفهم الإعاقة المرتبطة بالشيخوخة
في الوقت الذي يزداد فيه الطلب على الرعاية المتخصصة لملف شيخوخة ذوي الإعاقة، تواجه المرافق أزمة مزدوجة: ركود في التمويل الحكومي، ونقص حاد في الموظفين المؤهلين.
كشف تقرير وطني صدر مؤخرا عن مجموعة الصناعة (ANCOR). أن 88% من مقدمي الخدمات المجتمعية لذوي الإعاقات الذهنية، واجهوا نقصا متوسطا أو حادا في الموظفين العام الماضي.
والأخطر من ذلك، أن ما يقرب من ثلثي مقدمي الخدمات اضطروا لرفض استقبال حالات جديدة. بسبب عدم وجود طاقم كاف. وهذا يعني أن الأبواب تغلق في وجه من هم في أمس الحاجة إليها.
الجيل الأول الذي يعيش أطول من والديه
في مؤسسة Hammer & NER، التي تؤوي 356 شخصا من ذوي الإعاقة في منازل وشقق مجهزة، يبدو المشهد واضحا. فالسكان يتقدمون في العمر، والاحتياجات تتغير بسرعة.
يقول جيري ليفاسور، مدير العمليات في المؤسسة: «نحن ننظر الآن إلى الجيل الأول من ذوي الإعاقة الذين يعيشون أطول من والديهم». ويشير إلى أن ثلث السكان في الأربعينيات من عمرهم، و70 منهم تجاوزوا الستين.
استجابة لهذا الواقع، بدأت المؤسسة في تدريب موظفيها على التعامل مع الخرف والزهايمر، وهي أمراض الشيخوخة التي بدأت تظهر بوضوح بين النزلاء. فالموظف الآن لا يحتاج فقط لمهارات الرعاية الأساسية، بل لمهارات تمريضية ونفسية متقدمة.
تجديد المباني.. ضرورة لا رفاهية
لا تقتصر التحديات على البشر فقط، بل تمتد للحجر. فالمباني التي تم شراؤها في الثمانينيات لم تعد صالحة لسكان يعانون من مشاكل في الحركة والشيخوخة. السلالم والممرات الضيقة أصبحت عائقا خطيرا.
توضح بام جانشيفسكي، مديرة خدمات البرامج، أن المؤسسة تخطط لإعادة تصميم المنازل لزيادة إمكانية الوصول. ويشمل ذلك تركيب مصاعد جديدة، توسيع الأبواب، وتجديد الحمامات لتناسب كبار السن.
ولتمويل هذه التغييرات الجذرية، أطلقت المؤسسة حملة لجمع 5 ملايين دولار. ويؤكد الرئيس التنفيذي جون إستريم أن الحملة ضرورية لتقديم الرعاية الاستثنائية لهذا الجيل الذي يواجه تمويلا غير مؤكد لمستقبله.
سارة والخوف من المجهول
في زاوية أخرى من القصة، نجد سارة أموندسون، البالغة من العمر 45 عاما. تعاني سارة من تأخر في النمو، لكن والديها لم يقلقا يوما بشأن عمرها المتوقع، حتى داهمها ورم خبيث في المخ وسكتة دماغية، والآن الخرف.
تقول والدتها ماري، وهما الآن في أواخر السبعينيات من العمر: «سارة تتراجع الآن بسبب الخرف.. لديها الكثير من الأطباء والمواعيد، وهي تحتاج لرعاية تفوق طاقتنا».
كانت سارة تعيش حياة شبه مستقلة في شقتها بالمؤسسة، لكن مع تقدم المرض والسن، أصبح عالمها ينكمش، تماما مثل ميكي. يشعر والداها بالامتنان لما تقدمه المؤسسة، لكن القلق ينهش قلوبهم حول مستقبل ابنتهم بعد رحيلهم. وفق موقع ديسابيلتي سكوب.
يختتم الأب جويل حديثه بكلمات تلخص المأساة: «لقد أصبحت أكبر سنا، وأكثر احتياجا». بينما تقول الأم بأمل مشوب بالألم: «أقصى أملي هو أن تعيش حياتها بأقصى ما تستطيع، ولأطول فترة ممكنة».
جرس إنذار
إن ملف شيخوخة ذوي الإعاقة ليس مجرد تحد طبي أو لوجستي، بل هو قضية إنسانية ملحة. نحن أمام جيل كامل يشيخ لأول مرة في التاريخ الحديث، والنظام الحالي غير مستعد بما يكفي لاستيعابهم.
يتطلب الأمر تكاتفا حكوميا ومجتمعيا لتوفير التمويل وتأهيل الكوادر، وتجهيز البنية التحتية. فمن حق هؤلاء الذين عاشوا حياة مليئة بالتحديات، أن يحظوا بشيخوخة كريمة وآمنة، تحفظ لهم إنسانيتهم حتى اللحظة الأخيرة.


.png)


















































